الأربعاء، نوفمبر 13، 2013

الرسالة الثانية في التحقيق عن صوم "عاشوراء" :عاشوراء اليهود، عاشوراء الشيعة، عاشوراء السنة



عاشوراء اليهود، عاشوراء الشيعة، عاشوراء السنة[1]‎ .. ‎

‎ القاضي عبدالجبار
أحب قبل أن أخوض في الموضوع أن أنبّه إلى أن لفظة (عاشوراء) وهي ‏على وزن فاعولاء، إنما هي مستوردة من (العبرانية) كما هو مذهب الخليل ‏بن أحمد الفراهيدي، فليست هي عربية أصالة، ولا هي من التراث ‏الجاهلي‎.‎
في كل سنة من هذه الأيام تضج المنابر ووسائل الإعلام المختلفة بالتذكير ‏بصيام عاشوراء وفضله، على قنوات أهل السنة، كما تضج منابر ووسائل ‏الإعلام الشيعية المختلفة بالتذكير بمأساة عاشوراء التي استشهد فيها ‏الحسين رضي الله عنه بطريقة بشعة جدًّا سنة 61 هـ في عهد يزيد بن ‏معاوية بن أبي سفيان‎.‎
وليوم عاشوراء منزلته التي لا تنكر في كافة بلدان العالم الإسلامي، فهو ‏ليس مجرد يوم للصيام فقط، بل هو أشبه بالعيد الذي تجري فيه التهاني، ‏ولقد نشأنا على الاحتفاء بهذا اليوم صيامًا، منذ طفولتنا وكان أشبه بالواجب ‏علينا على الرغم من كونه نافلة‎.‎
ولم أسمع في حياتي كلها أن هذا اليوم شهد مقتل الحسين إلا بعد أن جاوزت ‏الثلاثين!! بسبب الثورة الإعلامية والمعلوماتية التي حصلت في السنين ‏الأخيرة‎.‎
الحق أني مدعو على الإفطار عند أحد الأصدقاء في يوم عاشوراء القادم، ‏ولقد اعتذرت متعللاً بأسباب واهية لئلا أذهب، لأني ـ أصدقكم القول ـ لم ‏أعد أصوم هذا اليوم بعد أن تبين لي تضارب الأحاديث فيه، بل تجاوز ‏الأمر لدي إلى الاعتقاد بأن صيامه مسألة سياسية لا دينية لإشغال الناس ‏عن جريمة قتل الحسين، وكرد فعل على لطميات الشيعة‎.‎
وسأذكر الأحاديث تباعاً وأعلّق عليها، وسأحرص على ألا تكون إلا من ‏البخاري ومسلم

توقيت تشريع الصيام‎:‎

عن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: " قدم رسول اللَّه صلى الله عليه ‏وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم ‏صالح، نجّى اللَّه فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه،فقال: أنا ‏أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه‎" . ‎
وفي رواية: " فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه‎" . ‎
وفي رواية أخرى: " فنحن نصومه تعظيماً له‎" . ‎
أخرجه البخاري (4/244) ح(2004) ، ومسلم (1130‏‎).‎
واضح في هذا الحديث أن مناسبته هي أن رسول الله عندما هاجر رأى ‏اليهود تصوم عاشوراء، فصامه وأمر بصيامه، ويفيد هذا الحديث أن رسول ‏الله لم يكن يصومه قبل ذلك‎.‎
لكن هذا الحديث مناقض لحديث آخر روته عائشة‎:‎
عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: " كان عاشوراء يصام قبل رمضان، فلما ‏نزل رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر‎". ‎
وفي رواية : " كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول ‏اللَّه صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه، وأمر ‏بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن ‏شاء تركه‎" . ‎
أخرجه البخاري (4/244) (ح2001) ، (2002) ، ومسلم (1125‏‎( .‎
وهذا الحديث يفيد أن صيام عاشوراء إنما كان يصام في الجاهلية! مناقضاً ‏للحديث السابق الذي يفيد أن رسول الله إنما بدأ بصيامه بعد الهجرة‎!.‎
وهناك حديث آخر يناقض كل ما سبق‎!‎
عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ‏‏"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع‎" . ‎
وفي رواية قال: " حين صام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، ‏وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول اللَّه إنه يوم تعظّمه اليهود والنصارى؟ فقال ‏رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : فإذا كان العام القابل - إن شاء اللَّه - صمنا ‏اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل، حتى توفي رسول اللَّه صلى الله ‏عليه وسلم‎ " . ‎
رواه مسلم (1134‏‎).‎
فهذا يدل على أن اكتشاف أنه يوم تعظمه اليهود (والنصارى!) بعد أن ‏صامه‎!‎
وحين صامه وأمر بصيامه قال لأن حييت إلى قابل لأصومن التاسع! ولكنه ‏لم يعش إلى العام المقبل‎!‎
وهذا يفيد أن الأمر بالصيام إنما كان قبل وفاة النبي بعام‎!‎
وكل ما سبق يتناقض مع حديث ابن مسعود‎:‎
عن علقمة بن قيس النخعي، أن الأشعث بن قيس دخل على عبدالله بن ‏مسعود، وهو يطعم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبدالرحمن ، إن اليوم يوم ‏عاشوراء، فقال‎: "‎قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ‏ترك، فإن كنت مفطراً فاطعم" . وفي رواية لمسلم: " كان يوماً يصومه ‏رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ‏تركه‎" . ‎
أخرجه البخاري (8/178) (ح5403) ومسلم ()1127‏‎. ‎
وهذا يفيد أنه (كان يصام) قبل رمضان فلما نزل رمضان ترك! أي أنه لم ‏يعد مهمًا وأنه لا يستحق كل تلك الجلبة والضوضاء التي نسمعها كل حين‎! ‎
بينما نجد حديثًأ آخر عن أبي قتادة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال‎: " ‎صيام يوم عاشوراء، أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله‎" . ‎
أخرجه مسلم (1162‏‎( ...‎
فهو يوم مهم جدّا إذن وفيه تكفير وغفران لسنة كاملة ... ! فكيف يكون هيّنًا ‏جدًّا عند صحابي جليل صاحب عبادة ونسك مثل ابن مسعود إلى هذه ‏الدرجة؟‎!‎
كل ما سبق هو اضطراب يضعف الأحاديث ويجعلني أشك في أهمية هذا ‏اليوم، بل أشك في مشروعية صيامه أصلاً‎.‎
الجدير بالذكر أن اليهود لهم يوم عاشوراء يعظمونه، بحسب السنة ‏اليهودية، فاليهود يؤرخون لعبادتهم بالسنة اليهودية وليس بالسنة ‏‏الهجرية‎!‎
ولهم نظام بديع في هذا، فشهورهم قمرية وسنينهم شمسية، ولمّا كان هناك ‏فرق من الأيام بين السنة القمرية والسنة الشمسية، فهم يجمعون تلك الأيام ‏ويضيفون شهرًا لتكون السنة الكبيسة مكوّنة من ثلاثة عشر شهرًا‎!!‎
يصوم اليهود اليوم العاشر من الشهر الأول في كل سنة جديدة، وهو العاشر ‏من (تشري) عندهم‎.‎
ويسمونه يوم الغفران فيصومونه ويعتقدون أن الصائم تكفر له سنة ماضية! ‏تماماً كما يعتقد أهل الحديث في يوم عاشوراء‎.‎
‎
ويوم الغفران هذا مختلف تمام الاختلاف عن عيد النجاة الذي يحتفلون به ‏ويصادف ذكرى نجاة موسى من فرعون وهو أسبوع كامل لا صيام فيه ‏وليس كما ورد في الحديث المشهور أنهم كانوا يصومونه!، بل هو على ‏التحقيق زمان أكل وشرب وفرح ولعب، وليس زمان صيام‎!‎
فهذا هو يوم عاشوراء‎ ...‎
إنه يوم صيام ومغفرة عند أهل السنة واليهود كل حسب تقويمه المعتمد‎.‎
وهو يوم حزن ولطم عند الشيعة‎!‎

ختاماً‎:‎

أزعم ولا أؤكد أن هذا الصخب الذي نسمعه في التذكير بصيام عاشوراء ‏عبر وعاظ المساجد ابتدأ بعد مقتل الحسين لينشغل الناس عن التغيظ على ‏يزيد والأمويين بذكر فضائل صيام عاشوراء والانشغال به، بدلاً من تعبئة ‏المشاعر بالحقد على الأمويين، لا سيّما وأنه قد كان للقص (أي الوعظ) دور مهم أيام ‏الأمويين يُسْتقرأ من النصوص‎.‎
والحاصل أن مسألة الاهتمام بصيامه وشغل الناس بالحديث عن ذلك في ‏المساجد إنما هو ـ فيما أظن ظنا قويًا ـ حيلة أموية عن طريق القصاصين ‏لشغل الناس عن ذكر الجريمة السياسية التي ارتكبوها بحق سبط رسول الله‎ ‎‎..‎
لست موافقًا ـ البتة ـ على جعل عاشوراء موسمًا للطميات والنواح بهذه ‏الطريقة المقززة التي نشهدها، ولكننا مع انتهاز أي مناسبة للحديث عن ‏العدل كقيمة إنسانية مطلقة‎.‎
وللسياسي تأثير عظيم في توجيه الدين ولذلك شواهد لا تنكر عبر التاريخ‎. ‎




[1]  -إسم مستعار ‎منتديات الأشراف أون لاين - http://www.ashraf-online.com/vb/printthread.php?t=45587

ليست هناك تعليقات:

ألبوم الصور