الاثنين، يونيو 15، 2026

صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

 


صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

مقدمة: التاريخ كصناعة واعية

لا يُصنع التاريخ بالمصادفات، ولا يُترك وعي الأمم لمهبّ العفوية والارتجال. التاريخ في جوهره صناعةٌ واعية، والصناعةُ في كينونتها المادية والوجودية تحتاج إلى تضافر عناصر أربعة متكاملة: رأس مال محرك، أدوات وآلات فاعلة، جهد بشري خلّاق، وقدرة استراتيجية على التسويق والتسييل زماناً ومكاناً في مجريات الدهر.

ضمن هذه المعادلة الموضوعية، تحرك الإنسان العاملي (أهل جبل عامل) عبر التاريخ؛ فلم يكن يوماً على هامش الجغرافيا، بل كان في قلب حركيتها وصانعاً لمتغيراتها. غير أن الميزة الوجودية للشخصية العاملية تكمن في أنها لم تفصل يوماً بين "مادية الإنتاج" "وأصالة الروح"، بل زاوجت بين قسوة العمل والجهد اليومي، وبين الانتماء الفكري العقائدي الأصيل؛ فكان العامليون قرآنيين في منطلقهم المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلوناتها المعقدة ومحطاتها المتغيرة عبر الأزمنة.

أولاً: واقعية الجهد العاملي (رأس المال، الأدوات، والتسييل)

تاريخياً، واجه العامليون جغرافيا جبلية قاسية وتهميشاً سياسياً واقتصادياً متعمداً من السلطات المتعاقبة. ولفرض وجودهم وانتزاع بقائهم، تحوّل الجهد البشري العاملي إلى قوة جبارة طوعت الصخور وحولتها إلى مدرجات زراعية خصبة أنتجت التبغ والزيتون والحبوب، مستخدمين أدواتهم البسيطة لإنتاج عيشهم بحرية.

 ولأن "الصناعة يلازمها تسييل وتسويق"، لم ينغلق جبل عامل على نفسه، بل ارتبطت حركته الاقتصادية بحواضر المحيط كصيدا وصور وعكا ودمشق، مكرساً معادلة الاكتفاء الذاتي الممزوج بالانفتاح التجاري.

إلا أن اشتداد الحصار والاضطهاد وتدمير المواسم المتكرر عبر الحقب، ضيّق حدود الجغرافيا المحلية على تطلعات الإنسان العاملي، مما دفعه إلى نقل معركته الإنتاجية إلى فضاءات أرحب، مبتكراً "رأس مال بديل" عبر ظاهرة الهجرة الاغترابية المبكرة إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولم يكن هذا الاغتراب انقطاعاً عن الأرض أو هروباً من مواجهة الواقع، بل كان امتداداً تاريخياً وموضوعياً لذات الدورة الاقتصادية؛ حيث تحولت الغربة إلى ساحة جديدة لتسييل الجهد البشري وضخ الأموال والموارد المغتربة في عروق الوطن، لتعود دماءً اقتصادية طازجة تُستثمر في تمويل حواضره الثقافية، وتعزيز صمود مجتمعه في وجه نوائب الدهر زماناً ومكاناً.

ثانياً: هويةٌ قرآنية وولاءٌ حركي يصنعان ريادةً عالمية

استندت هذه الحركية المادية للإنسان العاملي إلى مخزون عقائدي صلب تلاحم فيه الأصل بالفرع؛ فكنا قرآنيين في منطلقنا المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلويناتها للأزمنة المتغيرة في امتدادنا السياسي والحركي.

 لم تكن هذه الثنائية شعاراً مجرداً، بل تجسدت في تمهيد النص الإلهي ومعالم الوعي؛ فمن آيات الحث على العمل وعمارة الأرض، تحول التوجيه القرآني: {وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة - آية 105) إلى دافع يومي لرفض الخمول، ومن آيات مواجهة البغي ومقاومة الجور مستندين إلى قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج - آية 39)، استمدّ العقل العاملي شرعية الوفاء لخط الإمامة الرافض للظلم، وصاغ معالم مواجهته للجور عبر التاريخ.

هذا التلاحم بين الوعي القرآني والخط الولائي جعل من طلب العلم وتأصيل الفقه فريضة حركية امتداداً لقوله سبحانه: {.. يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة - آية 11) ، فصار جبل عامل "نجف الشام" بحواضره ومدارسه العلمية الكبرى في كرك نوح، وميس الجبل، وجزين، ومشغرة، وجباع، والنبطية.

وعندما تلونت الأزمنة واكتملت الأهلية العلمية للجبل، انطلق العقل العاملي لتطبيق الامتداد الغائي للآية الكريمة؛ فتحقق النفير هنا لا لطلب التفقه بعد أن أُصّل في الحواضر المحلية، بل سعياً للإنذار والتبليغ، واعتبار العالم كله ميداناً رسالياً ممتداً، مصداقاً لتمام البيان الإلهي: { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }(التوبة - آية 122). وضمن هذا الأفق التبليغي، وسواء أكان النفير استجابةً لطلب مباشر من حكام تلك الحواضر الكبرى وحاجتهم الملحّة لعلم الجبل، أو كان سعياً ذاتياً لمدّ جسور الفكر، فيمّم علماؤنا شطر الإمبراطوريات والحواضر الكبرى الناشئة؛ فكان العراق هو الرحم الفقهي والموئل الذي تخرجت من حوزاته (كالحلّة والنجف) النوابغ العاملية الأولى لتعود وترفدها لاحقاً بالتجديد، وكانت البحرين واحة الأخوة والسليقة التي امتزج بها الفكر العاملي حتى احتضن ثراها كبارنا كالشيخ حسين بن عبد الصمد. والتفتت العقول العاملية بطلب ونفير رسالي نحو الدولة الصفوية في إيران والممالك الفقهية في الهند كحيدر آباد وسلطنات الدكن؛ ففي إيران تولى المحقق الكركي (الشيخ علي بن عبد العالي) مقام شيخ الإسلام مؤسساً للقضاء والنظم، وبرز الشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي) كعبقرية جمعت بين فقه الشريعة وعمارة الأرض وهندسة إصفهان. وفي الهند قاد العقل العاملي دفة الحكم والوزارة والقضاء في بلاط حيدر آباد وسلاطين قطب شاه؛ فبرز الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي وزيراً أولاً وصادراً للسلطنة، والسيد جمال الدين الموسوي الجبعي مرجعاً أعلى وقاضياً للمملكة بأسرها، إلى جانب ريادة الشيخ حسن بن علي بن أبي جامع العاملي الفقهية، وإدارة الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي الكركي للمناهج العلمية والطب. هذا العبور التاريخي يبرهن أن ريادة العامليين لخط الإمامة لم تكن حالة طارئة، بل نتاج وعي قرآني حركي تخرّج من مدارس القرى كـ ميس الجبل وكرك نوح ليقود كبريات حواضر العالم الإسلامي بمرونة واقتدار تتماشى مع كل المتغيرات.

ثالثاً: إعادة تعريف أدوات الإنتاج (الشهادة والصبر كقيمة سيادية)

هذا الامتداد الفكري قاد الشخصية العاملية إلى صياغة الفلسفة الأعمق في مسيرتها: إن مفهوم "أدوات الإنتاج" لم يقف يوماً عند حدود المحراث المادي أو رأس المال النقدي. ففي بقعة جغرافية مستهدفة دائماً في أمنها وأرزاقها بفعل موقعها وصراعها التاريخي، أدرك العامليون أن أي إنتاج مادي لا تحميه "سيادة وقوة" هو إنتاج مؤقت وقابل للمصادرة والهدم.

بناءً على ذلك، دخل تقديم الشهداء في صلب العملية الإنتاجية للتاريخ؛ فالدم في جبل عامل هو "رأس المال السيادي" الذي يُدفع لإنتاج أمن الأرض، وحرية القرار، واستمرارية الوجود. أما الصبر على تدمير الأرزاق، وقصف المواسم، وهدم البيوت، فهو ليس حالة انكسار مادي أو استسلام، بل هو "إعادة استثمار عقائدي واستراتيجي" في الأرض.

حين يُهدم المصنع أو تُحرق حقول الزيتون، لا تتوقف دورة الإنتاج، لأن الإنسان العاملي يعيد تسييل هذا الهدم والوجع وتحويله إلى صلابة معنوية وإصرار على إعادة البناء. الصبر هنا هو الأداة الإنتاجية الفوق-مادية المستمدة من قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ } (البقرة - آية 155). هذه الأداة هي التي تمنع المعتدي من تحقيق أهدافه السياسية، وتجعل كلفة التدمير عبئاً على العدو لا على صاحب الأرض.

رابعاً: تلونات الأزمنة وصناعة المقاومة الحديثة

إن الوفاء لـ"خط الإمامة" فرض على العامليين قراءة دقيقة للمتغيرات عبر التاريخ دون التنازل عن الثوابت. فمن المقاومة بالفكر والحبر مع الشهيدين الأول والثاني، إلى المقاومة السياسية والوحدوية في مؤتمر الحجير (1920) بقيادة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين في وجه الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى العصر الحديث مع حركة الإمام السيد موسى الصدر وتأسيس المقاومة لمواجهة الاحتلال والحرمان. في كل هذه المحطات، كان العاملي يعيد تطويع أدواته ليتناسب مع "تلونات الأزمنة"، محولاً الفكر الولائي العاشورائي من بكاء سلبي إلى قوة مادية منظمة قادرة على تغيير المعادلات الإقليمية وحماية الجغرافيا.

خامسة وخاتمة: نَفَس عاشورائي وعهد قائم

مع هلال محرم، نثبت في أرضنا كشجر الزيتون العصي على الحرق؛ فبيوتنا تُهدم فتُبنى في الصبر قلاعاً، وحقولنا تُقصف فتُنبت مواسمها عزاً. خسارة المادة والرجال في منطقنا لا تعني التراجع، بل هي ذروة الاستثمار في السيادة البديلة. واليوم، ونحن ندخل أعتاب شهر محرم الحرام، يتلاقى التوقيت الروحي مع الواقع الميداني ليعيد شحذ معاني هذه الهوية وتأكيد بقائها؛ فجبل عامل يجد نفسه اليوم في قلب خضم العملية الإنتاجية للتاريخ والكرامة، مواصلاً المسير ذاته وعينه على كربلاء.

لم تنتهِ كربلاء في يوم العاشر، بل استمرت وحُفظت بالدور التاريخي المكمل لـعقيلة بني هاشم السيدة زينب والإمام علي بن الحسين السجّاد (عليهما السلام). ويمثل هذا الدور اليوم بوصلتنا الأخلاقية والشرعية؛ فكما حملت السيدة زينب والإمام السجّاد راية مقاومة الظلم والعدوان وتبيين الحقائق وسط المحن، غدت الأمة اليوم -بنسائها ورجالها، وأخواتها وعلمائها- مدعوة لحمل هذه الراية بصوت الحق الفصيح. وفي ذات السياق، تأتي عائلات الشهداء، والجرحى الميامين، والبيوت الحاضنة والأهل الأوفياء كـ"ودائع المقاومين" الغالية التي تركها الأبطال في الساحات، لتكون رعاية هذه الودائع، وحفظ كرامتها، وصون صمودها مسؤوليةً شرعية واجتماعية تقع في صلب العقيدة الزينبية والسجّادية.

لقد دفعنا في السنتين الماضيتين فاتورة الدم الأغلى والأقسى؛ فقدنا كبارنا وقادتنا وعزّ مراجعنا الحركية والفكرية الذين كانوا صمام الأمان والبوصلة. غيابهم ترك جرحاً غائراً في الجغرافيا والقلوب، لكن فلسفة "الإنتاج بالدم" علمتنا أن القادة يترجلون لتتحول دماؤهم إلى طاقة دفع وجودية، تزيد العروق صلابة، وتورث الأجيال ثباتاً لا يلين. ونحن نقف اليوم على مشارف عاشوراء، نلوذ براية الحسين، ونستلهم من صبر السجّاد وبلاغة زينب (ع) أسلحة لمواجهة تلونات الأزمنة. نودع كبارنا بالدمع والدم، ونستقبل العام الهجري الجديد بذات العهد الوفائي القديم: وعي قرآني هادٍ، وسلوك رسالي وحدوي، وولاء راسخ لخط الإمامة، ومقاومة حيدرية وحفظ لودائع الشهداء والجرحى والأهل زماناً ومكاناً حتى يمنّ الله علينا بنصره وتحقيق وعده ببسط سلطان العدل بيد الإمام الموعود المنتظر عجّل الله فرجه الشريف.

الشيخ علي خازم، ‏29‏ أيار‏، 2026

الخميس، يونيو 04، 2026

نعي آية الله العظمى الشيخ محمد اسحق الفياض (قدس سره الشريف)

 


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا مات المؤمن الفقيه ثُلِمَ في الإسلام ثُلمةٌ لا يسدّها شيء».

بمزيد من الحزن والأسى، تلقّيت نبأ رحيل سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره الشريف)، أحد أعلام الفقه والاجتهاد في عصرنا، وأحد كبار مراجع النجف الأشرف الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

لقد مثّل الراحل الكبير نموذجاً نادراً للعالم العامل الذي شقّ طريقه من بيئة متواضعة في أفغانستان إلى رحاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكرّس حياته للتحصيل والتدريس والتأليف وتربية الأجيال، حتى غدا مرجعاً يُرجع إليه في الفقه والأصول، ومعلماً من معالم الحوزة العلمية المباركة، تاركاً وراءه إرثاً علمياً وتربوياً زاخراً، وآثاراً باقية ينتفع بها طلاب العلم والمؤمنون.

وإنّ رحيله يشكّل خسارة كبيرة للحوزات العلمية وللأمة الإسلامية عموماً، لما كان يتمتع به من مكانة علمية رفيعة، وحضور مرجعي مؤثر، وسيرة اتسمت بالزهد والتواضع والصبر والثبات في خدمة الدين.

أتقدّم بأحرّ التعازي والمواساة إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وإلى مراجع الدين العظام، وإلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته، ومقلديه، ومحبيه في أنحاء العالم، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يحشره مع محمد وآل محمد الطاهرين، وأن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان.

﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

الشيخ علي حسن خازم، ‏الخميس‏،‏18‏ ذو الحجة‏، 1447/ 04‏ حزيران‏، 2026



جيل الغيب وصناعة الصمود: مقاربة قرآنية لكلام الإمام علي عليه السلام في واقع لبنان المعاصر بقلم الشيخ علي حسن خازم

 في عيد الغدير، لا تبقى الولاية مجرد ذكرى تاريخية، بل تتحول إلى قوةٍ تصنع الوعي والصمود وتؤسس لمستقبلٍ أكثر أملاً نعود الى قول الإمام علي (ع) عن أقوام "في أصلاب الرجال وأرحام النساء" سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان. كيف تتجلى رؤية الإمام في واقع لبنان اليوم؟ وكيف يعبّر التضامن الشعبي والشباب اللبناني عن هذه السنّة الحضارية المتجددة؟

مقاربة فكرية وقرآنية تربط بين غدير علي (ع) وصمود لبنان، وتقرأ ملامح جيلٍ يولد من رحم التحديات ليصنع فجر الغد. لقراءة النص الكامل عبر الرابط التالي:


السبت، مايو 30، 2026

عَقيدَة الأَرَق الاستراتيجي: نحو فهم "عداوة الجوهر" في الصراع الحديث


 

عَقيدَة الأَرَق الاستراتيجي: نحو فهم "عداوة الجوهر" في الصراع الحديث

بقلم: [الشيخ علي خازم]

تثبت سنن التاريخ وقوانين الصراع الاستراتيجي أن الغفلة عن العدو، أو الركون إلى سكون جبهاته المؤقت، هو أولى خطوات الهزيمة. وفي تاريخ الحروب، تظل اليقظة الدائمة هي الدرع الواقي والضمانة الوحيدة للبقاء؛ فالخصم لا يترك السلاح وإن تظاهر بالانكفاء.

في أدبيات الصراع الاستراتيجي المعاصر، يُطرح التساؤل دائماً حول سر استمرار الجهوزية العسكرية واللوجستية الفائقة لجبهات المقاومة، وتحديداً في لبنان، حتى في أحلك ظروف التهدئة الحذرة، أو عند الحديث عن مساعٍ لتسويات تفرضها القوى الدولية. إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تنفصل عن عقيدة أمنية تراثية متجذرة في العقل الإسلامي الشرقي (عربي /أعجمي)، تفرّق بصرامة بين المظهر السياسي المؤقت والجوهر العدائي الثابت للخصوم.

ولكن، كيف يُقرأ الانكفاء الدبلوماسي للعدو أو إظهاره لمرونة سياسية مرحلية؟

التأصيل الإلهي والمدرسة العلوية

الأصل القرآني: تشريع الحذر ورخصة الاختصار

لقد صاغ القرآن الكريم العقيدة الأمنية والعسكرية للمؤمنين على قاعدة الترقب الدائم؛ فلم يجز للاستغراق الروحي في أقدس العبادات أن يحجب العين عن مناورات الخصم. بل إن الشارع الحكيم شرع للمقاتلين رخصة اختصار الصلاة وتقسيم الجيش إلى طائفتين تتبادلان الحراسة تفادياً لأي غفلة طارئة قد يستغلها المتربصون؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

{ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً }.

إنّها الرؤية الإلهية الحاكمة التي تكشف طبيعة العدو؛ فهو لا ينتظر نهاية الصراع، بل يرصد لحظة غفلة عارضة، أو استرخاء مؤقت لتقصير الصلاة والانشغال عنها، لينقضّ بقوته الضاربة ("ميلة واحدة") ليحسم المعركة لصالحه.

الحكمة العلوية: أرق الحرب وخداع السكون

هذه اليقظة تحولت إلى مبدأ ميداني ثابت في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مستنهضاً الهمم بعبارة سارت مسار القوانين العسكرية القطعية: "وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الأَرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ". فنوم أحد الأطراف في خندقه تراجعاً أو ركوناً لمهادنة عابرة، لا يلغي يقظة خصمه المستمرة في نسج مخططات الإطباق والسيطرة في الخفاء.

الأدب السياسي العربي والفارسي والحرب

يتلاقى هذا الفكر الاستراتيجي مع خلاصات الأدب السلطاني وحكم الحضارات القديمة، مثل ما ينسب الى ملك الفرس كسرى أنوشروان: "لَا تَنَمْ عَنْ عَدُوٍّ غَائِبٍ، وَلَا تَأْمَنْ لِعَدُوٍّ تَائِبٍ؛ فَإِنَّ المَاءَ وَإِنْ أُطِيلَ إِسْخَانُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِطْفَاءِ النَّارِ."، وهي حكمة  عالجتها ألسنة الحكماء وتوزعت في نصوص متعددة تؤكد أن التراجع الجغرافي للعدو أو تغييره لتكتيكاته، أو حتى إظهاره الرغبة في التهدئة والتسوية ("التوبة السياسية")، لا يعني سقوط عدائه، بل قد يكون مجرد مناورة لإعادة تموضع قواته واستجماع عناصر قوته.

لو فككنا العبارة الكسروية: «لَا تَـنَمْ عَنْ عَدُوِّ غَائِبٍ، وَلَا تَأْمَنْ لِعَدُوِّ تَائِبٍ»، نجد أنها صياغة تضرب بجذورها في نصيحة الحكماء الواردة في كتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ (ص 47): «وقالت الحكماء: لا تنم عن عدوك، فإنه غير نائم عنك، ولا تتغافل عنه، فإنه غير متغافل عن تتبع عثراتك».

أما الضلع الآخر المتعلق بالحذر من "العدو التائب" والمصالح، فيتجاوز حدود الموعظة وتفككه أقدم وثيقة سياسية في المشرق؛ إذ يرجع أصل هذا المفهوم إلى الحوار المفصلي الوارد في كتاب كليلة ودمنة (باب الحمامة المطوقة، ص 181)، حيث يعري النص حقيقة "طلب المصادقة" الطارئ بين الخصوم التاريخيين حين قال الغراب: «إني أريد مصادقتك»، فجاءه رد الجرذ الحاسم ليكشف وهم هذه اللعبة الدبلوماسية:

«لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنِكَ تَوَاصُلٌ، وَإِنَّمَا العَاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ مَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَيَتْرُكُ التِّمَاسَ مَا لَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَإِنَّمَا أَنْتَ الآكِلُ، وَأَنَا طَعَامٌ لَكَ... إِنَّ أَشَدَّ العَدَاوَةِ عَدَاوَةُ الجَوْهَرِ... فَإِنَّ العَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَنَا لَيْسَتْ تَضُرُّكَ، وَإِنَّمَا ضَرَرُهَا عَائِدٌ عَلَيَّ: فَإِنَّ المَاءَ لَوْ أُطِيلَ إِسْخَانُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ إِطْفَاءِ النَّارِ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا».

والمقصود بعداوة الجوهر: تلك العداوة التي لا تتبدل بتغير الظروف السياسية، بل تتخذ أشكالاً تكتيكية مختلفة دون أن تمس بنيتها الأصلية.

هذا الفكر البنيوي نقله محمد بن حسين اليمني في كتابه مضاهاة أمثال كليلة ودمنة (ص 15، 30) كقاعدة عسكرية صارمة تؤكد أن صلح عداوة الجوهر لا يكون «إلا ريثما ينتكث»، موضحاً فلسفة زوال العلة السياسية بقوله: «من كان أصل أمره عداوة ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك كان صاحبه جديراً بالاحتراس منه لأنه إذا بلغ حاجته عاد إلى أصل أمره كالماء الذي يسخن بالنار فإذا أُبْعد عنها عاد إلى البرودة».

ولا تقف حدود الحكمة التراثية عند حدود التذكير والتنبيه، بل إن استعارة "الماء والنار" التراثية المستقاة من أدبيات السياسة القديمة تضع يدها على أعمق ركائز العقيدة الاستراتيجية المعاصرة لـ"محور المقاومة"، وتحديداً في الرؤية التي تحرك العقل ئالسياسي والجهادي في طهران وجبهات المواجهة المتقدمة؛ حيث يُنظر إلى التسويات الدبلوماسية والتهدئات المفروضة دولياً كحالة من "إسخان الماء" الذي لا يغير من حقيقة طبعه العدائي شيئاً، فما إن تلوح الفرصة الميدانية حتى يعود الخصم لطبيعته الأصلية في محاولة إطفاء جذوة القوة الحرّة في المنطقة. ومن هنا، يصبح "أرق الحرب" هو اليقين الثابت الذي يمنع المحور من الانخداع بأوراق التهدئة، أو الركون إلى مبادرات التسوية المخادعة.

طهران وبيروت: وعي عداوة الجوهر في الميدان المعاصر

هذه التخاريج التراثية الصارمة تمثل، بلا ريب، العقيدة الأمنية الحاكمة التي تفسر حركة العقل السياسي والجهادي في طهران وجبهة المقاومة في لبنان اليوم:

أولاً: إيران وإحباط مناورات "العدو الغائب": تدرك إيران أن الانكفاء الجغرافي للمشروع الأمريكي في بعض الساحات، أو لجوءه لطاولات المفاوضات والاتفاقات المرحلية (كالاتفاق النووي سابقاً)، ليس إلا "غياباً تكتيكياً" يخفي رصداً وبناءً لقدرات الخصم البديلة. وبناءً على قاعدة "لا تنم عن عدوك فإنه غير نائم عنك"، تقابل طهران هذا الغياب بمواصلة تدعيم الترسانة الردعية وحماية الخطوط اللوجستية دون أي غفلة مرحلية.

ثانياً: جبهة لبنان ونفي الأمان لـ"العدو التائب": يبرز التطبيق الأعمق لفلسفة "الماء الساخن" وحوار (الآكل والطعام) في جبهة لبنان في تعاملها مع الأوراق الدبلوماسية ومشاريع التهدئة؛ فالعداوة الصهيونية للمقاومة هي "عداوة جوهر وبنية وجودية"، والكيان في تركيبته يرى نفسه "الآكل" ويريد المنطقة "طعاماً" له.

 المبادرات الأمريكية والوعود الدولية بالسلام ما هي إلا عملية "إسخان للماء"؛ أي تبديل مؤقت ومخادع لدرجات الحرارة السياسية لـ"علة أو حاجة ألجأت العدو إلى ذلك". لكن الوعي الجهادي يدرك جازماً أنه ما إن "تزول تلك العلة" ويستجمع الكيان الصهيوني عناصر تفوقه، حتى "يرجع إلى أصل أمره" ليعود بارداً كطبيعته، ويباشر محاولة "إطفاء" سلاح المقاومة واجتثاث وجودها بالكامل.

الخلاصة الاستراتيجية: معادلة الردع التكنولوجي الحتمي

بناءً على مفهوم عداوة الجوهر هذا، لم تعد مواجهة "الميلة الواحدة" الغادرة للعدو تُدار بأدوات كلاسيكية؛ بل انتقلت جبهة لبنان ومحور المقاومة إلى صياغة "أرق استراتيجي" من نوع وثيق يتواكب مع ثورة الحرب الحديثة. في هذا السياق، لا تُفهم أدوات الردع المعاصرة إلا بوصفها امتداداً مادياً لهذا الوعي الاستراتيجي. ويتجلى تفعيل هذا الوعي التراثي ميدانياً اليوم في التطوير المتصاعد لـ منظومات المُسيّرات الانقضاضية والاستطلاعية التي تكسر تفوق العدو الجوي، وزرع شبكات الصواريخ الدقيقة والباليستية القادرة على شل عمق الكيان، بالتوازي مع خوض حرب استخبارات تكنولوجية مضادة تضمن مرونة فائقة وبدائل فورية لهياكل القيادة والسيطرة .

إن الخاتمة الحقيقية التي يفرضها هذا التحليل تقودنا إلى مآل جيوسياسي حتمي: إن المحور الأمريكي-الإسرائيلي لا يسعى عبر طروحات التهدئة إلى السلام، بل يتحين زوال "العلة العسكرية" التي فرضها صمود الميدان ليقضم الجبهة في غفلتها. وضمانة البقاء الوحيدة ليست في الاتفاقيات المكتوبة بمداد الدبلوماسية، بل في إبقاء "نار الجهوزية" التكنولوجية والعسكرية مشتعلة؛ فالماء السياسي الساخن لن يغير من طبعه العدائي شيئاً، ولن يكبح جموح "الآكل" سوى يقين "الطعام" بأنه امتلك من السلاح والوعي ما يجعله عصياً على الابتلاع.  ________________________________________

الهوامش التوثيقية:

القرآن الكريم: سورة النساء، الآية رقم (102).

قول أمير المؤمنين (ع): الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الشيخ محمد عبده، بيروت: دار المعرفة، ج ٣، "باب الكتب والرسائل"، الكتاب رقم (62)، ص ١١٩.

أصل حوار عداوة الجوهر ومقولة الماء والنار: عبد الله بن المقفع (ت ١٤٢ هـ) (ترجمة لكتاب الفيلسوف الهندي بيدبا)، باب الحمامة المطوقة، ص ١٨١. المطبعة الأميرية ببولاق - القاهرة، ١٩٣٧، الطبعة: السابعة عشرة ١٣٥٥ هـ - ١٩٣٦ م.

مقولة عداوة الجوهر وعودة الماء لبرودته بانتفاء العلة: محمد بن حسين اليمني أبو عبد الله محمد بن حسين بن عمر اليمني (ت ٤٠٠هـ)، مضاهاة أمثال كليلة ودمنة، تحقيق: بدري محمد فهد، بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، ص ١٥، ٣٠.

مقولة الحكماء في نفي النوم عن العدو والحذر من الصلح: أسامة بن منقذ (ت ٥٨٤ هـ) ، لباب الآداب، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة: مكتبة السنة، ط١، ١٤٠٧ هـ/١٩٨٧ م، ص ٤٧.

________________________________________

‏السبت‏،‏13‏ ذو الحجة‏، 1447هـ - 30‏ أيار‏، 2026م

الخميس، نوفمبر 20، 2025

التأسيس القرآني لسلامة الطفولة ونموّها

 

 بمناسبة يوم حقوق الطفل وهو اليوم العالمي للطفل ويُحتفل به في 20 تشرين الثاني من كل عام.

التأسيس القرآني لسلامة الطفولة ونموّها

الشيخ علي خازم

تمثّل الإشارات القرآنية إلى رعاية الناشئة أحد المرتكزات الكبرى في بناء المجتمع الإسلامي، إذ يتجلّى عبرها التصوّر التربوي الربّاني القائم على صون الحياة، وتحصين الفطرة، وضمان النموّ الآمن للطفل داخل أسرة مستقيمة ونظام اجتماعي راسخ. ويكشف التأمل في هذه الإشارات عن منظومة حقوقية متكاملة تسبق كل المواثيق الحديثة، وتستند إلى مبدأ الكرامة الإنسانية منذ لحظة التكوين الأولى.

1.  حقّ الطفل في الحياة وعدم الاعتداء
يقرّر القرآن هذا الحق حين ينهى عن قتل الأولاد كما في قوله تعالى:  ولا تقتلوا أولادكم من إملاق [1] وفي قوله : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [2]. يجتمع هذان النصّان على حماية الطفل من أي اعتداء بدافع الفقر أو الخوف من المستقبل، ويجعلان صيانة حياته أصلًا لكل حقّ آخر.

2.  حقّ الطفل في النسب والحماية الأسرية
يثبت القرآن حقّ الطفل في الانتماء الصحيح بقوله: ادعوهم لآبائهم [3] ، وهو أصل في صيانة الهوية ووضعه القانوني. وفي سياق علاقة الوالدين، يمنع القرآن الإضرار بالطفل عند النزاع بينهما كما في قوله: لا تُضارّ والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده[4]، فتُحفظ له بيئة لا يكون فيها طرفًا في صراع الكبار.

3.  حقّ الطفل في الرعاية من الرضاع إلى الفطام
تحدّد آية الرضاع معيار الرعاية في عامين كاملين كما في قوله تعالى:  والوالدات يُرضعن أولادهن حولين كاملين[5]، مع تحميل الأب مسؤولية النفقة والكسوة بما يحفظ توازن الأسرة ويؤمّن حاجات الطفل الأساسية.

4.  حقّ الطفل في الأمن والحماية من الأذى
يعرض القرآن صورًا من العناية الإلهية بالطفل، منها مشهد مريم وهي تشير إلى طفلها فينطق مطمئنًا أمّه كما في قوله تعالى: قال إني عبد الله[6]، وهو نموذج للحماية والسكينة. ويعزّز القرآن هذا المعنى بقوله:  لو تركوا من خلفهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم[7]، فيضع حماية الذرية المستضعفة ضمن واجبات المجتمع.

5.  حقّ اليتيم في الرعاية الكاملة
يحذّر القرآن من أكل مال اليتيم في قوله: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا [8]، ويأمر باختبار اليتيم قبل تسليم ماله في قوله:  فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم [9]. ويضيف توجيهًا أخلاقيًا خاصًا في قوله: فأما اليتيم فلا تقهر[10]، ثم يؤكّد صيانة ماله بقوله: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن [11]. تتكامل هذه النصوص في منظومة واحدة ترعى اليتيم مالًا ونفسًا.

6.  حقّ الطفل في التربية والتعليم
تُمثّل وصايا لقمان لابنه نموذجًا قرآنيًا للتربية، بدءًا من قوله : يا بني لا تشرك بالله [12] ومرورًا بالتوجيهات العملية والأخلاقية، لتؤسس منهجًا تربويًا يجعل التعليم حقًا ملازمًا لنموّ الطفل وعقله.

7.  حقّ الطفل في الكرامة الإنسانية
يندرج الطفل في عموم التكريم الوارد في قوله:  ولقد كرمنا بني آدم [13] ، فيتقرر له حقّ الكرامة الإنسانية وحرمة الإهانة والإذلال، باعتباره فردًا كامل القيمة داخل الجماعة الإنسانية.

8.  حقّ الطفل في بيئة أسرية رحيمة
تتجلّى رحمة الوالدين في القرآن من خلال مشاهد متعددة، منها دعاء زكريا كما في قوله: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة [14] ، ومنها حوار إبراهيم مع ابنه الذي يبدأ بقوله: يا بني إني أرى في المنام[15]، وهي أمثلة ترسّخ حقّ الطفل في الحوار والرفق والرعاية العاطفية.

9.  حقّ الطفل في العدالة داخل الأسرة
يستمد هذا الحق أصله من قوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل [16] ، وهو مبدأ عام يمنع التمييز بين الأبناء ويجعل العدل ركنًا من أركان الاستقرار النفسي داخل الأسرة.

10.  حقّ الجنين في الحماية والرعاية
يصف القرآن مراحل خلق الإنسان في قوله: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين[17] ، وهو وصف يثبت حرمة الاعتداء على الجنين وضرورة رعايته بوصفه بداية تكوين الطفل وامتدادًا لحقّه في الحياة.

خاتمة
يتضح من هذا العرض أنّ القرآن لم يتعامل مع الطفل بوصفه كائناً ضعيفاً يحتاج إلى حماية فحسب، بل بوصفه أمانة ربّانية تستوجب إحاطة شاملة بالعناية والرعاية والعدل. ومن خلال هذا النسق الدقيق من التوجيهات، يتبلور الفهم الإسلامي للحقوق بوصفها التزامات أخلاقية واجتماعية، لا تنفصل عن مقصد عمارة الإنسان وتهذيب مساره في الحياة. هكذا تتكامل الدلالة القرآنية لتضع أساساً حضارياً صلباً لحقوق الطفل، يدعو إلى استئناف النظر فيه واستثماره في واقعنا المعاصر.

 


الحواشي – تمام الآيات كما في المصحف الشريف

[1] الأنعام 151:
﴿ ۞ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [ الأنعام: 151]

[2] الإسراء 31:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [ الإسراء: 31]

[3] الأحزاب 5:
﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [ سورة الأحزاب: 5]

[4] البقرة 233:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 233] [5] لبقرة 233 (تمام الآية):
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 233] [6] مريم 29–31:
﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [ مريم: 29]

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [ مريم: 30]

 ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [ مريم: 31]

[7] النساء 9:
﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [ النساء: 9]

[8] النساء 10:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [ النساء: 10]

 [9] النساء 6:
﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [ سورة النساء: 6]

 [10] الضحى 9:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [ الضحى: 9]

[11] الإسراء 34:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [ الأنعام: 152]

 [12] لقمان 13–19:
﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لقمان: 13]

[13] الإسراء 70:
﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [ سورة الإسراء:70] [14] مريم 2–6:
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا - إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً - قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعِظَامُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً - وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً - يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ [سورة مريم2 – 3 – 4 – 5 – 6].     

[15] الصافات 101–102:
الآيتان كاملتان من مشهد الحوار بين إبراهيم وابنه.

﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ - فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 101 – 102]

[16] النحل 90:
﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [ النحل: 90]

 [17] المؤمنون 12–14:
﴿ وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سلالة من طين ١٢ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ١٣ ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ ١٣ ثُمَّ خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة عِظَـٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ اخر فتبارك الله احسن الخالقين ١٤ ﴾ [ المؤمنون]

ألبوم الصور