السبت، يوليو 11، 2026

بيننا وبينكم شهود الجنائز: حين تفصل الشعوب في معنى الشرعية - من الشهادة على الوعي إلى صناعة الشرعية السياسية

بيننا وبينكم شهود الجنائز

من الشهادة على الوعي إلى صناعة الشرعية السياسية

في أثر الشعوب على السياسة والتاريخ من خلال الجنائز الكبرى للقادة

١. الجنازة بوصفها شهادة

تشكّل الجنائز الكبرى في تاريخ الأمم لحظة كاشفة، تتجاوز بعدها العاطفي إلى تعبير مكثّف عن وعي الشعوب بذاتها وبقضاياها المصيرية. في تلك اللحظات تُستعاد القيم التي جسّدها الراحلون أكثر مما يُشيَّع الأفراد بذاتهم، وتتجدد البيعة للمسارات التي رسموها. تتحول الحشود إلى شهادة حية على حضور هذه القضايا في الضمير الجمعي — وكأنها تقول: بيننا وبينكم شهود الجنائز.

ولعبارة «الشهود» هنا صدى قرآني لا يخفى؛ فقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس» (البقرة: 143) يستدعي الشهادة بما هي مسؤولية جماعية تجاه الحق، لا حضورًا عابرًا في مشهد وداع. حين تخرج الجموع لتشيّع قائدًا، فإنها تشهد -بالمعنى القرآني للكلمة- على مسار كامل من القيم رأت فيه امتدادًا لقضيتها، أكثر مما تؤدي فرض عين على الميت.

هذا ما شهده العالم في تشييع الشهيد القائد الولي السيد علي الخامنئي: حضور واسع متعدد المستويات، بين مشاركة مباشرة داخل إيران والعراق، ومظاهر تشييع رمزي في بلدان عدة . يُقرأ هذا الحضور إعلانًا متجددًا للتمسك بقيم العدل والسعي إلى استعادة الحق في حياة كريمة، أكثر من كونه تعبيرًا وجدانيًا عابرًا؛ فالمستضعفون خصوصًا وجدوا فيه مرآة لتحوّل عميق في وعيهم بذواتهم.

٢. خيط تاريخي يمتد من عبد الناصر إلى الخامنئي

حين ننظر إلى هذا الحدث في سياقه التاريخي، يتبدّى خيط ناظم يربط بين محطات فاصلة عبّرت فيها الجماهير عن انحيازها العميق لقادة جسّدوا تطلعاتها، لا لمن شغلوا مواقع السلطة فحسب.

من جنازة الرئيس جمال عبد الناصر ، إلى تشييع الإمام السيد روح الله الخميني، مرورًا بجنازتي الشهيدين السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين، وصولًا إلى التشييع الحاشد للشهيد الإمام السيد علي الخامنئي، تتكرر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة: شعوب تؤكد ولاءها للمشروع أكثر من الشخص، وللقضية أكثر من المنصب، ولقادتها الذين حملوا همّ الأمة أكثر من رؤسائها الذين اكتفوا بإدارة الدولة.

وهذا التكرار عبر عقود متباعدة وجغرافيات مختلفة يستدعي في الذهن تقليدًا أقدم من كل هذه المحطات: تقليد مجالس العزاء في الثقافة الشيعية، الذي حوّل الحزن على استشهاد الحسين عليه السلام من طقس فردي إلى فعل سياسي متجدد يُعاد إنتاجه كل عام، ويُستدعى كل مرة تحتاج فيها القضية إلى تجديد شرعيتها في وجدان الناس. حين تسير الجموع خلف نعش قائد معاصر، فإنها تعيد -من غير أن تدري غالبًا- إحياء هذا النمط الثقافي العميق الجذور في الوعي الجماعي.

٣. ميزان الشرعية بين السلطة والوجدان

تعيد هذه الجنائز، في دلالاتها العميقة، طرح سؤال الشرعية من منظور مغاير: معيار لا تكفي فيه آليات السلطة الرسمية وحدها، وإنما يقاس أيضًا برسوخه في وجدان الناس. الحشود التي تملأ الساحات ميزان دقيق للثقة والانتماء، وإدراك جمعي لطبيعة الصراع واتجاهاته، أكثر من كونها أرقامًا تُحصى. وما يستوقفني في هذه اللحظات قدرتها على تبديد حالات التردد التي قد تعتري بعض النخب، فهي تكشف بوضوح أن الشعوب، رغم الضغوط التي تواجهها، ما تزال قادرة على التمييز بين من يمثلها ومن يتحدث باسمها. الرسالة الأبرز في هذه المشاهد أن الثقة بالشعوب قراءة واقعية لمسار التاريخ، أكثر من كونها خيارًا عاطفيًا؛ ثقوا بشعوبكم، فهي ميزان الحقيقة وفيصل الحق.

٤. سؤال الشارع: بين وهم العجز وحقيقة الأثر

يرد بعد هذا السياق سؤال أعمق من استفسار عن نتيجة مباشرة: ما تأثير الشارع والشعوب في السياسة، أمام الدول المتسلطة؟ يفتح هذا السؤال، في جوهره، ملف العلاقة المعقّدة بين قوة الشعوب وشرعية السياسة، وبين ما تُنتجه الساحات من وعي وما تفرضه مراكز القرار من واقع، وهو بهذا المعنى امتداد طبيعي لما خُتم به الكلام حول «شهود الجنائز» ودلالتهم على تجذّر القضايا العادلة في وجدان الأمة.

فالسؤال عن أثر الشارع، ولا سيما في مواجهة الدول المتسلطة، سؤال عن العلاقة بين القوة والشرعية: بين ما يُفرض بالقهر وما يترسّخ بالقبول العام. وينبغي التمييز منذ البدء بين مستويين: مستوى الفعل السياسي المباشر، ومستوى الفعل التاريخي العميق.

في المستوى الأول، قد يبدو تأثير الشعوب محدودًا؛ فالأنظمة المتسلطة تملك أدوات القمع والسيطرة الإعلامية التي تؤخر مفاعيل الإرادة الشعبية، أو تشوّه تعبيراتها، أو تعيد توجيهها. من هنا تطول حالات الجمود أو الانكسار الظاهري، حيث تُحكم القبضة على المجال العام، وتُصادَر إمكانات التغيير القريب.

أما المستوى الثاني، فيغيب تمامًا عن هذا المشهد الظاهري. تعمل الشعوب فيه حاضنة للمعنى ومرجعية للشرعية، لا كتلة قابلة للتوجيه فقط؛ إذ تتحول إلى قوة تاريخية صامتة فاعلة، تختزن القيم وتعيد إنتاجها، وتمنح القضايا العادلة قابلية الاستمرار عبر الزمن.

٥. الجنازة الكبرى: إعادة تثبيت للشرعية

من هنا تُفهَم دلالة الجنائز الكبرى التي تسير فيها الجموع عن وعي واختيار: لحظة انكشاف لهذا المخزون العميق، لا حدث عابر. حين تخرج الحشود بهذه الكثافة، تفعل ما هو أخطر وأبقى من تغيير نظام في لحظته: تعيد تثبيت معيار الشرعية، وتعلن أين يقف الضمير الجمعي، ومن يمثل تطلعاته، ومن يقف في مواجهتها. تستطيع الأنظمة المتسلطة أن تحكم؛ إقناع الناس أمر آخر تمامًا. وقد تدير الأنظمة الواقع، لكنها تعجز عن امتلاك المستقبل إذا كان وعي الشعوب يناقضها. الصراع الحقيقي، تبعًا لذلك، يُحسم في وجدان الناس ربما أكثر مما يُحسم في مراكز القرار، فهناك تتحدد قابلية أي مشروع للاستمرار أو التلاشي.

يتجلى أثر الشعوب، في ضوء ما تقدّم، على ثلاثة مستويات مترابطة: أولها حفظ القضايا العادلة من الاندثار، بحيث لا تتحول الهزائم المرحلية إلى هزيمة نهائية. وثانيها إنتاج الشرعية أو نزعها، وهو ما يظهر في لحظات مفصلية تكشف الحجم الحقيقي للالتفاف الشعبي. وثالثها إعادة فرض هذه القضايا على الواقع السياسي كلما سنحت الفرصة، بحيث يبقى التاريخ مفتوحًا على إمكان التغيير.

٦. شهود لا يزولون

ما يُقال عن «شهود الجنائز»، تبعًا لكل ما تقدّم، خلاصة لسنن تاريخية متكررة، لا توصيف إنشائي عابر: القضايا التي تتجذر في وعي الأمة لا تموت، لأنها لا تبقى معلقة بالأفراد، وإنما تتحول إلى جزء من هوية الجماعة وذاكرتها. حينئذ يصبح كل جيل شاهدًا جديدًا عليها، وحاملًا لها، وقادرًا -عندما تتبدل الموازين- على إعادة إدخالها إلى حيّز الفعل. شهود الجنائز، من هذه الزاوية، شهود على استمرار القضية نفسها أكثر من كونهم معبّرين عن حزن أو وفاء وحسب، ودليل حي على أن ما يبدو مغلوبًا في لحظة ما قد يكون، في الحقيقة، مؤجَّل الحسم فقط. ما يستقر في ضمير الشعوب لا تلغيه قوة ولا تمحوه سلطة؛ يبقى قابلًا للعودة، ومتجهًا -بفعل هذا الوعي المتراكم- نحو فرض نفسه في نهاية المطاف.

الشيخ علي خازم، ‏الأحد‏، 27‏ محرم‏، 1448 هـ - ‏12‏ تموز‏، 2026 م.

هوامش:

  1. 1.      جرت جنازة الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1970، بعد وفاته في 28 أيلول/سبتمبر من العام نفسه، ووصِفت بأنها من أكبر الجنائز الشعبية في التاريخ الحديث من حيث حجم المشاركة العربية والإسلامية.
  2. 2.      توفي الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني في 3 حزيران/يونيو 1989 في طهران، وشهدت جنازته حضورًا شعبيًا هائلًا قدّرته بعض المصادر بملايين المشاركين، ما عُدّ استمرارًا لزخم الثورة الإسلامية وتجديدًا لشرعيتها في الوعي الإيراني والإسلامي.
  3. 3.      استشهد السيد حسن نصرالله في أواخر أيلول/سبتمبر 2024، وأعلن رسميًا عن استشهاد السيد هاشم صفي الدين في تشرين الأول/أكتوبر 2024 وشهدت الضاحية الجنوبية لبيروت وغيرها من المناطق اللبنانية تشييعًا جماهيريًا واسعًا لهما، عُدّ تعبيرًا عن عمق الارتباط الشعبي بمسارهما ومكملًا لصورة التمسك بالمشروع وقياداته في الوجدان اللبناني العام.
  4. 4.      أظهر تشييع السيد علي الخامنئي، في حضوره المباشر في كل من إيران والعراق والرمزي في العديد من دول العالم، رسوخ الأثر الشعبي للمشروع الذي مثّله، واستمرار حضوره في الوعي الجمعي المرتبط بقضايا العدل ومواجهة الاستضعاف.

 

الاثنين، يونيو 22، 2026

رسالة الامام الخميني الى الشعب الايراني وزعماء العالم الإسلامي في 28 ربيع الثاني 1391 هـ - 23 حزيران 1971 م.

 

رسالة الامام الخميني الى الشعب الايراني وزعماء العالم الإسلامي في 28 ربيع الثاني 1391 هـ - 23 حزيران 1971 م.

في مثل هذا اليوم مستندا إلى موقف سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وجّه الإمام الخميني (قده) رسالة الى الشعب الايراني وزعماء العالم الإسلامي في 28 ربيع الثاني 1391 هـ - 23 حزيران 1971 م. رفضا لإحياء الشاه محمد رضا بهلوي ذكرى 2500 عام على إنشاء مملكة فارس القديمة التي عرفت ب(جشن‌های 2500 سالهٔ شاهنشاهی ایران)، الذي دعا إليه رؤساء وملوك العالم والأمراء في مدينة برسيبوليس (تخت جمشيد) من تاريخ 12 إلى 16 تشرين الأول عام 1971م، في واحد من أشدّ الاحتفالات بذخا واسرافا وهدرا في العالم حسب ما نشر وقتها من أرقام (الإعلام الرسمي قال انها كانت 16 مليون وثمانماية ألف دولار – جريدة اطلاعات : ۲ آبان، ۱۳۵۰هـ.ش. – 24 تشرين الأول 1971 م).

خطب الإمام الخميني (قده) وأصدر عددا من البيانات التاريخية حول هذه الاحتفالات المناهضة للإسلام، حيث كان يرى أنها محاولات لتشويه الإسلام ونشر الفساد، وانتقد بشدة المظاهر الاحتفالية التي تتنافى مع قيم الإسلام وأخلاقه.

وفي هذا الخطاب الذي طُبعَ ووزع ركّز على خطورة الاستعانة بالخبراء الإسرائيليين في تخطيط وتنفيذ الإحتفال الذين قدموا كل الدعم لتجليل "كوروش الإخميني" باعتبار أنه كان أحد المنقذين التاريخيين لشعبهم، وعقدوا لذلك مؤتمر تكريم كوروش الإخميني، كما تُظهر الصورة لافتة ترحيبية رُفعت في "قريات كورش" (Kiryat Cyrus)، وهي حي سكني ومشروع استثماري تم التخطيط له وتأسيسه في سبعينيات القرن الماضي (في عهد الشاه محمد رضا بهلوي) بمدينة ريشون لتسيون داخل فلسطين المحتلة.

 وقد حذّر الإمام الخميني (قده) المسؤولين في العالمين العربي والإسلامي والشعب الإيراني من المشاركة    في هذه الإحتفالات لما لها من آثار سلبية على المجتمع والأفراد.

وشارك لبنان في الاحتفالات ممثَّلاً برئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، و جاءت مشاركة الرئيس فرنجية لترميم العلاقات؛ إذ إن عهد الرئيس شارل حلو كان قد شهد قطعاً كاملاً للعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران عام 1969بقرار من الشاه. وكان سبب القطع هو رفض إدارة شارل حلو تسليم الجنرال "تيمور بختيار"  (أول رئيس لجهاز الاستخبارات الإيراني - السافاك) إلى الشاه بعد لجوئه سياسياً إلى بيروت بسعي من الإمام المغيّب السيد موسى الصدر ورئيس المجلس النيابي الراحل صبري حمادة، ولم تعد العلاقات وتتحسن إلا بعد تسلم سليمان فرنجية مقاليد الرئاسة وتشكيل حكومة جديدة، وهذا الموضوع يأتي الكلام على تفاصيله لاحقا.

--------------------

مقطع من النص الفارسي وتعريبه

بيانات تاریخی قائد بزرگ اسلام مرجع تقلید مسلمانان حضرت آیت الله عظمی خمینی راجع بجشن ضد اسلامی

اكر العياذ بالله آدم سست و تن پروری بود می توانست برای خود عذر تراشی و تکلیف شرعی درست کند و سكوت نماید، از خدا می خواستند که سید الشهداء (ع) ساکت باشند تا آنان بمراد پلید خویش برسند . آنها از قیام حضرت میترسیدند آنحضرت مسلم را فرستاد از مردم بیعت بگیرد تا آن حکومت فاسدرا سرنكون سازد ، و حکومت اسلامی تشکیل دهد. اگر در گوشه مدینه می نشست و کار بکار کسی نداشت خیلی احترامش می کردند دستش را هم میبوسیدند شما هم اگر ساکت بنشینید در نظر آنان محترميد و احترام بشما مانند احترام بامامزاده مرده است امامزاده مرده را همه احترام میگذارند ولی امام و امام زاده زنده را سر می برند .

من بمقامات كشورها وبسران ممالكي كه می خواهند در این جشن منحوس شرکت کنند اعلام میدارم که این جشن به ملت ایران ربطی ندارد و شرکت در آن شرکت در خون ملت ستم کشیده ایران است :

سران ممالك اسلامی نیز باید توجه داشته باشند که این جشن ضد اسلامی با نظارت مهندسين وكار شناسان اسرائیل بر گذار میشود لازم است از شرکت در آن خود داری ورزند

ملت مسلمان ایران موظفند از شرکت در این جشن غیر مشروع خود داری کنند و با آن مبارزه منفی نمایند، در روزهای جشن از خانه های خود خارج نشوند ، و از دائر کننده و شرکت کننده این جشن به هر وسیله ممكن اظهار تنفر و انزجار نمایند.

بر پا دارندگان این جشن باید بدانند که منفور جامعه ی اسلامی و ملت زنده دنیا میباشند ، دنیای آزاد از آنان نفرت دارد، اسلام و مسلمانان از این شاهنشاهی متنفر و بیزارند .

شما هم موظفيد بهر وسیله ممکن مخالفت خود را با این جشن ابراز نمائید و برای مسلمانان ، آن بیچاره هایی که گرسنه و برهنه اند ، بدبخت و گرفتارند برای آنانکه در حبس وزجر و تبعيد بسر می برند برای آن دختران معصومی که بر اثر ضربات وارده محتاج بعمل جراحی هستند و برای همه ی گرفتارها دعا کنید و از خداوند متعال بخواهید که آنان را یاری فرماید والسلام عليكم .

التعريب :

إذا كان الإنسان – والعياذ بالله - ضعيفًا مُنغمسًا في ذاته فإنه سيُجيد التبرير والتبريرات الدينية، ويصمت. لقد سألوا الله أن يسكت سيد الشهداء (عليه السلام) ليُحققوا أهدافهم الخبيثة. خافوا من ثورة حضرته ولكنه أرسل  مسلمًا ليُبايع الناس على إسقاط تلك الحكومة الفاسدة وإقامة حكومة إسلامية. لو ان الإمام  جلس في زاوية من المدينة ولم يكن لديه ما يفعله، لاحترموه احترامًا شديدًا وقبلوا يده. لو صمت، لَكان مُحترمًا في عيونهم، ولكنه احترام كإكرام إمام ميت. الكل يُكرم إمامًا ميتًا، لكنهم يقتلون إمامًا حيًا وابن إمام.

 أُعلن لمسؤولي الدول، بل للعديد من الدول التي ترغب في المشاركة في هذا الاحتفال المشؤوم، أن هذا الاحتفال لا علاقة له بالشعب الإيراني، وأن المشاركة فيه تُسفك دماء الشعب الإيراني المظلوم.

كما ينبغي على قادة الدول الإسلامية أن يُدركوا أن هذا الاحتفال المُعادي للإسلام يُقام بإشراف مهندسين وخبراء إسرائيليين، ومن اللازم عليهم الامتناع عن المشاركة فيه.

على الشعب الإيراني المسلم الامتناع عن المشاركة في هذا الاحتفال الباطل ومحاربته بكل قوة، وعدم مغادرة منازلهم أيام الاحتفال، والتعبير عن الكراهية والاشمئزاز تجاه مُنظمي هذا الاحتفال والمشاركين فيه بكل وسيلة ممكنة.

ليعلم مُنظموا هذا الاحتفال أنهم مكروهون من المجتمع الإسلامي والأمة الحية في العالم، وأن العالم الحر يكرههم، وأن الإسلام والمسلمين يكرهون هذا النظام الملكي ويبغضونه. أنتم أيضًا عليكم التعبير عن معارضتكم لهذا الاحتفال بكل الوسائل الممكنة، والدعاء للمسلمين، وللفقراء الجائعين العراة، البائسين المحاصرين، وللمسجونين والمعذبين والمنفيين، وللفتيات البريئات المحتاجات إلى عمليات جراحية نتيجة الضرب الذي تعرضن له، ولكل المحاصرين، واسألوا الله تعالى أن يعينهم. والسلام عليكم.".

----------------------------------------------------

    تكشف هذه الوثيقة اليوم عن جانب مهم من طبيعة الصراع الذي كان الإمام الخميني (قده) يخوضه مع نظام الشاه؛ إذ لم يكن اعتراضه منصبّاً على مظاهر الإسراف والتبذير فحسب، بل على المنظومة السياسية والثقافية التي جعلت إيران جزءاً من شبكة المصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة، حتى بلغ الأمر أن تُقام احتفالات الشاهنشاهية بإشراف خبراء إسرائيليين، وأن تتحول ذكرى ملك فارسي قديم إلى مناسبة لتظهير التحالف بين نظام الشاه والكيان المحتل لفلسطين.

وبعد أقل من عقد على صدور هذه الرسالة تبدّل المشهد بصورة جذرية. فسقط النظام الملكي الذي كان يُقيم العلاقات الوثيقة مع إسرائيل ويمنحها مواقع النفوذ والتأثير، وقامت الجمهورية الإسلامية على أساس الاستقلال والمرجعية الإسلامية ورفض الهيمنة الأجنبية. وأُغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران لتتحول إلى سفارة لفلسطين، وأصبحت القضية الفلسطينية جزءاً ثابتاً من هوية الدولة الجديدة وسياساتها المعلنة.

من هنا تكتسب هذه الرسالة أهميتها التاريخية؛ فهي لا تمثل اعتراضاً عابراً على احتفال رسمي، بل تكشف مبكراً عن المشروع الذي كان الإمام الخميني يدعو إليه، مشروع الانتقال من إيران الشاهنشاهية المرتبطة بإسرائيل والقوى المستكبرة إلى إيران إسلامية تجعل العدل والاستقلال ونصرة المستضعفين وفلسطين جزءاً من رسالتها السياسية والحضارية.

وبين احتفالٍ أشرف عليه خبراء إسرائيليون في عهد الشاه، ودولةٍ جعلت دعم فلسطين والمقاومة ركناً ثابتاً من سياستها بعد الثورة الإسلامية، تتجلى بوضوح المسافة الفاصلة بين إيران التي انتقدها الإمام الخميني وإيران التي أسهم في تأسيسها وبنائها.

الشيخ علي خازم، ‏23‏ حزيران‏، 2026









 

الاثنين، يونيو 15، 2026

صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

 


صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

مقدمة: التاريخ كصناعة واعية

لا يُصنع التاريخ بالمصادفات، ولا يُترك وعي الأمم لمهبّ العفوية والارتجال. التاريخ في جوهره صناعةٌ واعية، والصناعةُ في كينونتها المادية والوجودية تحتاج إلى تضافر عناصر أربعة متكاملة: رأس مال محرك، أدوات وآلات فاعلة، جهد بشري خلّاق، وقدرة استراتيجية على التسويق والتسييل زماناً ومكاناً في مجريات الدهر.

ضمن هذه المعادلة الموضوعية، تحرك الإنسان العاملي (أهل جبل عامل) عبر التاريخ؛ فلم يكن يوماً على هامش الجغرافيا، بل كان في قلب حركيتها وصانعاً لمتغيراتها. غير أن الميزة الوجودية للشخصية العاملية تكمن في أنها لم تفصل يوماً بين "مادية الإنتاج" "وأصالة الروح"، بل زاوجت بين قسوة العمل والجهد اليومي، وبين الانتماء الفكري العقائدي الأصيل؛ فكان العامليون قرآنيين في منطلقهم المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلوناتها المعقدة ومحطاتها المتغيرة عبر الأزمنة.

أولاً: واقعية الجهد العاملي (رأس المال، الأدوات، والتسييل)

تاريخياً، واجه العامليون جغرافيا جبلية قاسية وتهميشاً سياسياً واقتصادياً متعمداً من السلطات المتعاقبة. ولفرض وجودهم وانتزاع بقائهم، تحوّل الجهد البشري العاملي إلى قوة جبارة طوعت الصخور وحولتها إلى مدرجات زراعية خصبة أنتجت التبغ والزيتون والحبوب، مستخدمين أدواتهم البسيطة لإنتاج عيشهم بحرية.

 ولأن "الصناعة يلازمها تسييل وتسويق"، لم ينغلق جبل عامل على نفسه، بل ارتبطت حركته الاقتصادية بحواضر المحيط كصيدا وصور وعكا ودمشق، مكرساً معادلة الاكتفاء الذاتي الممزوج بالانفتاح التجاري.

إلا أن اشتداد الحصار والاضطهاد وتدمير المواسم المتكرر عبر الحقب، ضيّق حدود الجغرافيا المحلية على تطلعات الإنسان العاملي، مما دفعه إلى نقل معركته الإنتاجية إلى فضاءات أرحب، مبتكراً "رأس مال بديل" عبر ظاهرة الهجرة الاغترابية المبكرة إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولم يكن هذا الاغتراب انقطاعاً عن الأرض أو هروباً من مواجهة الواقع، بل كان امتداداً تاريخياً وموضوعياً لذات الدورة الاقتصادية؛ حيث تحولت الغربة إلى ساحة جديدة لتسييل الجهد البشري وضخ الأموال والموارد المغتربة في عروق الوطن، لتعود دماءً اقتصادية طازجة تُستثمر في تمويل حواضره الثقافية، وتعزيز صمود مجتمعه في وجه نوائب الدهر زماناً ومكاناً.

ثانياً: هويةٌ قرآنية وولاءٌ حركي يصنعان ريادةً عالمية

استندت هذه الحركية المادية للإنسان العاملي إلى مخزون عقائدي صلب تلاحم فيه الأصل بالفرع؛ فكنا قرآنيين في منطلقنا المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلويناتها للأزمنة المتغيرة في امتدادنا السياسي والحركي.

 لم تكن هذه الثنائية شعاراً مجرداً، بل تجسدت في تمهيد النص الإلهي ومعالم الوعي؛ فمن آيات الحث على العمل وعمارة الأرض، تحول التوجيه القرآني: {وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة - آية 105) إلى دافع يومي لرفض الخمول، ومن آيات مواجهة البغي ومقاومة الجور مستندين إلى قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج - آية 39)، استمدّ العقل العاملي شرعية الوفاء لخط الإمامة الرافض للظلم، وصاغ معالم مواجهته للجور عبر التاريخ.

هذا التلاحم بين الوعي القرآني والخط الولائي جعل من طلب العلم وتأصيل الفقه فريضة حركية امتداداً لقوله سبحانه: {.. يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة - آية 11) ، فصار جبل عامل "نجف الشام" بحواضره ومدارسه العلمية الكبرى في كرك نوح، وميس الجبل، وجزين، ومشغرة، وجباع، والنبطية.

وعندما تلونت الأزمنة واكتملت الأهلية العلمية للجبل، انطلق العقل العاملي لتطبيق الامتداد الغائي للآية الكريمة؛ فتحقق النفير هنا لا لطلب التفقه بعد أن أُصّل في الحواضر المحلية، بل سعياً للإنذار والتبليغ، واعتبار العالم كله ميداناً رسالياً ممتداً، مصداقاً لتمام البيان الإلهي: { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }(التوبة - آية 122). وضمن هذا الأفق التبليغي، وسواء أكان النفير استجابةً لطلب مباشر من حكام تلك الحواضر الكبرى وحاجتهم الملحّة لعلم الجبل، أو كان سعياً ذاتياً لمدّ جسور الفكر، فيمّم علماؤنا شطر الإمبراطوريات والحواضر الكبرى الناشئة؛ فكان العراق هو الرحم الفقهي والموئل الذي تخرجت من حوزاته (كالحلّة والنجف) النوابغ العاملية الأولى لتعود وترفدها لاحقاً بالتجديد، وكانت البحرين واحة الأخوة والسليقة التي امتزج بها الفكر العاملي حتى احتضن ثراها كبارنا كالشيخ حسين بن عبد الصمد. والتفتت العقول العاملية بطلب ونفير رسالي نحو الدولة الصفوية في إيران والممالك الفقهية في الهند كحيدر آباد وسلطنات الدكن؛ ففي إيران تولى المحقق الكركي (الشيخ علي بن عبد العالي) مقام شيخ الإسلام مؤسساً للقضاء والنظم، وبرز الشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي) كعبقرية جمعت بين فقه الشريعة وعمارة الأرض وهندسة إصفهان. وفي الهند قاد العقل العاملي دفة الحكم والوزارة والقضاء في بلاط حيدر آباد وسلاطين قطب شاه؛ فبرز الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي وزيراً أولاً وصادراً للسلطنة، والسيد جمال الدين الموسوي الجبعي مرجعاً أعلى وقاضياً للمملكة بأسرها، إلى جانب ريادة الشيخ حسن بن علي بن أبي جامع العاملي الفقهية، وإدارة الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي الكركي للمناهج العلمية والطب. هذا العبور التاريخي يبرهن أن ريادة العامليين لخط الإمامة لم تكن حالة طارئة، بل نتاج وعي قرآني حركي تخرّج من مدارس القرى كـ ميس الجبل وكرك نوح ليقود كبريات حواضر العالم الإسلامي بمرونة واقتدار تتماشى مع كل المتغيرات.

ثالثاً: إعادة تعريف أدوات الإنتاج (الشهادة والصبر كقيمة سيادية)

هذا الامتداد الفكري قاد الشخصية العاملية إلى صياغة الفلسفة الأعمق في مسيرتها: إن مفهوم "أدوات الإنتاج" لم يقف يوماً عند حدود المحراث المادي أو رأس المال النقدي. ففي بقعة جغرافية مستهدفة دائماً في أمنها وأرزاقها بفعل موقعها وصراعها التاريخي، أدرك العامليون أن أي إنتاج مادي لا تحميه "سيادة وقوة" هو إنتاج مؤقت وقابل للمصادرة والهدم.

بناءً على ذلك، دخل تقديم الشهداء في صلب العملية الإنتاجية للتاريخ؛ فالدم في جبل عامل هو "رأس المال السيادي" الذي يُدفع لإنتاج أمن الأرض، وحرية القرار، واستمرارية الوجود. أما الصبر على تدمير الأرزاق، وقصف المواسم، وهدم البيوت، فهو ليس حالة انكسار مادي أو استسلام، بل هو "إعادة استثمار عقائدي واستراتيجي" في الأرض.

حين يُهدم المصنع أو تُحرق حقول الزيتون، لا تتوقف دورة الإنتاج، لأن الإنسان العاملي يعيد تسييل هذا الهدم والوجع وتحويله إلى صلابة معنوية وإصرار على إعادة البناء. الصبر هنا هو الأداة الإنتاجية الفوق-مادية المستمدة من قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ } (البقرة - آية 155). هذه الأداة هي التي تمنع المعتدي من تحقيق أهدافه السياسية، وتجعل كلفة التدمير عبئاً على العدو لا على صاحب الأرض.

رابعاً: تلونات الأزمنة وصناعة المقاومة الحديثة

إن الوفاء لـ"خط الإمامة" فرض على العامليين قراءة دقيقة للمتغيرات عبر التاريخ دون التنازل عن الثوابت. فمن المقاومة بالفكر والحبر مع الشهيدين الأول والثاني، إلى المقاومة السياسية والوحدوية في مؤتمر الحجير (1920) بقيادة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين في وجه الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى العصر الحديث مع حركة الإمام السيد موسى الصدر وتأسيس المقاومة لمواجهة الاحتلال والحرمان. في كل هذه المحطات، كان العاملي يعيد تطويع أدواته ليتناسب مع "تلونات الأزمنة"، محولاً الفكر الولائي العاشورائي من بكاء سلبي إلى قوة مادية منظمة قادرة على تغيير المعادلات الإقليمية وحماية الجغرافيا.

خامسة وخاتمة: نَفَس عاشورائي وعهد قائم

مع هلال محرم، نثبت في أرضنا كشجر الزيتون العصي على الحرق؛ فبيوتنا تُهدم فتُبنى في الصبر قلاعاً، وحقولنا تُقصف فتُنبت مواسمها عزاً. خسارة المادة والرجال في منطقنا لا تعني التراجع، بل هي ذروة الاستثمار في السيادة البديلة. واليوم، ونحن ندخل أعتاب شهر محرم الحرام، يتلاقى التوقيت الروحي مع الواقع الميداني ليعيد شحذ معاني هذه الهوية وتأكيد بقائها؛ فجبل عامل يجد نفسه اليوم في قلب خضم العملية الإنتاجية للتاريخ والكرامة، مواصلاً المسير ذاته وعينه على كربلاء.

لم تنتهِ كربلاء في يوم العاشر، بل استمرت وحُفظت بالدور التاريخي المكمل لـعقيلة بني هاشم السيدة زينب والإمام علي بن الحسين السجّاد (عليهما السلام). ويمثل هذا الدور اليوم بوصلتنا الأخلاقية والشرعية؛ فكما حملت السيدة زينب والإمام السجّاد راية مقاومة الظلم والعدوان وتبيين الحقائق وسط المحن، غدت الأمة اليوم -بنسائها ورجالها، وأخواتها وعلمائها- مدعوة لحمل هذه الراية بصوت الحق الفصيح. وفي ذات السياق، تأتي عائلات الشهداء، والجرحى الميامين، والبيوت الحاضنة والأهل الأوفياء كـ"ودائع المقاومين" الغالية التي تركها الأبطال في الساحات، لتكون رعاية هذه الودائع، وحفظ كرامتها، وصون صمودها مسؤوليةً شرعية واجتماعية تقع في صلب العقيدة الزينبية والسجّادية.

لقد دفعنا في السنتين الماضيتين فاتورة الدم الأغلى والأقسى؛ فقدنا كبارنا وقادتنا وعزّ مراجعنا الحركية والفكرية الذين كانوا صمام الأمان والبوصلة. غيابهم ترك جرحاً غائراً في الجغرافيا والقلوب، لكن فلسفة "الإنتاج بالدم" علمتنا أن القادة يترجلون لتتحول دماؤهم إلى طاقة دفع وجودية، تزيد العروق صلابة، وتورث الأجيال ثباتاً لا يلين. ونحن نقف اليوم على مشارف عاشوراء، نلوذ براية الحسين، ونستلهم من صبر السجّاد وبلاغة زينب (ع) أسلحة لمواجهة تلونات الأزمنة. نودع كبارنا بالدمع والدم، ونستقبل العام الهجري الجديد بذات العهد الوفائي القديم: وعي قرآني هادٍ، وسلوك رسالي وحدوي، وولاء راسخ لخط الإمامة، ومقاومة حيدرية وحفظ لودائع الشهداء والجرحى والأهل زماناً ومكاناً حتى يمنّ الله علينا بنصره وتحقيق وعده ببسط سلطان العدل بيد الإمام الموعود المنتظر عجّل الله فرجه الشريف.

الشيخ علي خازم، ‏29‏ أيار‏، 2026

الخميس، يونيو 04، 2026

نعي آية الله العظمى الشيخ محمد اسحق الفياض (قدس سره الشريف)

 


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا مات المؤمن الفقيه ثُلِمَ في الإسلام ثُلمةٌ لا يسدّها شيء».

بمزيد من الحزن والأسى، تلقّيت نبأ رحيل سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره الشريف)، أحد أعلام الفقه والاجتهاد في عصرنا، وأحد كبار مراجع النجف الأشرف الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

لقد مثّل الراحل الكبير نموذجاً نادراً للعالم العامل الذي شقّ طريقه من بيئة متواضعة في أفغانستان إلى رحاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكرّس حياته للتحصيل والتدريس والتأليف وتربية الأجيال، حتى غدا مرجعاً يُرجع إليه في الفقه والأصول، ومعلماً من معالم الحوزة العلمية المباركة، تاركاً وراءه إرثاً علمياً وتربوياً زاخراً، وآثاراً باقية ينتفع بها طلاب العلم والمؤمنون.

وإنّ رحيله يشكّل خسارة كبيرة للحوزات العلمية وللأمة الإسلامية عموماً، لما كان يتمتع به من مكانة علمية رفيعة، وحضور مرجعي مؤثر، وسيرة اتسمت بالزهد والتواضع والصبر والثبات في خدمة الدين.

أتقدّم بأحرّ التعازي والمواساة إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وإلى مراجع الدين العظام، وإلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته، ومقلديه، ومحبيه في أنحاء العالم، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يحشره مع محمد وآل محمد الطاهرين، وأن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان.

﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

الشيخ علي حسن خازم، ‏الخميس‏،‏18‏ ذو الحجة‏، 1447/ 04‏ حزيران‏، 2026



جيل الغيب وصناعة الصمود: مقاربة قرآنية لكلام الإمام علي عليه السلام في واقع لبنان المعاصر بقلم الشيخ علي حسن خازم

 في عيد الغدير، لا تبقى الولاية مجرد ذكرى تاريخية، بل تتحول إلى قوةٍ تصنع الوعي والصمود وتؤسس لمستقبلٍ أكثر أملاً نعود الى قول الإمام علي (ع) عن أقوام "في أصلاب الرجال وأرحام النساء" سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان. كيف تتجلى رؤية الإمام في واقع لبنان اليوم؟ وكيف يعبّر التضامن الشعبي والشباب اللبناني عن هذه السنّة الحضارية المتجددة؟

مقاربة فكرية وقرآنية تربط بين غدير علي (ع) وصمود لبنان، وتقرأ ملامح جيلٍ يولد من رحم التحديات ليصنع فجر الغد. لقراءة النص الكامل عبر الرابط التالي:


السبت، مايو 30، 2026

عَقيدَة الأَرَق الاستراتيجي: نحو فهم "عداوة الجوهر" في الصراع الحديث


 

عَقيدَة الأَرَق الاستراتيجي: نحو فهم "عداوة الجوهر" في الصراع الحديث

بقلم: [الشيخ علي خازم]

تثبت سنن التاريخ وقوانين الصراع الاستراتيجي أن الغفلة عن العدو، أو الركون إلى سكون جبهاته المؤقت، هو أولى خطوات الهزيمة. وفي تاريخ الحروب، تظل اليقظة الدائمة هي الدرع الواقي والضمانة الوحيدة للبقاء؛ فالخصم لا يترك السلاح وإن تظاهر بالانكفاء.

في أدبيات الصراع الاستراتيجي المعاصر، يُطرح التساؤل دائماً حول سر استمرار الجهوزية العسكرية واللوجستية الفائقة لجبهات المقاومة، وتحديداً في لبنان، حتى في أحلك ظروف التهدئة الحذرة، أو عند الحديث عن مساعٍ لتسويات تفرضها القوى الدولية. إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تنفصل عن عقيدة أمنية تراثية متجذرة في العقل الإسلامي الشرقي (عربي /أعجمي)، تفرّق بصرامة بين المظهر السياسي المؤقت والجوهر العدائي الثابت للخصوم.

ولكن، كيف يُقرأ الانكفاء الدبلوماسي للعدو أو إظهاره لمرونة سياسية مرحلية؟

التأصيل الإلهي والمدرسة العلوية

الأصل القرآني: تشريع الحذر ورخصة الاختصار

لقد صاغ القرآن الكريم العقيدة الأمنية والعسكرية للمؤمنين على قاعدة الترقب الدائم؛ فلم يجز للاستغراق الروحي في أقدس العبادات أن يحجب العين عن مناورات الخصم. بل إن الشارع الحكيم شرع للمقاتلين رخصة اختصار الصلاة وتقسيم الجيش إلى طائفتين تتبادلان الحراسة تفادياً لأي غفلة طارئة قد يستغلها المتربصون؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز:

{ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً }.

إنّها الرؤية الإلهية الحاكمة التي تكشف طبيعة العدو؛ فهو لا ينتظر نهاية الصراع، بل يرصد لحظة غفلة عارضة، أو استرخاء مؤقت لتقصير الصلاة والانشغال عنها، لينقضّ بقوته الضاربة ("ميلة واحدة") ليحسم المعركة لصالحه.

الحكمة العلوية: أرق الحرب وخداع السكون

هذه اليقظة تحولت إلى مبدأ ميداني ثابت في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مستنهضاً الهمم بعبارة سارت مسار القوانين العسكرية القطعية: "وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الأَرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ". فنوم أحد الأطراف في خندقه تراجعاً أو ركوناً لمهادنة عابرة، لا يلغي يقظة خصمه المستمرة في نسج مخططات الإطباق والسيطرة في الخفاء.

الأدب السياسي العربي والفارسي والحرب

يتلاقى هذا الفكر الاستراتيجي مع خلاصات الأدب السلطاني وحكم الحضارات القديمة، مثل ما ينسب الى ملك الفرس كسرى أنوشروان: "لَا تَنَمْ عَنْ عَدُوٍّ غَائِبٍ، وَلَا تَأْمَنْ لِعَدُوٍّ تَائِبٍ؛ فَإِنَّ المَاءَ وَإِنْ أُطِيلَ إِسْخَانُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِطْفَاءِ النَّارِ."، وهي حكمة  عالجتها ألسنة الحكماء وتوزعت في نصوص متعددة تؤكد أن التراجع الجغرافي للعدو أو تغييره لتكتيكاته، أو حتى إظهاره الرغبة في التهدئة والتسوية ("التوبة السياسية")، لا يعني سقوط عدائه، بل قد يكون مجرد مناورة لإعادة تموضع قواته واستجماع عناصر قوته.

لو فككنا العبارة الكسروية: «لَا تَـنَمْ عَنْ عَدُوِّ غَائِبٍ، وَلَا تَأْمَنْ لِعَدُوِّ تَائِبٍ»، نجد أنها صياغة تضرب بجذورها في نصيحة الحكماء الواردة في كتاب لباب الآداب لأسامة بن منقذ (ص 47): «وقالت الحكماء: لا تنم عن عدوك، فإنه غير نائم عنك، ولا تتغافل عنه، فإنه غير متغافل عن تتبع عثراتك».

أما الضلع الآخر المتعلق بالحذر من "العدو التائب" والمصالح، فيتجاوز حدود الموعظة وتفككه أقدم وثيقة سياسية في المشرق؛ إذ يرجع أصل هذا المفهوم إلى الحوار المفصلي الوارد في كتاب كليلة ودمنة (باب الحمامة المطوقة، ص 181)، حيث يعري النص حقيقة "طلب المصادقة" الطارئ بين الخصوم التاريخيين حين قال الغراب: «إني أريد مصادقتك»، فجاءه رد الجرذ الحاسم ليكشف وهم هذه اللعبة الدبلوماسية:

«لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنِكَ تَوَاصُلٌ، وَإِنَّمَا العَاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ مَا يَجِدُ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَيَتْرُكُ التِّمَاسَ مَا لَيْسَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَإِنَّمَا أَنْتَ الآكِلُ، وَأَنَا طَعَامٌ لَكَ... إِنَّ أَشَدَّ العَدَاوَةِ عَدَاوَةُ الجَوْهَرِ... فَإِنَّ العَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَنَا لَيْسَتْ تَضُرُّكَ، وَإِنَّمَا ضَرَرُهَا عَائِدٌ عَلَيَّ: فَإِنَّ المَاءَ لَوْ أُطِيلَ إِسْخَانُهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنْ إِطْفَاءِ النَّارِ إِذَا صُبَّ عَلَيْهَا».

والمقصود بعداوة الجوهر: تلك العداوة التي لا تتبدل بتغير الظروف السياسية، بل تتخذ أشكالاً تكتيكية مختلفة دون أن تمس بنيتها الأصلية.

هذا الفكر البنيوي نقله محمد بن حسين اليمني في كتابه مضاهاة أمثال كليلة ودمنة (ص 15، 30) كقاعدة عسكرية صارمة تؤكد أن صلح عداوة الجوهر لا يكون «إلا ريثما ينتكث»، موضحاً فلسفة زوال العلة السياسية بقوله: «من كان أصل أمره عداوة ثم أحدث صداقة لحاجة حملته على ذلك كان صاحبه جديراً بالاحتراس منه لأنه إذا بلغ حاجته عاد إلى أصل أمره كالماء الذي يسخن بالنار فإذا أُبْعد عنها عاد إلى البرودة».

ولا تقف حدود الحكمة التراثية عند حدود التذكير والتنبيه، بل إن استعارة "الماء والنار" التراثية المستقاة من أدبيات السياسة القديمة تضع يدها على أعمق ركائز العقيدة الاستراتيجية المعاصرة لـ"محور المقاومة"، وتحديداً في الرؤية التي تحرك العقل ئالسياسي والجهادي في طهران وجبهات المواجهة المتقدمة؛ حيث يُنظر إلى التسويات الدبلوماسية والتهدئات المفروضة دولياً كحالة من "إسخان الماء" الذي لا يغير من حقيقة طبعه العدائي شيئاً، فما إن تلوح الفرصة الميدانية حتى يعود الخصم لطبيعته الأصلية في محاولة إطفاء جذوة القوة الحرّة في المنطقة. ومن هنا، يصبح "أرق الحرب" هو اليقين الثابت الذي يمنع المحور من الانخداع بأوراق التهدئة، أو الركون إلى مبادرات التسوية المخادعة.

طهران وبيروت: وعي عداوة الجوهر في الميدان المعاصر

هذه التخاريج التراثية الصارمة تمثل، بلا ريب، العقيدة الأمنية الحاكمة التي تفسر حركة العقل السياسي والجهادي في طهران وجبهة المقاومة في لبنان اليوم:

أولاً: إيران وإحباط مناورات "العدو الغائب": تدرك إيران أن الانكفاء الجغرافي للمشروع الأمريكي في بعض الساحات، أو لجوءه لطاولات المفاوضات والاتفاقات المرحلية (كالاتفاق النووي سابقاً)، ليس إلا "غياباً تكتيكياً" يخفي رصداً وبناءً لقدرات الخصم البديلة. وبناءً على قاعدة "لا تنم عن عدوك فإنه غير نائم عنك"، تقابل طهران هذا الغياب بمواصلة تدعيم الترسانة الردعية وحماية الخطوط اللوجستية دون أي غفلة مرحلية.

ثانياً: جبهة لبنان ونفي الأمان لـ"العدو التائب": يبرز التطبيق الأعمق لفلسفة "الماء الساخن" وحوار (الآكل والطعام) في جبهة لبنان في تعاملها مع الأوراق الدبلوماسية ومشاريع التهدئة؛ فالعداوة الصهيونية للمقاومة هي "عداوة جوهر وبنية وجودية"، والكيان في تركيبته يرى نفسه "الآكل" ويريد المنطقة "طعاماً" له.

 المبادرات الأمريكية والوعود الدولية بالسلام ما هي إلا عملية "إسخان للماء"؛ أي تبديل مؤقت ومخادع لدرجات الحرارة السياسية لـ"علة أو حاجة ألجأت العدو إلى ذلك". لكن الوعي الجهادي يدرك جازماً أنه ما إن "تزول تلك العلة" ويستجمع الكيان الصهيوني عناصر تفوقه، حتى "يرجع إلى أصل أمره" ليعود بارداً كطبيعته، ويباشر محاولة "إطفاء" سلاح المقاومة واجتثاث وجودها بالكامل.

الخلاصة الاستراتيجية: معادلة الردع التكنولوجي الحتمي

بناءً على مفهوم عداوة الجوهر هذا، لم تعد مواجهة "الميلة الواحدة" الغادرة للعدو تُدار بأدوات كلاسيكية؛ بل انتقلت جبهة لبنان ومحور المقاومة إلى صياغة "أرق استراتيجي" من نوع وثيق يتواكب مع ثورة الحرب الحديثة. في هذا السياق، لا تُفهم أدوات الردع المعاصرة إلا بوصفها امتداداً مادياً لهذا الوعي الاستراتيجي. ويتجلى تفعيل هذا الوعي التراثي ميدانياً اليوم في التطوير المتصاعد لـ منظومات المُسيّرات الانقضاضية والاستطلاعية التي تكسر تفوق العدو الجوي، وزرع شبكات الصواريخ الدقيقة والباليستية القادرة على شل عمق الكيان، بالتوازي مع خوض حرب استخبارات تكنولوجية مضادة تضمن مرونة فائقة وبدائل فورية لهياكل القيادة والسيطرة .

إن الخاتمة الحقيقية التي يفرضها هذا التحليل تقودنا إلى مآل جيوسياسي حتمي: إن المحور الأمريكي-الإسرائيلي لا يسعى عبر طروحات التهدئة إلى السلام، بل يتحين زوال "العلة العسكرية" التي فرضها صمود الميدان ليقضم الجبهة في غفلتها. وضمانة البقاء الوحيدة ليست في الاتفاقيات المكتوبة بمداد الدبلوماسية، بل في إبقاء "نار الجهوزية" التكنولوجية والعسكرية مشتعلة؛ فالماء السياسي الساخن لن يغير من طبعه العدائي شيئاً، ولن يكبح جموح "الآكل" سوى يقين "الطعام" بأنه امتلك من السلاح والوعي ما يجعله عصياً على الابتلاع.  ________________________________________

الهوامش التوثيقية:

القرآن الكريم: سورة النساء، الآية رقم (102).

قول أمير المؤمنين (ع): الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الشيخ محمد عبده، بيروت: دار المعرفة، ج ٣، "باب الكتب والرسائل"، الكتاب رقم (62)، ص ١١٩.

أصل حوار عداوة الجوهر ومقولة الماء والنار: عبد الله بن المقفع (ت ١٤٢ هـ) (ترجمة لكتاب الفيلسوف الهندي بيدبا)، باب الحمامة المطوقة، ص ١٨١. المطبعة الأميرية ببولاق - القاهرة، ١٩٣٧، الطبعة: السابعة عشرة ١٣٥٥ هـ - ١٩٣٦ م.

مقولة عداوة الجوهر وعودة الماء لبرودته بانتفاء العلة: محمد بن حسين اليمني أبو عبد الله محمد بن حسين بن عمر اليمني (ت ٤٠٠هـ)، مضاهاة أمثال كليلة ودمنة، تحقيق: بدري محمد فهد، بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، ص ١٥، ٣٠.

مقولة الحكماء في نفي النوم عن العدو والحذر من الصلح: أسامة بن منقذ (ت ٥٨٤ هـ) ، لباب الآداب، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة: مكتبة السنة، ط١، ١٤٠٧ هـ/١٩٨٧ م، ص ٤٧.

________________________________________

‏السبت‏،‏13‏ ذو الحجة‏، 1447هـ - 30‏ أيار‏، 2026م

ألبوم الصور