بيننا وبينكم شهود الجنائز
من الشهادة على الوعي إلى صناعة
الشرعية السياسية
في أثر الشعوب على السياسة والتاريخ من
خلال الجنائز الكبرى للقادة
١. الجنازة بوصفها شهادة
تشكّل الجنائز الكبرى في تاريخ الأمم
لحظة كاشفة، تتجاوز بعدها العاطفي إلى تعبير مكثّف عن وعي الشعوب بذاتها وبقضاياها
المصيرية. في تلك اللحظات تُستعاد القيم التي جسّدها الراحلون أكثر مما يُشيَّع
الأفراد بذاتهم، وتتجدد البيعة للمسارات التي رسموها. تتحول الحشود إلى شهادة حية
على حضور هذه القضايا في الضمير الجمعي — وكأنها تقول: بيننا وبينكم شهود الجنائز.
ولعبارة «الشهود» هنا صدى قرآني لا
يخفى؛ فقوله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس» (البقرة:
143) يستدعي الشهادة بما هي مسؤولية جماعية تجاه الحق، لا حضورًا عابرًا في مشهد
وداع. حين تخرج الجموع لتشيّع قائدًا، فإنها تشهد -بالمعنى القرآني للكلمة- على
مسار كامل من القيم رأت فيه امتدادًا لقضيتها، أكثر مما تؤدي فرض عين على الميت.
هذا ما شهده العالم في تشييع الشهيد
القائد الولي السيد علي الخامنئي: حضور واسع متعدد المستويات، بين مشاركة مباشرة
داخل إيران والعراق، ومظاهر تشييع رمزي في بلدان عدة . يُقرأ هذا الحضور إعلانًا
متجددًا للتمسك بقيم العدل والسعي إلى استعادة الحق في حياة كريمة، أكثر من كونه
تعبيرًا وجدانيًا عابرًا؛ فالمستضعفون خصوصًا وجدوا فيه مرآة لتحوّل عميق في وعيهم
بذواتهم.
٢. خيط تاريخي يمتد من عبد الناصر إلى
الخامنئي
حين ننظر إلى هذا الحدث في سياقه
التاريخي، يتبدّى خيط ناظم يربط بين محطات فاصلة عبّرت فيها الجماهير عن انحيازها
العميق لقادة جسّدوا تطلعاتها، لا لمن شغلوا مواقع السلطة فحسب.
من جنازة الرئيس جمال عبد الناصر ، إلى
تشييع الإمام السيد روح الله الخميني، مرورًا بجنازتي الشهيدين السيد حسن نصرالله والسيد
هاشم صفي الدين، وصولًا إلى التشييع الحاشد للشهيد الإمام السيد علي الخامنئي،
تتكرر الصورة ذاتها بأشكال مختلفة: شعوب تؤكد ولاءها للمشروع أكثر من الشخص،
وللقضية أكثر من المنصب، ولقادتها الذين حملوا همّ الأمة أكثر من رؤسائها الذين
اكتفوا بإدارة الدولة.
وهذا التكرار عبر عقود متباعدة
وجغرافيات مختلفة يستدعي في الذهن تقليدًا أقدم من كل هذه المحطات: تقليد مجالس
العزاء في الثقافة الشيعية، الذي حوّل الحزن على استشهاد الحسين عليه السلام من
طقس فردي إلى فعل سياسي متجدد يُعاد إنتاجه كل عام، ويُستدعى كل مرة تحتاج فيها
القضية إلى تجديد شرعيتها في وجدان الناس. حين تسير الجموع خلف نعش قائد معاصر،
فإنها تعيد -من غير أن تدري غالبًا- إحياء هذا النمط الثقافي العميق الجذور في
الوعي الجماعي.
٣. ميزان الشرعية بين السلطة والوجدان
تعيد هذه الجنائز، في دلالاتها
العميقة، طرح سؤال الشرعية من منظور مغاير: معيار لا تكفي فيه آليات السلطة
الرسمية وحدها، وإنما يقاس أيضًا برسوخه في وجدان الناس. الحشود التي تملأ الساحات
ميزان دقيق للثقة والانتماء، وإدراك جمعي لطبيعة الصراع واتجاهاته، أكثر من كونها
أرقامًا تُحصى. وما يستوقفني في هذه اللحظات قدرتها على تبديد حالات التردد التي
قد تعتري بعض النخب، فهي تكشف بوضوح أن الشعوب، رغم الضغوط التي تواجهها، ما تزال
قادرة على التمييز بين من يمثلها ومن يتحدث باسمها. الرسالة الأبرز في هذه المشاهد
أن الثقة بالشعوب قراءة واقعية لمسار التاريخ، أكثر من كونها خيارًا عاطفيًا؛ ثقوا
بشعوبكم، فهي ميزان الحقيقة وفيصل الحق.
٤. سؤال الشارع: بين وهم العجز وحقيقة
الأثر
يرد بعد هذا السياق سؤال أعمق من
استفسار عن نتيجة مباشرة: ما تأثير الشارع والشعوب في السياسة، أمام الدول
المتسلطة؟ يفتح هذا السؤال، في جوهره، ملف العلاقة المعقّدة بين قوة الشعوب وشرعية
السياسة، وبين ما تُنتجه الساحات من وعي وما تفرضه مراكز القرار من واقع، وهو بهذا
المعنى امتداد طبيعي لما خُتم به الكلام حول «شهود الجنائز» ودلالتهم على تجذّر
القضايا العادلة في وجدان الأمة.
فالسؤال عن أثر الشارع، ولا سيما في
مواجهة الدول المتسلطة، سؤال عن العلاقة بين القوة والشرعية: بين ما يُفرض بالقهر
وما يترسّخ بالقبول العام. وينبغي التمييز منذ البدء بين مستويين: مستوى الفعل
السياسي المباشر، ومستوى الفعل التاريخي العميق.
في المستوى الأول، قد يبدو تأثير الشعوب
محدودًا؛ فالأنظمة المتسلطة تملك أدوات القمع والسيطرة الإعلامية التي تؤخر مفاعيل
الإرادة الشعبية، أو تشوّه تعبيراتها، أو تعيد توجيهها. من هنا تطول حالات الجمود
أو الانكسار الظاهري، حيث تُحكم القبضة على المجال العام، وتُصادَر إمكانات
التغيير القريب.
أما المستوى الثاني، فيغيب تمامًا عن
هذا المشهد الظاهري. تعمل الشعوب فيه حاضنة للمعنى ومرجعية للشرعية، لا كتلة قابلة
للتوجيه فقط؛ إذ تتحول إلى قوة تاريخية صامتة فاعلة، تختزن القيم وتعيد إنتاجها،
وتمنح القضايا العادلة قابلية الاستمرار عبر الزمن.
٥. الجنازة الكبرى: إعادة تثبيت
للشرعية
من هنا تُفهَم دلالة الجنائز الكبرى
التي تسير فيها الجموع عن وعي واختيار: لحظة انكشاف لهذا المخزون العميق، لا حدث
عابر. حين تخرج الحشود بهذه الكثافة، تفعل ما هو أخطر وأبقى من تغيير نظام في
لحظته: تعيد تثبيت معيار الشرعية، وتعلن أين يقف الضمير الجمعي، ومن يمثل تطلعاته،
ومن يقف في مواجهتها. تستطيع الأنظمة المتسلطة أن تحكم؛ إقناع الناس أمر آخر
تمامًا. وقد تدير الأنظمة الواقع، لكنها تعجز عن امتلاك المستقبل إذا كان وعي
الشعوب يناقضها. الصراع الحقيقي، تبعًا لذلك، يُحسم في وجدان الناس ربما أكثر مما
يُحسم في مراكز القرار، فهناك تتحدد قابلية أي مشروع للاستمرار أو التلاشي.
يتجلى أثر الشعوب، في ضوء ما تقدّم،
على ثلاثة مستويات مترابطة: أولها حفظ القضايا العادلة من الاندثار، بحيث لا تتحول
الهزائم المرحلية إلى هزيمة نهائية. وثانيها إنتاج الشرعية أو نزعها، وهو ما يظهر
في لحظات مفصلية تكشف الحجم الحقيقي للالتفاف الشعبي. وثالثها إعادة فرض هذه
القضايا على الواقع السياسي كلما سنحت الفرصة، بحيث يبقى التاريخ مفتوحًا على
إمكان التغيير.
٦. شهود لا يزولون
ما يُقال عن «شهود الجنائز»، تبعًا لكل
ما تقدّم، خلاصة لسنن تاريخية متكررة، لا توصيف إنشائي عابر: القضايا التي تتجذر
في وعي الأمة لا تموت، لأنها لا تبقى معلقة بالأفراد، وإنما تتحول إلى جزء من هوية
الجماعة وذاكرتها. حينئذ يصبح كل جيل شاهدًا جديدًا عليها، وحاملًا لها، وقادرًا
-عندما تتبدل الموازين- على إعادة إدخالها إلى حيّز الفعل. شهود الجنائز، من هذه
الزاوية، شهود على استمرار القضية نفسها أكثر من كونهم معبّرين عن حزن أو وفاء
وحسب، ودليل حي على أن ما يبدو مغلوبًا في لحظة ما قد يكون، في الحقيقة، مؤجَّل
الحسم فقط. ما يستقر في ضمير الشعوب لا تلغيه قوة ولا تمحوه سلطة؛ يبقى قابلًا
للعودة، ومتجهًا -بفعل هذا الوعي المتراكم- نحو فرض نفسه في نهاية المطاف.
الشيخ
علي خازم، الأحد، 27 محرم، 1448 هـ - 12 تموز، 2026 م.
هوامش:
- 1. جرت جنازة الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1970، بعد وفاته في 28 أيلول/سبتمبر من العام نفسه، ووصِفت بأنها من أكبر الجنائز الشعبية في التاريخ الحديث من حيث حجم المشاركة العربية والإسلامية.
- 2. توفي الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني في 3 حزيران/يونيو 1989 في طهران، وشهدت جنازته حضورًا شعبيًا هائلًا قدّرته بعض المصادر بملايين المشاركين، ما عُدّ استمرارًا لزخم الثورة الإسلامية وتجديدًا لشرعيتها في الوعي الإيراني والإسلامي.
- 3. استشهد السيد حسن نصرالله في أواخر أيلول/سبتمبر 2024، وأعلن رسميًا عن استشهاد السيد هاشم صفي الدين في تشرين الأول/أكتوبر 2024 وشهدت الضاحية الجنوبية لبيروت وغيرها من المناطق اللبنانية تشييعًا جماهيريًا واسعًا لهما، عُدّ تعبيرًا عن عمق الارتباط الشعبي بمسارهما ومكملًا لصورة التمسك بالمشروع وقياداته في الوجدان اللبناني العام.
- 4. أظهر تشييع السيد علي الخامنئي، في حضوره المباشر في كل من إيران والعراق والرمزي في العديد من دول العالم، رسوخ الأثر الشعبي للمشروع الذي مثّله، واستمرار حضوره في الوعي الجمعي المرتبط بقضايا العدل ومواجهة الاستضعاف.









