الاثنين، يونيو 22، 2026

رسالة الامام الخميني الى الشعب الايراني وزعماء العالم الإسلامي في 28 ربيع الثاني 1391 هـ - 23 حزيران 1971 م.

 

رسالة الامام الخميني الى الشعب الايراني وزعماء العالم الإسلامي في 28 ربيع الثاني 1391 هـ - 23 حزيران 1971 م.

في مثل هذا اليوم مستندا إلى موقف سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام، وجّه الإمام الخميني (قده) رسالة الى الشعب الايراني وزعماء العالم الإسلامي في 28 ربيع الثاني 1391 هـ - 23 حزيران 1971 م. رفضا لإحياء الشاه محمد رضا بهلوي ذكرى 2500 عام على إنشاء مملكة فارس القديمة التي عرفت ب(جشن‌های 2500 سالهٔ شاهنشاهی ایران)، الذي دعا إليه رؤساء وملوك العالم والأمراء في مدينة برسيبوليس (تخت جمشيد) من تاريخ 12 إلى 16 تشرين الأول عام 1971م، في واحد من أشدّ الاحتفالات بذخا واسرافا وهدرا في العالم حسب ما نشر وقتها من أرقام (الإعلام الرسمي قال انها كانت 16 مليون وثمانماية ألف دولار – جريدة اطلاعات : ۲ آبان، ۱۳۵۰هـ.ش. – 24 تشرين الأول 1971 م).

خطب الإمام الخميني (قده) وأصدر عددا من البيانات التاريخية حول هذه الاحتفالات المناهضة للإسلام، حيث كان يرى أنها محاولات لتشويه الإسلام ونشر الفساد، وانتقد بشدة المظاهر الاحتفالية التي تتنافى مع قيم الإسلام وأخلاقه.

وفي هذا الخطاب الذي طُبعَ ووزع ركّز على خطورة الاستعانة بالخبراء الإسرائيليين في تخطيط وتنفيذ الإحتفال الذين قدموا كل الدعم لتجليل "كوروش الإخميني" باعتبار أنه كان أحد المنقذين التاريخيين لشعبهم، وعقدوا لذلك مؤتمر تكريم كوروش الإخميني، كما تُظهر الصورة لافتة ترحيبية رُفعت في "قريات كورش" (Kiryat Cyrus)، وهي حي سكني ومشروع استثماري تم التخطيط له وتأسيسه في سبعينيات القرن الماضي (في عهد الشاه محمد رضا بهلوي) بمدينة ريشون لتسيون داخل فلسطين المحتلة.

 وقد حذّر الإمام الخميني (قده) المسؤولين في العالمين العربي والإسلامي والشعب الإيراني من المشاركة    في هذه الإحتفالات لما لها من آثار سلبية على المجتمع والأفراد.

وشارك لبنان في الاحتفالات ممثَّلاً برئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، و جاءت مشاركة الرئيس فرنجية لترميم العلاقات؛ إذ إن عهد الرئيس شارل حلو كان قد شهد قطعاً كاملاً للعلاقات الدبلوماسية بين لبنان وإيران عام 1969بقرار من الشاه. وكان سبب القطع هو رفض إدارة شارل حلو تسليم الجنرال "تيمور بختيار"  (أول رئيس لجهاز الاستخبارات الإيراني - السافاك) إلى الشاه بعد لجوئه سياسياً إلى بيروت بسعي من الإمام المغيّب السيد موسى الصدر ورئيس المجلس النيابي الراحل صبري حمادة، ولم تعد العلاقات وتتحسن إلا بعد تسلم سليمان فرنجية مقاليد الرئاسة وتشكيل حكومة جديدة، وهذا الموضوع يأتي الكلام على تفاصيله لاحقا.

--------------------

مقطع من النص الفارسي وتعريبه

بيانات تاریخی قائد بزرگ اسلام مرجع تقلید مسلمانان حضرت آیت الله عظمی خمینی راجع بجشن ضد اسلامی

اكر العياذ بالله آدم سست و تن پروری بود می توانست برای خود عذر تراشی و تکلیف شرعی درست کند و سكوت نماید، از خدا می خواستند که سید الشهداء (ع) ساکت باشند تا آنان بمراد پلید خویش برسند . آنها از قیام حضرت میترسیدند آنحضرت مسلم را فرستاد از مردم بیعت بگیرد تا آن حکومت فاسدرا سرنكون سازد ، و حکومت اسلامی تشکیل دهد. اگر در گوشه مدینه می نشست و کار بکار کسی نداشت خیلی احترامش می کردند دستش را هم میبوسیدند شما هم اگر ساکت بنشینید در نظر آنان محترميد و احترام بشما مانند احترام بامامزاده مرده است امامزاده مرده را همه احترام میگذارند ولی امام و امام زاده زنده را سر می برند .

من بمقامات كشورها وبسران ممالكي كه می خواهند در این جشن منحوس شرکت کنند اعلام میدارم که این جشن به ملت ایران ربطی ندارد و شرکت در آن شرکت در خون ملت ستم کشیده ایران است :

سران ممالك اسلامی نیز باید توجه داشته باشند که این جشن ضد اسلامی با نظارت مهندسين وكار شناسان اسرائیل بر گذار میشود لازم است از شرکت در آن خود داری ورزند

ملت مسلمان ایران موظفند از شرکت در این جشن غیر مشروع خود داری کنند و با آن مبارزه منفی نمایند، در روزهای جشن از خانه های خود خارج نشوند ، و از دائر کننده و شرکت کننده این جشن به هر وسیله ممكن اظهار تنفر و انزجار نمایند.

بر پا دارندگان این جشن باید بدانند که منفور جامعه ی اسلامی و ملت زنده دنیا میباشند ، دنیای آزاد از آنان نفرت دارد، اسلام و مسلمانان از این شاهنشاهی متنفر و بیزارند .

شما هم موظفيد بهر وسیله ممکن مخالفت خود را با این جشن ابراز نمائید و برای مسلمانان ، آن بیچاره هایی که گرسنه و برهنه اند ، بدبخت و گرفتارند برای آنانکه در حبس وزجر و تبعيد بسر می برند برای آن دختران معصومی که بر اثر ضربات وارده محتاج بعمل جراحی هستند و برای همه ی گرفتارها دعا کنید و از خداوند متعال بخواهید که آنان را یاری فرماید والسلام عليكم .

التعريب :

إذا كان الإنسان – والعياذ بالله - ضعيفًا مُنغمسًا في ذاته فإنه سيُجيد التبرير والتبريرات الدينية، ويصمت. لقد سألوا الله أن يسكت سيد الشهداء (عليه السلام) ليُحققوا أهدافهم الخبيثة. خافوا من ثورة حضرته ولكنه أرسل  مسلمًا ليُبايع الناس على إسقاط تلك الحكومة الفاسدة وإقامة حكومة إسلامية. لو ان الإمام  جلس في زاوية من المدينة ولم يكن لديه ما يفعله، لاحترموه احترامًا شديدًا وقبلوا يده. لو صمت، لَكان مُحترمًا في عيونهم، ولكنه احترام كإكرام إمام ميت. الكل يُكرم إمامًا ميتًا، لكنهم يقتلون إمامًا حيًا وابن إمام.

 أُعلن لمسؤولي الدول، بل للعديد من الدول التي ترغب في المشاركة في هذا الاحتفال المشؤوم، أن هذا الاحتفال لا علاقة له بالشعب الإيراني، وأن المشاركة فيه تُسفك دماء الشعب الإيراني المظلوم.

كما ينبغي على قادة الدول الإسلامية أن يُدركوا أن هذا الاحتفال المُعادي للإسلام يُقام بإشراف مهندسين وخبراء إسرائيليين، ومن اللازم عليهم الامتناع عن المشاركة فيه.

على الشعب الإيراني المسلم الامتناع عن المشاركة في هذا الاحتفال الباطل ومحاربته بكل قوة، وعدم مغادرة منازلهم أيام الاحتفال، والتعبير عن الكراهية والاشمئزاز تجاه مُنظمي هذا الاحتفال والمشاركين فيه بكل وسيلة ممكنة.

ليعلم مُنظموا هذا الاحتفال أنهم مكروهون من المجتمع الإسلامي والأمة الحية في العالم، وأن العالم الحر يكرههم، وأن الإسلام والمسلمين يكرهون هذا النظام الملكي ويبغضونه. أنتم أيضًا عليكم التعبير عن معارضتكم لهذا الاحتفال بكل الوسائل الممكنة، والدعاء للمسلمين، وللفقراء الجائعين العراة، البائسين المحاصرين، وللمسجونين والمعذبين والمنفيين، وللفتيات البريئات المحتاجات إلى عمليات جراحية نتيجة الضرب الذي تعرضن له، ولكل المحاصرين، واسألوا الله تعالى أن يعينهم. والسلام عليكم.".

----------------------------------------------------

    تكشف هذه الوثيقة اليوم عن جانب مهم من طبيعة الصراع الذي كان الإمام الخميني (قده) يخوضه مع نظام الشاه؛ إذ لم يكن اعتراضه منصبّاً على مظاهر الإسراف والتبذير فحسب، بل على المنظومة السياسية والثقافية التي جعلت إيران جزءاً من شبكة المصالح الغربية والإسرائيلية في المنطقة، حتى بلغ الأمر أن تُقام احتفالات الشاهنشاهية بإشراف خبراء إسرائيليين، وأن تتحول ذكرى ملك فارسي قديم إلى مناسبة لتظهير التحالف بين نظام الشاه والكيان المحتل لفلسطين.

وبعد أقل من عقد على صدور هذه الرسالة تبدّل المشهد بصورة جذرية. فسقط النظام الملكي الذي كان يُقيم العلاقات الوثيقة مع إسرائيل ويمنحها مواقع النفوذ والتأثير، وقامت الجمهورية الإسلامية على أساس الاستقلال والمرجعية الإسلامية ورفض الهيمنة الأجنبية. وأُغلقت السفارة الإسرائيلية في طهران لتتحول إلى سفارة لفلسطين، وأصبحت القضية الفلسطينية جزءاً ثابتاً من هوية الدولة الجديدة وسياساتها المعلنة.

من هنا تكتسب هذه الرسالة أهميتها التاريخية؛ فهي لا تمثل اعتراضاً عابراً على احتفال رسمي، بل تكشف مبكراً عن المشروع الذي كان الإمام الخميني يدعو إليه، مشروع الانتقال من إيران الشاهنشاهية المرتبطة بإسرائيل والقوى المستكبرة إلى إيران إسلامية تجعل العدل والاستقلال ونصرة المستضعفين وفلسطين جزءاً من رسالتها السياسية والحضارية.

وبين احتفالٍ أشرف عليه خبراء إسرائيليون في عهد الشاه، ودولةٍ جعلت دعم فلسطين والمقاومة ركناً ثابتاً من سياستها بعد الثورة الإسلامية، تتجلى بوضوح المسافة الفاصلة بين إيران التي انتقدها الإمام الخميني وإيران التي أسهم في تأسيسها وبنائها.

الشيخ علي خازم، ‏23‏ حزيران‏، 2026









 

الاثنين، يونيو 15، 2026

صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

 


صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

مقدمة: التاريخ كصناعة واعية

لا يُصنع التاريخ بالمصادفات، ولا يُترك وعي الأمم لمهبّ العفوية والارتجال. التاريخ في جوهره صناعةٌ واعية، والصناعةُ في كينونتها المادية والوجودية تحتاج إلى تضافر عناصر أربعة متكاملة: رأس مال محرك، أدوات وآلات فاعلة، جهد بشري خلّاق، وقدرة استراتيجية على التسويق والتسييل زماناً ومكاناً في مجريات الدهر.

ضمن هذه المعادلة الموضوعية، تحرك الإنسان العاملي (أهل جبل عامل) عبر التاريخ؛ فلم يكن يوماً على هامش الجغرافيا، بل كان في قلب حركيتها وصانعاً لمتغيراتها. غير أن الميزة الوجودية للشخصية العاملية تكمن في أنها لم تفصل يوماً بين "مادية الإنتاج" "وأصالة الروح"، بل زاوجت بين قسوة العمل والجهد اليومي، وبين الانتماء الفكري العقائدي الأصيل؛ فكان العامليون قرآنيين في منطلقهم المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلوناتها المعقدة ومحطاتها المتغيرة عبر الأزمنة.

أولاً: واقعية الجهد العاملي (رأس المال، الأدوات، والتسييل)

تاريخياً، واجه العامليون جغرافيا جبلية قاسية وتهميشاً سياسياً واقتصادياً متعمداً من السلطات المتعاقبة. ولفرض وجودهم وانتزاع بقائهم، تحوّل الجهد البشري العاملي إلى قوة جبارة طوعت الصخور وحولتها إلى مدرجات زراعية خصبة أنتجت التبغ والزيتون والحبوب، مستخدمين أدواتهم البسيطة لإنتاج عيشهم بحرية.

 ولأن "الصناعة يلازمها تسييل وتسويق"، لم ينغلق جبل عامل على نفسه، بل ارتبطت حركته الاقتصادية بحواضر المحيط كصيدا وصور وعكا ودمشق، مكرساً معادلة الاكتفاء الذاتي الممزوج بالانفتاح التجاري.

إلا أن اشتداد الحصار والاضطهاد وتدمير المواسم المتكرر عبر الحقب، ضيّق حدود الجغرافيا المحلية على تطلعات الإنسان العاملي، مما دفعه إلى نقل معركته الإنتاجية إلى فضاءات أرحب، مبتكراً "رأس مال بديل" عبر ظاهرة الهجرة الاغترابية المبكرة إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولم يكن هذا الاغتراب انقطاعاً عن الأرض أو هروباً من مواجهة الواقع، بل كان امتداداً تاريخياً وموضوعياً لذات الدورة الاقتصادية؛ حيث تحولت الغربة إلى ساحة جديدة لتسييل الجهد البشري وضخ الأموال والموارد المغتربة في عروق الوطن، لتعود دماءً اقتصادية طازجة تُستثمر في تمويل حواضره الثقافية، وتعزيز صمود مجتمعه في وجه نوائب الدهر زماناً ومكاناً.

ثانياً: هويةٌ قرآنية وولاءٌ حركي يصنعان ريادةً عالمية

استندت هذه الحركية المادية للإنسان العاملي إلى مخزون عقائدي صلب تلاحم فيه الأصل بالفرع؛ فكنا قرآنيين في منطلقنا المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلويناتها للأزمنة المتغيرة في امتدادنا السياسي والحركي.

 لم تكن هذه الثنائية شعاراً مجرداً، بل تجسدت في تمهيد النص الإلهي ومعالم الوعي؛ فمن آيات الحث على العمل وعمارة الأرض، تحول التوجيه القرآني: {وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة - آية 105) إلى دافع يومي لرفض الخمول، ومن آيات مواجهة البغي ومقاومة الجور مستندين إلى قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج - آية 39)، استمدّ العقل العاملي شرعية الوفاء لخط الإمامة الرافض للظلم، وصاغ معالم مواجهته للجور عبر التاريخ.

هذا التلاحم بين الوعي القرآني والخط الولائي جعل من طلب العلم وتأصيل الفقه فريضة حركية امتداداً لقوله سبحانه: {.. يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة - آية 11) ، فصار جبل عامل "نجف الشام" بحواضره ومدارسه العلمية الكبرى في كرك نوح، وميس الجبل، وجزين، ومشغرة، وجباع، والنبطية.

وعندما تلونت الأزمنة واكتملت الأهلية العلمية للجبل، انطلق العقل العاملي لتطبيق الامتداد الغائي للآية الكريمة؛ فتحقق النفير هنا لا لطلب التفقه بعد أن أُصّل في الحواضر المحلية، بل سعياً للإنذار والتبليغ، واعتبار العالم كله ميداناً رسالياً ممتداً، مصداقاً لتمام البيان الإلهي: { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }(التوبة - آية 122). وضمن هذا الأفق التبليغي، وسواء أكان النفير استجابةً لطلب مباشر من حكام تلك الحواضر الكبرى وحاجتهم الملحّة لعلم الجبل، أو كان سعياً ذاتياً لمدّ جسور الفكر، فيمّم علماؤنا شطر الإمبراطوريات والحواضر الكبرى الناشئة؛ فكان العراق هو الرحم الفقهي والموئل الذي تخرجت من حوزاته (كالحلّة والنجف) النوابغ العاملية الأولى لتعود وترفدها لاحقاً بالتجديد، وكانت البحرين واحة الأخوة والسليقة التي امتزج بها الفكر العاملي حتى احتضن ثراها كبارنا كالشيخ حسين بن عبد الصمد. والتفتت العقول العاملية بطلب ونفير رسالي نحو الدولة الصفوية في إيران والممالك الفقهية في الهند كحيدر آباد وسلطنات الدكن؛ ففي إيران تولى المحقق الكركي (الشيخ علي بن عبد العالي) مقام شيخ الإسلام مؤسساً للقضاء والنظم، وبرز الشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي) كعبقرية جمعت بين فقه الشريعة وعمارة الأرض وهندسة إصفهان. وفي الهند قاد العقل العاملي دفة الحكم والوزارة والقضاء في بلاط حيدر آباد وسلاطين قطب شاه؛ فبرز الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي وزيراً أولاً وصادراً للسلطنة، والسيد جمال الدين الموسوي الجبعي مرجعاً أعلى وقاضياً للمملكة بأسرها، إلى جانب ريادة الشيخ حسن بن علي بن أبي جامع العاملي الفقهية، وإدارة الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي الكركي للمناهج العلمية والطب. هذا العبور التاريخي يبرهن أن ريادة العامليين لخط الإمامة لم تكن حالة طارئة، بل نتاج وعي قرآني حركي تخرّج من مدارس القرى كـ ميس الجبل وكرك نوح ليقود كبريات حواضر العالم الإسلامي بمرونة واقتدار تتماشى مع كل المتغيرات.

ثالثاً: إعادة تعريف أدوات الإنتاج (الشهادة والصبر كقيمة سيادية)

هذا الامتداد الفكري قاد الشخصية العاملية إلى صياغة الفلسفة الأعمق في مسيرتها: إن مفهوم "أدوات الإنتاج" لم يقف يوماً عند حدود المحراث المادي أو رأس المال النقدي. ففي بقعة جغرافية مستهدفة دائماً في أمنها وأرزاقها بفعل موقعها وصراعها التاريخي، أدرك العامليون أن أي إنتاج مادي لا تحميه "سيادة وقوة" هو إنتاج مؤقت وقابل للمصادرة والهدم.

بناءً على ذلك، دخل تقديم الشهداء في صلب العملية الإنتاجية للتاريخ؛ فالدم في جبل عامل هو "رأس المال السيادي" الذي يُدفع لإنتاج أمن الأرض، وحرية القرار، واستمرارية الوجود. أما الصبر على تدمير الأرزاق، وقصف المواسم، وهدم البيوت، فهو ليس حالة انكسار مادي أو استسلام، بل هو "إعادة استثمار عقائدي واستراتيجي" في الأرض.

حين يُهدم المصنع أو تُحرق حقول الزيتون، لا تتوقف دورة الإنتاج، لأن الإنسان العاملي يعيد تسييل هذا الهدم والوجع وتحويله إلى صلابة معنوية وإصرار على إعادة البناء. الصبر هنا هو الأداة الإنتاجية الفوق-مادية المستمدة من قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ } (البقرة - آية 155). هذه الأداة هي التي تمنع المعتدي من تحقيق أهدافه السياسية، وتجعل كلفة التدمير عبئاً على العدو لا على صاحب الأرض.

رابعاً: تلونات الأزمنة وصناعة المقاومة الحديثة

إن الوفاء لـ"خط الإمامة" فرض على العامليين قراءة دقيقة للمتغيرات عبر التاريخ دون التنازل عن الثوابت. فمن المقاومة بالفكر والحبر مع الشهيدين الأول والثاني، إلى المقاومة السياسية والوحدوية في مؤتمر الحجير (1920) بقيادة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين في وجه الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى العصر الحديث مع حركة الإمام السيد موسى الصدر وتأسيس المقاومة لمواجهة الاحتلال والحرمان. في كل هذه المحطات، كان العاملي يعيد تطويع أدواته ليتناسب مع "تلونات الأزمنة"، محولاً الفكر الولائي العاشورائي من بكاء سلبي إلى قوة مادية منظمة قادرة على تغيير المعادلات الإقليمية وحماية الجغرافيا.

خامسة وخاتمة: نَفَس عاشورائي وعهد قائم

مع هلال محرم، نثبت في أرضنا كشجر الزيتون العصي على الحرق؛ فبيوتنا تُهدم فتُبنى في الصبر قلاعاً، وحقولنا تُقصف فتُنبت مواسمها عزاً. خسارة المادة والرجال في منطقنا لا تعني التراجع، بل هي ذروة الاستثمار في السيادة البديلة. واليوم، ونحن ندخل أعتاب شهر محرم الحرام، يتلاقى التوقيت الروحي مع الواقع الميداني ليعيد شحذ معاني هذه الهوية وتأكيد بقائها؛ فجبل عامل يجد نفسه اليوم في قلب خضم العملية الإنتاجية للتاريخ والكرامة، مواصلاً المسير ذاته وعينه على كربلاء.

لم تنتهِ كربلاء في يوم العاشر، بل استمرت وحُفظت بالدور التاريخي المكمل لـعقيلة بني هاشم السيدة زينب والإمام علي بن الحسين السجّاد (عليهما السلام). ويمثل هذا الدور اليوم بوصلتنا الأخلاقية والشرعية؛ فكما حملت السيدة زينب والإمام السجّاد راية مقاومة الظلم والعدوان وتبيين الحقائق وسط المحن، غدت الأمة اليوم -بنسائها ورجالها، وأخواتها وعلمائها- مدعوة لحمل هذه الراية بصوت الحق الفصيح. وفي ذات السياق، تأتي عائلات الشهداء، والجرحى الميامين، والبيوت الحاضنة والأهل الأوفياء كـ"ودائع المقاومين" الغالية التي تركها الأبطال في الساحات، لتكون رعاية هذه الودائع، وحفظ كرامتها، وصون صمودها مسؤوليةً شرعية واجتماعية تقع في صلب العقيدة الزينبية والسجّادية.

لقد دفعنا في السنتين الماضيتين فاتورة الدم الأغلى والأقسى؛ فقدنا كبارنا وقادتنا وعزّ مراجعنا الحركية والفكرية الذين كانوا صمام الأمان والبوصلة. غيابهم ترك جرحاً غائراً في الجغرافيا والقلوب، لكن فلسفة "الإنتاج بالدم" علمتنا أن القادة يترجلون لتتحول دماؤهم إلى طاقة دفع وجودية، تزيد العروق صلابة، وتورث الأجيال ثباتاً لا يلين. ونحن نقف اليوم على مشارف عاشوراء، نلوذ براية الحسين، ونستلهم من صبر السجّاد وبلاغة زينب (ع) أسلحة لمواجهة تلونات الأزمنة. نودع كبارنا بالدمع والدم، ونستقبل العام الهجري الجديد بذات العهد الوفائي القديم: وعي قرآني هادٍ، وسلوك رسالي وحدوي، وولاء راسخ لخط الإمامة، ومقاومة حيدرية وحفظ لودائع الشهداء والجرحى والأهل زماناً ومكاناً حتى يمنّ الله علينا بنصره وتحقيق وعده ببسط سلطان العدل بيد الإمام الموعود المنتظر عجّل الله فرجه الشريف.

الشيخ علي خازم، ‏29‏ أيار‏، 2026

الخميس، يونيو 04، 2026

نعي آية الله العظمى الشيخ محمد اسحق الفياض (قدس سره الشريف)

 


بسم الله الرحمن الرحيم

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا مات المؤمن الفقيه ثُلِمَ في الإسلام ثُلمةٌ لا يسدّها شيء».

بمزيد من الحزن والأسى، تلقّيت نبأ رحيل سماحة آية الله العظمى المرجع الديني الكبير الشيخ محمد إسحاق الفياض (قدس سره الشريف)، أحد أعلام الفقه والاجتهاد في عصرنا، وأحد كبار مراجع النجف الأشرف الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

لقد مثّل الراحل الكبير نموذجاً نادراً للعالم العامل الذي شقّ طريقه من بيئة متواضعة في أفغانستان إلى رحاب الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فكرّس حياته للتحصيل والتدريس والتأليف وتربية الأجيال، حتى غدا مرجعاً يُرجع إليه في الفقه والأصول، ومعلماً من معالم الحوزة العلمية المباركة، تاركاً وراءه إرثاً علمياً وتربوياً زاخراً، وآثاراً باقية ينتفع بها طلاب العلم والمؤمنون.

وإنّ رحيله يشكّل خسارة كبيرة للحوزات العلمية وللأمة الإسلامية عموماً، لما كان يتمتع به من مكانة علمية رفيعة، وحضور مرجعي مؤثر، وسيرة اتسمت بالزهد والتواضع والصبر والثبات في خدمة الدين.

أتقدّم بأحرّ التعازي والمواساة إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وإلى مراجع الدين العظام، وإلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته، ومقلديه، ومحبيه في أنحاء العالم، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يحشره مع محمد وآل محمد الطاهرين، وأن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان.

﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.

الشيخ علي حسن خازم، ‏الخميس‏،‏18‏ ذو الحجة‏، 1447/ 04‏ حزيران‏، 2026



جيل الغيب وصناعة الصمود: مقاربة قرآنية لكلام الإمام علي عليه السلام في واقع لبنان المعاصر بقلم الشيخ علي حسن خازم

 في عيد الغدير، لا تبقى الولاية مجرد ذكرى تاريخية، بل تتحول إلى قوةٍ تصنع الوعي والصمود وتؤسس لمستقبلٍ أكثر أملاً نعود الى قول الإمام علي (ع) عن أقوام "في أصلاب الرجال وأرحام النساء" سيرعف بهم الزمان ويقوى بهم الإيمان. كيف تتجلى رؤية الإمام في واقع لبنان اليوم؟ وكيف يعبّر التضامن الشعبي والشباب اللبناني عن هذه السنّة الحضارية المتجددة؟

مقاربة فكرية وقرآنية تربط بين غدير علي (ع) وصمود لبنان، وتقرأ ملامح جيلٍ يولد من رحم التحديات ليصنع فجر الغد. لقراءة النص الكامل عبر الرابط التالي:


ألبوم الصور