السبت، يوليو 11، 2026

بيننا وبينكم شهود الجنائز: حين تفصل الشعوب في معنى الشرعية

 

بيننا وبينكم شهود الجنائز: حين تفصل الشعوب في معنى الشرعية

تشكل الجنائز الكبرى في تاريخ الأمم لحظة كاشفة تتجاوز بعدها العاطفي إلى كونها تعبيرًا مكثفًا عن وعي الشعوب بذاتها وبقضاياها المصيرية. ففي تلك اللحظات، لا يُشيَّع الأفراد بقدر ما تُستعاد القيم التي مثّلوها، وتُجدَّد البيعة للمسارات التي رسموها، حيث تتحول الحشود إلى شهادة حية على حضور هذه القضايا في الضمير الجمعي.

إن ما شهده العالم في تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي، من حضور واسع ومتعدد المستويات، سواء في المشاركة المباشرة داخل إيران والعراق أو في مظاهر التشييع الرمزي عبر بلدان عدة، يكشف عن تحول عميق في وعي الشعوب، ولا سيما في أوساط المستضعفين. فهذا الحضور لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعبير وجداني، بل هو إعلان متجدد للتمسك بقيم العدل، والسعي إلى استعادة الحق في حياة كريمة، في مواجهة أنماط الهيمنة والاستضعاف.

وإذا نظرنا إلى هذا الحدث في سياقه التاريخي، أمكننا أن نلحظ خيطًا ناظمًا يربط بين محطات مفصلية عبّرت فيها الجماهير عن انحيازها العميق لقادتها الذين جسّدوا تطلعاتها، لا لمجرد من شغلوا مواقع السلطة. فمن جنازة الرئيس جمال عبد الناصر، إلى تشييع الإمام السيد روح الله الخميني، مرورًا بجنازتي الشهيدين السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين، وصولًا إلى التشييع الحاشد للسيد علي الخامنئي، تتكرر الصورة ذاتها: شعوب تؤكد ولاءها للمشروع لا للشخص، وللقضية لا للمنصب.

هذه الجنائز، في دلالاتها العميقة، تعيد طرح سؤال الشرعية من منظور مغاير، حيث لا تُقاس بآليات السلطة الرسمية وحدها، بل بما تحظى به من رسوخ في وجدان الناس. ومن هنا، فإن الحشود التي تملأ الساحات ليست مجرد أرقام، بل هي تعبير عن ميزان دقيق للثقة والانتماء، وعن إدراك جمعي لطبيعة الصراع واتجاهاته.

ولعل ما يستوقف في هذه اللحظات هو قدرتها على تبديد حالات التردد والقلق التي قد تعتري بعض النخب أو الفئات، إذ تكشف بوضوح أن الشعوب، رغم ما تواجهه من ضغوط، ما تزال قادرة على التمييز بين من يمثلها ومن يتحدث باسمها. وعليه، فإن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من هذه المشاهد هي أن الثقة بالشعوب ليست خيارًا عاطفيًا، بل قراءة واقعية لمسار التاريخ.

إن شهود الجنائز، في نهاية المطاف، ليسوا مجرد مشاركين في طقس وداعي، بل هم شهود على الحقيقة نفسها؛ حقيقة أن القضايا العادلة، حين تتجذر في وعي الأمة، تجد دائمًا من يحملها، ومن يجدد لها الحياة.

الشيخ علي خازم، ‏الجمعة‏، 10‏ تموز‏، 2026



ليست هناك تعليقات:

ألبوم الصور