السبت، نوفمبر 23، 2013

‎سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام‎:‎ قراءة السياسة في الأخلاق والدعاء



 سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام: قراءة السياسة في الأخلاق والدعاء

 ‏

تدعونا مناسبة وفاة الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين وسيد الساجدين إلى التدبر في مسألة ‏تنوع الأدوار بين الأئمة التي أطلقها البعض فأعطاه فيها صورة البكَّاء الحزين المتفرغ للتذكير بمصيبة أبيه وعائلته، ‏وجعل لمن بعده من الأئمة وظيفة التعليم، فيكون عهد إمامته بذلك فاتحة تحول عن العمل السياسي في مسار الإمامة، ‏وكأنهم- الأئمة- اكتفوا بثورة الإمام الحسين عليه السلام ونتائجها. ‏

قراءة ونتائج ‏

‏ إن قراءة لسيرة الإمام زين العابدين (ع) تضعنا أمام نسب متفاوتة الكم لصالح ما ذكرناه وفيها بيان حزنه وهمه وبكائه ‏وما إليه من تذكير بمصيبة عاشوراء وبيان لكراماته ووصف محاسن عبادته وتسبيحه وكرمه وجوده. 
‏ إن دوره السياسي من خلال الروايات لم يكن له في تاريخه الذي ذكره صاحب البحار "ره" مثلاً في الجزء 46 أكثر من ‏ثلاثين صفحة فيها "ذكر أحوال أهل زمانه من الخلفاء وغيرهم وما جرى بينه عليه السلام وبينهم" استطرد فيها إلى ‏أحوال أصحابه وخدمه ومواليه ومداحيه، بينما تجاوزت مساحة الروايات بالمضامين السابقة " بيان حزنه وهمه ‏وبكائه وما إليه من تذكير بمصيبة عاشوراء وبيان لكراماته ووصف محاسن عبادته وتسبيحه وكرمه وجوده" أكثر من ‏مائة وسبعين صفحة. 
إن قراءة دقيقة لسيرة الإمام زين العابدين تحتاج منا إلى مراعاة أمور تتعلق بالروايات نفسها من جهة وبوظيفة الإمامة ‏من جهة أخرى. ‏
  " تأريخ الرواية يساعد على الفهم الدقيق لها والإستفادة منها" ‏

مع الرواية ‏

‏إن المثال الذي ذكرناه من البحار لجهة عدد الروايات وتوزيعها على الأبواب المختلفة يحتاج بداية إلى تفسير وإن ‏تفسير هذا التفاوت ممكن بفهم حال الرواة النفسية في تلك المرحلة القريبة جداً- زماناً- من مصيبة عاشوراء، واهتمام ‏الرواة بمتعلقاتها، ولكن هذا التفسير لا ينبغي له أن يحول انتباهنا عن وظيفة الإمامة والدور المناط بالإمام وولايته ‏العامة. وإن عدداً غير قليل من هذه الروايات لا يثبت أمام منهج النقد العلمي المتبع سنداً أو مضموناً وتقتصر دلالة قسم ‏آخر على أقل مما يدّعى لها. 
‏ ثم إن الروايات الصحيحة يجب أن توضع في سياق يقبل تعدد العناوين بمعنى أن عنونة بعضها في باب الأدعية مثلاً ‏لا تمنع من إعادة الإستفادة منها في باب السياسة وهكذا. 
‏ والأهم من ذلك تأريخ الروايات وعدم إبقائها معلقة في هواء مطلق، إن تأريخ الرواية يساعد على الفهم الدقيق لها ‏والإستفادة منها بصورة أقرب إلى الواقع من دراستها بعيداً عن الزمان والمكان.‏

مع الإمام ‏

‏ يقول الله عز وجل "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" (السجدة 24) وفي الحديث عن ‏أمير المؤمنين (ع) : "لا يتحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع العلوم". هذه هي صفات الإمام وبذلك ‏تكون ساحة عمله ساحة المجتمع الإسلامي بأموره كلها فيضع كل شأن فيه بما يحتمله، وعمل الإمام في ذلك كله على ‏قوة واحدة ومنهج شامل لا ينقص دور واحد من الأئمة عن دور الآخرين في شيء ولا تخصص وظيفة أحدهم بالدم ‏ووظيفة الآخر بالرسالة بل هي وظيفة واحدة إنما يظهر لنا منها ما تعلق بواقع كل منهم وما حمل إلينا عنهم. 
‏ وإن منشأ أغلب الإشتباهات في هذه المسألة هو روحية التقديس لا للروايات نفسها فقط بل للعناوين التي وضعها الرواة ‏لهذه الأحاديث أحياناً بحيث وجدنا من لا يتحمل نقلها إلى عنوان آخر ويعتبره تعدياً عن حدود الدلالة. 

في رسالة الحقوق والدعاء لأهل الثغور 

‏ في تطبيق هذا المنهج على الروايات المتعلقة بالإمام زين العابدين- وهو قابل للتطبيق في الروايات الأخرى- يمكننا ‏الإستفادة من "رسالة الحقوق" و "الصحيفة السجادية" فبعد التسليم بصحة صدورهما عنه عليه السلام يمكن للقارئ أن ‏يحملهما أبعد من كونهما مجموعة نصوص أخلاقية وتربوية وتعليمية، أو أذكاراً وأوراداً فيصل بهما إلى استقراء ‏عمل الإمام السياسي وموقفه الشخصي والتوجيهي للمسلمين من مشايعيه ومتابعيه بحق السلطة القائمة آنذاك. 
‏ لقد عاصر الإمام زين العابدين من الحكام- حال إمامته- كلاً من يزيد ومعاوية ابنه، ومن أبناء الحكم، مروان وعبد ‏الملك والوليد وسليمان، والزمان الذي استغرقته هذه السلطنات تجاوز الثلاثين سنة أوضحت لنا روايات قليلة بعضاً من ‏هذه المعاصرة وخفي علينا شيء كثير يمكن لنا استيضاحه من خلال الروايات التي لا تتعرض للمعاصرة السياسية ‏مباشرة كما في البحث عن حق السلطان في "رسالة الحقوق" وعن وظيفة المسلمين اتجاه أهل الثغور في ظل حاكم غير ‏الإمام المعصوم كما في "دعائه لأهل الثغور من الصحيفة السجادية". 
‏ ‏"... فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك : حق سائسك بالسلطان، ثم سائسك بالملك، ثم سائسك بالعلم وكل سائس إمام...". 
‏ السائس هو المدبّر للمكلف، وقد جعل الإمام لهذا السائس حقاً على المتعلم وعلى العبد المملوك وعلى المواطن في ‏السلطنة، وقوله "كل سائس إمام" يجري قاعدة كلية ليبني عدم استعمال لفظ الإمام بالمعنى الإصطلاحي ويدل عليه مع ‏ذلك قوله عليه السلام في تقييد هذا الحق بـ "... ما يكفّه عنك ولا يضرّ بدينك وتستعين عليه في ذلك كله...". 
‏ هذا الحق في هذه الرسالة يكشف لنا عن حركة الإمام زين العابدين السياسية اتجاه الدولة التي قتلت أباه وأهله فبإضافة ‏هذا الحق إلى بقية الحقوق نجده يقدم مصلحة مجتمع المسلمين على أي أمر آخر غير إحياء الدين أو قل أنه يصالح ‏المجتمع مع نفسه لتكون عملية التغيير السياسية ذات أساس إجتماعي مبني على النصفة والعدالة اتجاه أفراده. 
‏ ولا يتوقف الإمام زين العابدين عند هذا الحد بل يتوجه إلى الله بالدعاء لأهل الثغور وهم عساكر السلطان المخالف ومن ‏المؤسف أننا لا نستطيع تحديد تاريخ هذا الدعاء لتمييز السلطان المعاصر من بين من ذكرنا. 
‏ على أن الدعاء نفسه في المقاطع التي يتوجه فيها إلى الله مستعيناً به على الأعداء بصنوف ما يضعهم يعم : 
‏ ‏"اللهم واعمم بذلك أعداءك في أقطار البلاد..." بما يجعله قابلاً لأن يكون في أي مرحلة من عمره الشريف. 
وقراءة الدعاء بتدبر تضع القارئ أمام اتجاهين : الدعاء لعساكر المسلمين والدعاء على أعدائهم بعيداً عن ذكر الدولة أو ‏السلطان الحاكم في بلاد المسلمين أو المعادي لهم. 
‏ ولا ينسى الإمام من دعائه: "أيما مسلم أهمّه أمر الإسلام وأحزنه تحزب أهل الشرك عليهم فنوى غزواً، أو همّ بجهاد ‏فقعد به ضعف، أو أبطأت به فاقة أو أخّره عنه حادث، أو عرض له دون إرادته مانع : فاكتب اسمه في العابدين، ‏وأوجب له ثواب المجاهدين، واجعله في نظام الشهداء والصالحين". ‏

في كتابه إلى الزهري ‏

هذا المنهج نفسه يمكن اسخدامه لإعادة قراءة كتاب الإمام زين العابدين إلى محمد بن مسلم الزهري التابعي الحافظ ‏المعروف بابن شهاب : كان ابن شهاب الزهري مخالطاً لبني أمية وتولى لهم بعض الأعمال فاستخدموه لأمورهم ومن ‏ذلك أثناء ما عرف بفتنة ابن الزبير، إذ منع عبد الملك بن مروان أهل الشام من الحج وذلك كما ذكره اليعقوبي في ‏تاريخه:الجزء الأول في كلامه عن ابن الزبير في أيام مروان بن الحكم " ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك ‏أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، ‏وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن ‏رسول الله قال: لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس وهو يقوم لكم ‏مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها، لما صعد إلى ‏السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن ‏يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية.
  أرسل الإمام زين العابدين كتاباً لا يمكن لقارئه أن يتوقف عند خصوصية للزهري فيه بل هو رسالة توضيحية لدور ‏العلماء المسلمين وما ينبغي أن يكونوا عليه حال تسلط الحكام غير الأكفاء على مقادير الأمور، وتفشي الجهل بين عامة ‏المسلمين من جهة أخرى. 
‏ ‏"لا تحسبنّ الله قابلاً منك بالتعذير ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال ‏‏"لتبيننه للناس ولاتكتمونه" واعلم أن أدنى ما كتمت وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغي ‏بدنوك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت... وأحببت من حادّ الله، أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً ‏أداروا بك رحى مظالمهم... يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ‏ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم". 
‏ وهكذا نجد أن السياسة في حركة الإمام زين العابدين لم تفارق الذكر والبيان ونجد أن التربية والتعليم لم يكونا بعيدين ‏عن البناء الإجتماعي، هكذا هي الإمامة وهكذا يجب أن نفهمها وأن نقوم بما تعلق بذممنا اتجاه من له الحق علينا.‏

كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري* يعظه

كما جاء في كتاب تحف العقول : ابن شعبة الحراني - ص 274 – 277, تصحيح وتعليق : علي أكبر ‏الغفاري,الطبعة الثانية 1404 - 1363 ش , مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 
كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك فقد أثقلتك نعم الله بما ‏أصح من بدنك وأطال من عمرك وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه وفقهك فيه من دينه وعرفك من سنة نبيه ‏محمد صلى الله عليه وآله ، فرضي لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض بما قضى . ‏فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك وأبدى فيه فضله عليك[1] فقال" لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ‏لشديد" [2] . ‏
فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها ‏ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير ، هيهات هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه ‏إذ قال : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه " [3] واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ‏وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت ، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع ‏الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على ‏أحد حقا ولم ترد باطلا حين أدناك . ‏
وأحببت من حاد الله[4] أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك ‏إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك ‏قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف ‏الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك . ‏
وما أيسر ما عمروا لك ، فكيف ما خربوا عليك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل ‏مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا . فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه : " فخلف ‏من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا[5] " إنك لست في دار مقام . أنت في ‏دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه .‏
‏ طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده . احذر فقد نبئت . بادر فقد أجلت . ‏إنك تعامل من لا يجهل . وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل . تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد .‏
‏ ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك[6] ، لكني أردت أن ينعش الله ما [ قد ] فات من رأيك ويرد إليك ما ‏عزب من دينك[7] وذكرت قول الله تعالى في كتابه : " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين[8] " . أغفلت ذكر من ‏مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب[9] . أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما ‏وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه[10] وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت[11] بما حل من حالك في صدور ‏العامة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا وليس ذلك عندك ‏ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ‏ومنهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن ‏مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم[12] إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا ‏منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان .‏
‏ أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم[13] ، لاصقة بطونهم بظهورهم ‏، ليس بينهم وبين الله حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا . فإذا كانت الدنيا ‏تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه ‏المأفون في رأيه[14] ، المدخول في عقله . ‏
إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول[15] ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك ونحتسب ‏عند الله مصيبتنا بك . فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس ‏جميلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه ‏قريبا ذليلا . مالك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول . ‏
والله ما قمت لله مقاما واحد أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا ، فهذا شكرك من استحملك[16] . ما أخوفني أن ‏تكون كمن قال الله تعالى في كتابه : " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا[17] " استحملك كتابه ‏واستودعك علمه فأضعتها ، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام . 
‏ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
‏ ‏* محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري على ما يظهر من كتب التراجم من المنحرفين عن أمير ‏المؤمنين وأبنائه عليهم السلام كان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير وجده عبيد الله مع المشركين يوم بدر وهو لم يزل ‏عاملا لبنى مروان ويتقلب في دنياهم ، .... ومن هنا أطراه علماؤهم ورفعوه فوق منزلته بحيث تعجب ابن حجر من ‏كثرة ما نشره من العلم . روى ابن أبي الحديد في شرح النهج على ما حكاه صاحب تنقيح المقال ( ره ) - عن جرير بن ‏عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال : شهدت الزهري و عروة بن الزبير في مسجد النبي صلى الله عليه وآله جالسين ‏يذكران عليا عليه السلام ونالا منه فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فجاء حتى وقف عليهما فقال : أما أنت يا ‏عروة فان أبى حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك وأما أنت يا زهرى فلو كنت بمكة لأريتك كرامتك. 
‏ أقول : وما في نسخة الشرح المذكور ج 25 ص 179 : " لأريتك كبر أبيك". وقد ذكر حسين غيب غلامي في كتابه ‏‏:محو السنة أو تدوينها - - ص 75 – 82 أن لابي حازم سلمة بن دينار رسالة إلى الزهري أخذ فيها بكثير مما ورد في ‏رسالة الإمام زين العابدين عليه السلام , أقول: وكان سلمة في كثير من مواعظه يأخذ من كلام أهل البيت عليهم السلام ‏وخصوصا من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ويظهر ذلك بمراجعتها , وسأورد ما ذكره عن هذه الرسالة مستقلا ‏وأسأل الله التوفيق لدراستهما والمقارنة بينهما :خازم 
‏ ‏[1] في بعض النسخ ( فرض لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفى كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى الا ابتلى ‏شكرك . . الخ )  
‏ ‏[2] سورة إبراهيم آية 7 . 
‏ ‏[3] سورة آل عمران آية 187. 
‏ ‏[4] في بعض النسخ [ وأجبت من حاد الله ] . 
‏ ‏[5] فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ‏أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ‏‏- الأعراف - الآية - 169 
‏ ‏[6] عنفه : لامه وعتب عليه ولم يرفق به . وينعش الله ما فات أي يجبر ويتدارك . 
‏ ‏[7] عزب - بالعين المهملة والزاي المعجمة - : بعد . 
‏ ‏[8] سورة الذاريات آية 55 . 
‏ ‏[9] الأعضب : المكسور القرن . ولعل المراد : بقيت كأحد قرني الأعضب . والعضباء : الشاة المكسورة القرن . 
‏ ‏[10] في بعض النسخ [ أم هل ترى ذكرت خيرا علموه وعملت شيئا جهلوه ] . وفى بعضها [ أم هل تراه ذكرا خيرا ‏عملوه وعملت شيئا جهلوه ] . 
‏ ‏[11] من الحظوة : رجل حظى إذ كان ذا منزلة . 
‏ ‏[12] تاقت : اشتاقت . 
‏ [13] الأسمال : جمع سمل - بالتحريك - : الثوب الخلق البالي . 
‏ ‏[14] المأفون : الذي ضعف رأيه . والمدخول في عقله : الذي دخل في عقله الفساد . 
‏ ‏[15] المعول : المعتمد والمستغاث . واستعتبه : استرضاه . والبث : الحال ، الشتات ، أشد الحزن . 
‏ ‏[16] استحملك : سألك أن يحمل . وفى بعض النسخ [ من استعملك ] . أي سألك أن يعمل . 
‏ ‏[17] سورة مريم آية 59 . 

ليست هناك تعليقات:

ألبوم الصور