السبت، نوفمبر 23، 2013

‎سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام‎:‎ قراءة السياسة في الأخلاق والدعاء



 سيرة الإمام زين العابدين عليه السلام: قراءة السياسة في الأخلاق والدعاء

 ‏

تدعونا مناسبة وفاة الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، زين العابدين وسيد الساجدين إلى التدبر في مسألة ‏تنوع الأدوار بين الأئمة التي أطلقها البعض فأعطاه فيها صورة البكَّاء الحزين المتفرغ للتذكير بمصيبة أبيه وعائلته، ‏وجعل لمن بعده من الأئمة وظيفة التعليم، فيكون عهد إمامته بذلك فاتحة تحول عن العمل السياسي في مسار الإمامة، ‏وكأنهم- الأئمة- اكتفوا بثورة الإمام الحسين عليه السلام ونتائجها. ‏

قراءة ونتائج ‏

‏ إن قراءة لسيرة الإمام زين العابدين (ع) تضعنا أمام نسب متفاوتة الكم لصالح ما ذكرناه وفيها بيان حزنه وهمه وبكائه ‏وما إليه من تذكير بمصيبة عاشوراء وبيان لكراماته ووصف محاسن عبادته وتسبيحه وكرمه وجوده. 
‏ إن دوره السياسي من خلال الروايات لم يكن له في تاريخه الذي ذكره صاحب البحار "ره" مثلاً في الجزء 46 أكثر من ‏ثلاثين صفحة فيها "ذكر أحوال أهل زمانه من الخلفاء وغيرهم وما جرى بينه عليه السلام وبينهم" استطرد فيها إلى ‏أحوال أصحابه وخدمه ومواليه ومداحيه، بينما تجاوزت مساحة الروايات بالمضامين السابقة " بيان حزنه وهمه ‏وبكائه وما إليه من تذكير بمصيبة عاشوراء وبيان لكراماته ووصف محاسن عبادته وتسبيحه وكرمه وجوده" أكثر من ‏مائة وسبعين صفحة. 
إن قراءة دقيقة لسيرة الإمام زين العابدين تحتاج منا إلى مراعاة أمور تتعلق بالروايات نفسها من جهة وبوظيفة الإمامة ‏من جهة أخرى. ‏
  " تأريخ الرواية يساعد على الفهم الدقيق لها والإستفادة منها" ‏

مع الرواية ‏

‏إن المثال الذي ذكرناه من البحار لجهة عدد الروايات وتوزيعها على الأبواب المختلفة يحتاج بداية إلى تفسير وإن ‏تفسير هذا التفاوت ممكن بفهم حال الرواة النفسية في تلك المرحلة القريبة جداً- زماناً- من مصيبة عاشوراء، واهتمام ‏الرواة بمتعلقاتها، ولكن هذا التفسير لا ينبغي له أن يحول انتباهنا عن وظيفة الإمامة والدور المناط بالإمام وولايته ‏العامة. وإن عدداً غير قليل من هذه الروايات لا يثبت أمام منهج النقد العلمي المتبع سنداً أو مضموناً وتقتصر دلالة قسم ‏آخر على أقل مما يدّعى لها. 
‏ ثم إن الروايات الصحيحة يجب أن توضع في سياق يقبل تعدد العناوين بمعنى أن عنونة بعضها في باب الأدعية مثلاً ‏لا تمنع من إعادة الإستفادة منها في باب السياسة وهكذا. 
‏ والأهم من ذلك تأريخ الروايات وعدم إبقائها معلقة في هواء مطلق، إن تأريخ الرواية يساعد على الفهم الدقيق لها ‏والإستفادة منها بصورة أقرب إلى الواقع من دراستها بعيداً عن الزمان والمكان.‏

مع الإمام ‏

‏ يقول الله عز وجل "وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" (السجدة 24) وفي الحديث عن ‏أمير المؤمنين (ع) : "لا يتحمل هذا الأمر إلا أهل الصبر والبصر والعلم بمواقع العلوم". هذه هي صفات الإمام وبذلك ‏تكون ساحة عمله ساحة المجتمع الإسلامي بأموره كلها فيضع كل شأن فيه بما يحتمله، وعمل الإمام في ذلك كله على ‏قوة واحدة ومنهج شامل لا ينقص دور واحد من الأئمة عن دور الآخرين في شيء ولا تخصص وظيفة أحدهم بالدم ‏ووظيفة الآخر بالرسالة بل هي وظيفة واحدة إنما يظهر لنا منها ما تعلق بواقع كل منهم وما حمل إلينا عنهم. 
‏ وإن منشأ أغلب الإشتباهات في هذه المسألة هو روحية التقديس لا للروايات نفسها فقط بل للعناوين التي وضعها الرواة ‏لهذه الأحاديث أحياناً بحيث وجدنا من لا يتحمل نقلها إلى عنوان آخر ويعتبره تعدياً عن حدود الدلالة. 

في رسالة الحقوق والدعاء لأهل الثغور 

‏ في تطبيق هذا المنهج على الروايات المتعلقة بالإمام زين العابدين- وهو قابل للتطبيق في الروايات الأخرى- يمكننا ‏الإستفادة من "رسالة الحقوق" و "الصحيفة السجادية" فبعد التسليم بصحة صدورهما عنه عليه السلام يمكن للقارئ أن ‏يحملهما أبعد من كونهما مجموعة نصوص أخلاقية وتربوية وتعليمية، أو أذكاراً وأوراداً فيصل بهما إلى استقراء ‏عمل الإمام السياسي وموقفه الشخصي والتوجيهي للمسلمين من مشايعيه ومتابعيه بحق السلطة القائمة آنذاك. 
‏ لقد عاصر الإمام زين العابدين من الحكام- حال إمامته- كلاً من يزيد ومعاوية ابنه، ومن أبناء الحكم، مروان وعبد ‏الملك والوليد وسليمان، والزمان الذي استغرقته هذه السلطنات تجاوز الثلاثين سنة أوضحت لنا روايات قليلة بعضاً من ‏هذه المعاصرة وخفي علينا شيء كثير يمكن لنا استيضاحه من خلال الروايات التي لا تتعرض للمعاصرة السياسية ‏مباشرة كما في البحث عن حق السلطان في "رسالة الحقوق" وعن وظيفة المسلمين اتجاه أهل الثغور في ظل حاكم غير ‏الإمام المعصوم كما في "دعائه لأهل الثغور من الصحيفة السجادية". 
‏ ‏"... فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك : حق سائسك بالسلطان، ثم سائسك بالملك، ثم سائسك بالعلم وكل سائس إمام...". 
‏ السائس هو المدبّر للمكلف، وقد جعل الإمام لهذا السائس حقاً على المتعلم وعلى العبد المملوك وعلى المواطن في ‏السلطنة، وقوله "كل سائس إمام" يجري قاعدة كلية ليبني عدم استعمال لفظ الإمام بالمعنى الإصطلاحي ويدل عليه مع ‏ذلك قوله عليه السلام في تقييد هذا الحق بـ "... ما يكفّه عنك ولا يضرّ بدينك وتستعين عليه في ذلك كله...". 
‏ هذا الحق في هذه الرسالة يكشف لنا عن حركة الإمام زين العابدين السياسية اتجاه الدولة التي قتلت أباه وأهله فبإضافة ‏هذا الحق إلى بقية الحقوق نجده يقدم مصلحة مجتمع المسلمين على أي أمر آخر غير إحياء الدين أو قل أنه يصالح ‏المجتمع مع نفسه لتكون عملية التغيير السياسية ذات أساس إجتماعي مبني على النصفة والعدالة اتجاه أفراده. 
‏ ولا يتوقف الإمام زين العابدين عند هذا الحد بل يتوجه إلى الله بالدعاء لأهل الثغور وهم عساكر السلطان المخالف ومن ‏المؤسف أننا لا نستطيع تحديد تاريخ هذا الدعاء لتمييز السلطان المعاصر من بين من ذكرنا. 
‏ على أن الدعاء نفسه في المقاطع التي يتوجه فيها إلى الله مستعيناً به على الأعداء بصنوف ما يضعهم يعم : 
‏ ‏"اللهم واعمم بذلك أعداءك في أقطار البلاد..." بما يجعله قابلاً لأن يكون في أي مرحلة من عمره الشريف. 
وقراءة الدعاء بتدبر تضع القارئ أمام اتجاهين : الدعاء لعساكر المسلمين والدعاء على أعدائهم بعيداً عن ذكر الدولة أو ‏السلطان الحاكم في بلاد المسلمين أو المعادي لهم. 
‏ ولا ينسى الإمام من دعائه: "أيما مسلم أهمّه أمر الإسلام وأحزنه تحزب أهل الشرك عليهم فنوى غزواً، أو همّ بجهاد ‏فقعد به ضعف، أو أبطأت به فاقة أو أخّره عنه حادث، أو عرض له دون إرادته مانع : فاكتب اسمه في العابدين، ‏وأوجب له ثواب المجاهدين، واجعله في نظام الشهداء والصالحين". ‏

في كتابه إلى الزهري ‏

هذا المنهج نفسه يمكن اسخدامه لإعادة قراءة كتاب الإمام زين العابدين إلى محمد بن مسلم الزهري التابعي الحافظ ‏المعروف بابن شهاب : كان ابن شهاب الزهري مخالطاً لبني أمية وتولى لهم بعض الأعمال فاستخدموه لأمورهم ومن ‏ذلك أثناء ما عرف بفتنة ابن الزبير، إذ منع عبد الملك بن مروان أهل الشام من الحج وذلك كما ذكره اليعقوبي في ‏تاريخه:الجزء الأول في كلامه عن ابن الزبير في أيام مروان بن الحكم " ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك ‏أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، ‏وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا! فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن ‏رسول الله قال: لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس وهو يقوم لكم ‏مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها، لما صعد إلى ‏السماء، تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن ‏يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية.
  أرسل الإمام زين العابدين كتاباً لا يمكن لقارئه أن يتوقف عند خصوصية للزهري فيه بل هو رسالة توضيحية لدور ‏العلماء المسلمين وما ينبغي أن يكونوا عليه حال تسلط الحكام غير الأكفاء على مقادير الأمور، وتفشي الجهل بين عامة ‏المسلمين من جهة أخرى. 
‏ ‏"لا تحسبنّ الله قابلاً منك بالتعذير ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه إذ قال ‏‏"لتبيننه للناس ولاتكتمونه" واعلم أن أدنى ما كتمت وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهّلت له طريق الغي ‏بدنوك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت... وأحببت من حادّ الله، أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً ‏أداروا بك رحى مظالمهم... يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ‏ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم". 
‏ وهكذا نجد أن السياسة في حركة الإمام زين العابدين لم تفارق الذكر والبيان ونجد أن التربية والتعليم لم يكونا بعيدين ‏عن البناء الإجتماعي، هكذا هي الإمامة وهكذا يجب أن نفهمها وأن نقوم بما تعلق بذممنا اتجاه من له الحق علينا.‏

كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري* يعظه

كما جاء في كتاب تحف العقول : ابن شعبة الحراني - ص 274 – 277, تصحيح وتعليق : علي أكبر ‏الغفاري,الطبعة الثانية 1404 - 1363 ش , مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 
كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك فقد أثقلتك نعم الله بما ‏أصح من بدنك وأطال من عمرك وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه وفقهك فيه من دينه وعرفك من سنة نبيه ‏محمد صلى الله عليه وآله ، فرضي لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض بما قضى . ‏فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك وأبدى فيه فضله عليك[1] فقال" لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ‏لشديد" [2] . ‏
فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها وعن حججه عليك كيف قضيتها ‏ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير ، هيهات هيهات ليس كذلك ، أخذ على العلماء في كتابه ‏إذ قال : " لتبيننه للناس ولا تكتمونه " [3] واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ‏وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت ، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع ‏الخونة ، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على ‏أحد حقا ولم ترد باطلا حين أدناك . ‏
وأحببت من حاد الله[4] أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك ‏إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك ‏قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف ‏الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك . ‏
وما أيسر ما عمروا لك ، فكيف ما خربوا عليك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل ‏مسؤول . وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا . فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه : " فخلف ‏من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا[5] " إنك لست في دار مقام . أنت في ‏دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء المرء بعد قرنائه .‏
‏ طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده . احذر فقد نبئت . بادر فقد أجلت . ‏إنك تعامل من لا يجهل . وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل . تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد .‏
‏ ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك[6] ، لكني أردت أن ينعش الله ما [ قد ] فات من رأيك ويرد إليك ما ‏عزب من دينك[7] وذكرت قول الله تعالى في كتابه : " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين[8] " . أغفلت ذكر من ‏مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب[9] . أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما ‏وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه[10] وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت[11] بما حل من حالك في صدور ‏العامة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا وليس ذلك عندك ‏ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ‏ومنهم أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن ‏مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم[12] إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا ‏منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره . فالله لنا ولك وهو المستعان .‏
‏ أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم[13] ، لاصقة بطونهم بظهورهم ‏، ليس بينهم وبين الله حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا . فإذا كانت الدنيا ‏تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنه ، الجاهل في علمه ‏المأفون في رأيه[14] ، المدخول في عقله . ‏
إنا لله وإنا إليه راجعون . على من المعول[15] ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا وما نرى فيك ونحتسب ‏عند الله مصيبتنا بك . فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس ‏جميلا ، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا ، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه ‏قريبا ذليلا . مالك لا تنتبه من نعستك وتستقيل من عثرتك فتقول . ‏
والله ما قمت لله مقاما واحد أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا ، فهذا شكرك من استحملك[16] . ما أخوفني أن ‏تكون كمن قال الله تعالى في كتابه : " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا[17] " استحملك كتابه ‏واستودعك علمه فأضعتها ، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام . 
‏ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
‏ ‏* محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري على ما يظهر من كتب التراجم من المنحرفين عن أمير ‏المؤمنين وأبنائه عليهم السلام كان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير وجده عبيد الله مع المشركين يوم بدر وهو لم يزل ‏عاملا لبنى مروان ويتقلب في دنياهم ، .... ومن هنا أطراه علماؤهم ورفعوه فوق منزلته بحيث تعجب ابن حجر من ‏كثرة ما نشره من العلم . روى ابن أبي الحديد في شرح النهج على ما حكاه صاحب تنقيح المقال ( ره ) - عن جرير بن ‏عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال : شهدت الزهري و عروة بن الزبير في مسجد النبي صلى الله عليه وآله جالسين ‏يذكران عليا عليه السلام ونالا منه فبلغ ذلك علي بن الحسين عليه السلام فجاء حتى وقف عليهما فقال : أما أنت يا ‏عروة فان أبى حاكم أباك إلى الله فحكم لأبي على أبيك وأما أنت يا زهرى فلو كنت بمكة لأريتك كرامتك. 
‏ أقول : وما في نسخة الشرح المذكور ج 25 ص 179 : " لأريتك كبر أبيك". وقد ذكر حسين غيب غلامي في كتابه ‏‏:محو السنة أو تدوينها - - ص 75 – 82 أن لابي حازم سلمة بن دينار رسالة إلى الزهري أخذ فيها بكثير مما ورد في ‏رسالة الإمام زين العابدين عليه السلام , أقول: وكان سلمة في كثير من مواعظه يأخذ من كلام أهل البيت عليهم السلام ‏وخصوصا من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام ويظهر ذلك بمراجعتها , وسأورد ما ذكره عن هذه الرسالة مستقلا ‏وأسأل الله التوفيق لدراستهما والمقارنة بينهما :خازم 
‏ ‏[1] في بعض النسخ ( فرض لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفى كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى الا ابتلى ‏شكرك . . الخ )  
‏ ‏[2] سورة إبراهيم آية 7 . 
‏ ‏[3] سورة آل عمران آية 187. 
‏ ‏[4] في بعض النسخ [ وأجبت من حاد الله ] . 
‏ ‏[5] فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ‏أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ‏‏- الأعراف - الآية - 169 
‏ ‏[6] عنفه : لامه وعتب عليه ولم يرفق به . وينعش الله ما فات أي يجبر ويتدارك . 
‏ ‏[7] عزب - بالعين المهملة والزاي المعجمة - : بعد . 
‏ ‏[8] سورة الذاريات آية 55 . 
‏ ‏[9] الأعضب : المكسور القرن . ولعل المراد : بقيت كأحد قرني الأعضب . والعضباء : الشاة المكسورة القرن . 
‏ ‏[10] في بعض النسخ [ أم هل ترى ذكرت خيرا علموه وعملت شيئا جهلوه ] . وفى بعضها [ أم هل تراه ذكرا خيرا ‏عملوه وعملت شيئا جهلوه ] . 
‏ ‏[11] من الحظوة : رجل حظى إذ كان ذا منزلة . 
‏ ‏[12] تاقت : اشتاقت . 
‏ [13] الأسمال : جمع سمل - بالتحريك - : الثوب الخلق البالي . 
‏ ‏[14] المأفون : الذي ضعف رأيه . والمدخول في عقله : الذي دخل في عقله الفساد . 
‏ ‏[15] المعول : المعتمد والمستغاث . واستعتبه : استرضاه . والبث : الحال ، الشتات ، أشد الحزن . 
‏ ‏[16] استحملك : سألك أن يحمل . وفى بعض النسخ [ من استعملك ] . أي سألك أن يعمل . 
‏ ‏[17] سورة مريم آية 59 . 

الخميس، نوفمبر 21، 2013

بمناسبة عيد الإستقلال .. من ذكرياتي في الجيش اللبناني




ليتهم يعيدون الخدمة العسكرية الوطنية الإلزامية ولو على الطريقة الألمانية التي لا تضيع معها الدراسة  .

أوائل آب صيف عام 1975 إلتحقت بالخدمة العسكرية في الجيش اللبناني بصفة طالب إحتياطي حيث كانت الخدمة العسكرية الإلزامية وقتها مفروضة على الطالب المقيم في لبنان الذي أنهى الدراسة الثانوية ولم يلتحق بإحدى الكليات الجامعية كالهندسة والطب التي كان طلابها يمكنهم تأجيل الخدمة حتى إنهائها وكذلك الطلاب المقيمين في الخارج .
قدمنا أوراقنا إلى مكتب مديرية التعبئة - جبل لبنان في ثكنة شكري غانم , الفياضية وسلمنا أنفسنا بعد يومين حيث جرى إلحاقي بكتيبة مقر عام الجيش - مديرية التعبئة واستلمنا بزَّة العمل العسكرية والتجهيزات وجمعناها في الكيس البحري المخصص أو في الشنط لمن توفرت له وكذلك بندقية الفال مع مماشطها من مخزن الكتيبة في اليرزة وبانتظار نقلنا إلى ثكنة حمانا للشروع بالدورة التدريبية قضينا حوالي عشرة أيام في ثكنة الفياضية كان تدريبنا فيها مقتصرا على الرياضة والنظام المرصوص وكانت أقسى حركة علينا أيامها "مشية الوزة" وهي المشي في وضعية القرفصاء رافعا بكلتا اليدين البندقية إلى الأعلى في ملعب المدرسة الحربية .
تولى تدريبنا في ثكنة حمانا الملازم المغوار إلياس إلياس من الشوف وكان ينوب عنه الملازم أول يوسف الطحان وكان يعاونهما الرقيب أول مطانوس الذي صدف أنه كان هو الذي يتولى تدريبنا في ثانوية برج البراجنة وكانت حصة التدريب العسكري مادة من البرنامج الدراسي في الثانويات وكانت من المواد التي يمتحن فيها الطلاب وتدرج العلامة في جدول العلامات وقد تقدمت لهذا الإمتحان في مدرسة القتال في حارة حريك الملاصقة للمعهد العالي للرياضة العسكرية الذي كان مدخله من جهة طريق المطار بينما كان مدخلها من الشارع الداخلي .
كان الملازم الياس قاسيا في تدريبه وأبلغنا حينها أن بعض التدريبات خاصة بالمغاوير ولكنه يرغب لدورتنا أن تكون مميزة ومنه تعلمت قاعدة هامة في الحياة , قال لنا : "حاولوا أن تحفظوا كل ما سيواجهكم من صعوبات لأنها ستصير ذكريات بعد نهاية التدريب وهذا سيساعدكم في تخطي الصعوبات نفسها وسيبقى في ذاكرتكم طيلة حياتكم " .   
ولن أنسى قبل أن ينهكنا في أول مسير نهاري مميز أمره لنا "ضعوا كل ملابسكم وأغراضكم في الشنط والأكياس التي ستحملونها على ظهوركم" حيث اكتشفنا لاحقا أنه سيزيدها ثقلا بإنزالنا في بركة مياه آسنة لتغمرنا فوق رؤوسنا إلى أن يطمئن من تخللها إلى كل ما على ظهورنا ثم إلى ضهر البيدر صعودا في الجبل .
الجولة الهوائية أيضا لم تكن من تدريبات طلاب الإحتياط فقط الجولة الأرضية كانت مفروضة وكان بعضنا لا يطيقها فضلا عن أن بعض حركاتها كتسلق الحبل كان مستحيلا مثلا لطالب من آل عيد ضخم الجثة بحيث أنه بقي إلى نهاية الشهر الأول من الدورة حتى تسلم حذاءه العسكري "التوصاية" لأن قياس رجله 54 . وكان معنا طالب من بيروت يصاب بالصرع ويتخشب بدنه من الإرهاق .
لا أنسى "اللوتنان الياس" ولا نصيحته وسأطالبه بعددين من مجلة عالم الفكر الكويتية "التاريخ" و"الإنسان والجريمة" صادرهما مني في جولة تفتيش مسائية على أغراضنا.
ولا أنسى صراخ الرقيب أول صباحا "يلا عالدابو" وهي من بقايا اصطلاحات الجيش الفرنسي مخلوطة باللبناني وتعني هيا إلى الإصطفاف , وكذلك كلمة "مْمَنِّك" وتعني المتخلف عن الرجوع من المأذونية في الوقت المحدد أو الهارب بدون مأذونية .
أجمل أيام الدورة كانت يوم الخميس للذين يقع عليهم قرعة الخدمة في المطبخ من أفراد الدورة , رغم التعب من تنزيل وترتيب المؤن المعلبة والخضار والفاكهة إلا أنها كانت أهون من الرياضة ويتخللها "ترويقة غير شكل" من فرن المطبخ قطع اللحم المشوية مع البصل والبندورة والخبز الطازج ...
عندما اشتدت أعمال الخطف والقتل منعت المأذونيات خارج نطاق حمانا والشبانية فكنا نهرب أحيانا إلى بحمدون بعد الظهر ونرجع قبل إجتماع التعداد المسائي نحضر السينما أو نجلس لشرب الشاي والقهوة في إحدى المقاهي القديمة التي يرتادها العجائز خوفا من دوريات الشرطة العسكرية ...
 في بداية الدورة جاء مصور خاص مكلفا من قيادة الجيش ليصورنا للبطاقة العسكرية ولكننا استدرجناه لتصويرنا في أوضاع متعددة وكانت منها الصور المرفقة التي حصلنا عليها منه في الأستوديو الخاص به فوق سينما المتروبول في بيروت.
عندما كنا في الفياضية زارني أهلي أكثر من مرة وكانوا يأتون إلي بالأكل المطبوخ بالزيت أو المقلي بحيث يمكن حفظه يومين أو ثلاثة ولكن حمَّانا كانت بعيدة فكنت أنزل إليهم في مأذونية.
بعد انتهاء الدورة التحق كل منا بمركزه وكنت مع عدد من زملاء الدورة وفيهم صديق من الثانوية وصديق من جباع صرنا جارين لاحقا ممن ألحقوا بمديرية التعبئة وكان مديرها بالوكالة العقيد أنطوان خليفة الذي انفرجت أساريره عندما عرف أني من برج البراجنة وسألني عن المُقدَّم (وقتها) محمود منصور وحكى لي عن تميزه برماية المدفعية وعن تأخر ترقيته بسبب عناده مع بعض رؤسائه .
النقيب جورج معيكي استدعاني وأبلغني أن قريبي النقيب(وقتها) سمير عثمان قد أوصاه بي .
 كان مركزالمديرية  آخر عين الرمانة من جهة فرن الشباك في بناية ملاصقة لمبنى مديرية الشؤون الجغرافية ويشاركنا فيها الدفاع المدني .
اختارني المعاون أول حنا حنا لأكون معه في مكتب المدير حيث كان يشغل أمانة السر ومنه تعلمت الكثير ولا أنسى عندما وصل طرد مربوط بخيط سميك وكان عدد من الرتباء والعسكريين موجودا وكنت جديدا في المكتب نظر إلي وقال : " يا علي عطيني سكينتك " فسحبتها من جيبي وناولته إياها بعفوية . سأله أحدهم كيف عرفت أن معه سكينا ؟ فأجابه " كل متوالي بيحمل سكينة " .... لاحقا سمعت ما ينسب  للإمام علي عليه السلام "تسلحوا ولو بشبر من حديد".
هل عرفتم أصل كلمة "شبرية" ؟
أصعب أيام الخدمة في المديرية كانت بعدما قام أحد العسكريين بقتل عدد من طلاب الإحتياط الأرمن في ثكنة فخر الدين في منطقة الأونيسكو ببيروت ثأرا وكانت الحرب الأهلية اشتعلت فصرنا نسمع تلميحات وتهديدات ولم يكفنا جواب العقيد خليفة "بقوصو بالساحة اللي بيتعرض لكم" عندما اشتكينا إليه وكنا ستة مسلمين فقط وقلنا له إننا قلقون لدرجة أننا نظمنا نوبات حراسة خاصة إضافة لما كنا ننفذه من حراسة على المديرية بعدما حاول أحد الأحزاب اليمينية التعرض للمبنى .
بعد ظهر نهار العاشر  من آذار 1976 تركنا أغراضنا في غرفتنا وبنادقنا في مخزن الأسلحة وغادرنا المبنى بهدوء أنا واثنان فيما أصر الآخرون على البقاء . أعلن قائد منطقة بيروت العميد عزيز الأحدب الإنقلاب العسكري مساء الحادي عشر , وعانى العقيد خليفة في مواجهة الهجوم العسكري المليشيوي على المبنى لكنه كان وفيا لكلمته فبذل جهده لإيصال الرتيب والعسكريين المسلمين أحياء إلى وزارة الدفاع ثم إلى بيوتهم .
سبعة أشهر وعشرة أيام انقضت من سنة الخدمة ...
جرى تسريحنا مع عفو عن الجرائم (الهرب من الخدمة ,تضييع السلاح .. ) بقرار عام لاحقا ولم نتسلم بطاقات الإحتياط التي كان ينبغي أن توضع عليها الصورة الملتقطة في ثكنة حمانا...ونداء الإلتحاق عند طلب الإحتياط لحاجة الجيش إلى عديد...


الشيخ علي خازم , ‏الخميس‏، 21‏ تشرين الثاني‏، 2013 










فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ - الروم - الآية - 60


الاثنين، نوفمبر 18، 2013

سافرة ومُحجَّبة أم ؟

سافرة ومُحجَّبة أم ؟
يخطئ الناس في استعمال كلمة السافرة ضدا للمحجبة والأصل أن السافرة لفظ أقرب لاستعمال العوام بدلا من المسفرة (كاشفة الوجه) ضد المنتقبة (التي تستره) وهذا الخطأ مستمر منذ الخطأ الذي بدأ في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث افتتحت معركة "تحرير المرأة" فكريا وسياسيا , المعركة التي لم تكن ضد غطاء الرأس وستر البدن بل كانت ضد النقاب وهو ما يستر وجه المرأة , وضد الحجاب بمعناه الأصلي (المانع والحائل) والذي استعمل تجاوزا من بعض المتزمتين ليرمي المرأة بعيدا عن ارتياد المدارس تحت حجة الحجاب فأوقعها في حجاب الجهل وعن العمل إلا في ما يشبه عمل السخرة.
وبدلا من أن تكون المعركة تحت عنوان تعليم المرأة وإعطائها حقوقها الشرعية والإنسانية فتحت المعركة في المكان الخطأ وجرى التصويب على العنوان الخطأ وهو النقاب والحجاب ما جعل الطرف العاقل في المتدينين في خانة التحفظ حذرا من الإفراط والتفريط.
وقد وقع المعارضون في خطأ المهاجمين فاستعمل المعارضون لخلع النقاب كلمة سافرة على وزن ساقطة ليصير تقويما وقد جانبت الحكمة الطرفين في ذلك ولو اعتدلوا لعدلوا وعَدَّلوا .
ثم انتقل مفهوم الحجاب من الإنتقاب والقعود في المنزل والإحتجاب بحيطانه ليدل فقط على الستر للشعر والبدن ثم انتقل ليدل على ستر شعر الرأس وحده بينما الأصح أنه "الإختمار" من لبس الخمار.
اليوم يقال محجبة وبعض الحجاب إختمار ومن دونه فضيحة وليس سفورا فقط , ويقال سافرة وبعض السفور عري أبعد من الوجه إلى ....
الأصل (إلقاءً وتَلَقِّيا) في كلمة "السافرة" كما في "المنقبة" و"المحجبة" كذلك أن تكون وصفا وليست تقييما (والأصح تقويما) والأصح في غير المستترة الكاشفة ولا داعي للتشنج من وفي الوصف لأن المدار في التقويم يبقى على الأعمال والنيات كلاهما معا ..
أما المتصدون للتقويم فتذكرة لهم قوله تعالى : ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ - النحل - الآية - 125
كتبتها على عجل بعدما قرأت ما حصل لأحد الأخوة العلماء من بعض المغرضين مع الأسف .
الشيخ علي خازم , الإثنين، 18 تشرين الثاني، 2013

الجمعة، نوفمبر 15، 2013

السؤال وآدابه وسؤال قديم وجوابه



السؤال وآدابه وسؤال قديم وجوابه

يُنسب إلى الإمام زين العابدين عليه السلام تارة وإلى الحسن البصري أخرى ما خلاصته "السؤال ذل ولو أين الطريق ؟ " , لكن من أسباب المعرفة السؤال وقد وردت فيه آداب والمقصود بالسؤال طبعا الإستعلام والإستفهام وليس المعنى الآخر (الإستجداء) الذي هو ذل على كل حال أعطاك الناس ما تستجديه منهم أو منعوك .
كنت أعجب من الذكر الذي كان يأتي به المرحوم آية الله الشيخ حسين معتوق[1]  في السجدة الأخيرة من الصلاة بعد التسبيح والصلاة على النبي وآله في صلاة الجماعة وهو : " اللَّهمّ إنّي أسألك الرّاحة عند الموت والمغفرة قبل الموت والعفو عند الحساب ورضاك والجنة والعلم والعمل به والتوفيق لما تحب وترضى " وكنت أتهيب سؤاله عن تأخير طلب العلم والعمل به والتوفيق لما يحب وهي من شؤون الدنيا عن الراحة عند الموت وما بعدها وهي من شؤون الآخرة .

 في مثل سني الصغير آنذاك كنت أُسْكِنُ هاجس السؤال بأن أفترض أنه دعاء وارد عن المعصوم ولا داعي للسؤال حتى لا يخجلني الجواب .
قبل أيام ردَّدتُ الذكر ومعلوم - أو أفترض ذلك - أن العادة مؤثرة في الشكل العبادي فنؤديه كما اعتدنا إن لم نقصد تغييرا معينا وعاد السؤال إلى الخاطر لماذا ... ؟
في مثل سني المتقدم اليوم يفترض الهاجس قلقا لا يُسْكِنُه إلا البحث فإن عجزت صار السؤال المبدوء بعبارة " فتشت عن معنى كذا في الكتاب الفلاني والفلاني فلم أجد " كما أدَّبني أساتذتي أنه لا ينبغي لطالب العلم أن يكون في سؤاله كالعامي يسأل عن كل ما يخطر بباله دون مطالعة .
بَحثتُ وفَتشتُ عن الذكر فلم أجده مجتمعا في رواية واحدة وتبين لي أنه مُركَّبٌ من مجموعة أذكار ولا يسلم من التقطيع والجمع ومع ذلك فإن السؤال القديم لم يرتفع : لماذا تقديم شؤون الآخرة على شؤون الدنيا ؟
لو كنا مخلصين في طلب الرحمة والمغفرة والعفو عند الموت وقبل الله سؤالنا إياها لصارت إطارا يحكم العلم والعمل به فتكون بذلك من أسباب شمول شؤون الدنيا ببركة شؤون الآخرة ويكون تقديمها بيانا لغايتنا منها.
جواب معقول ؟


الشيخ علي خازم , ‏الجمعة‏، 15‏ تشرين الثاني‏، 2013


[1] ‏(توفي في 14صفر1401هـ الموافق 22 كانون الأوّل 1980)‏

ألبوم الصور