الأحد، مارس 01، 2009

أسئلة الوحدة والمقاومة في حوار مع سماحة الشيخ علي خازم

أسئلة الوحدة والمقاومة في حوار مع سماحة الشيخ علي خازم
30 صفر 1430 - 25 شباط 2009وكالة رسا للأنباء : حوار عبدالرحيم التهامي
ـ للتعريف بالأداء الوحدوي والوطني لـ"تجمع العلماء المسلمين" بلبنان، ولتقييم مجمل المنجز الوحدوي على صعيد الأمة في علاقة بالمعطيات الإيجابية التي كشفت عنها حرب غزة، ولإلقاء بعض الضوء على الموجة السلفية في لبنان؛ كان لنا هذا الحوار مع سماحة الشيخ علي خازم أمين سر مجلس أمناء التجمع.
* انطلق "تجمع العلماء المسلمين" في لبنان في سياق التصدي للعدوان الصهيوني عام 1982, فكما اقتضى العدوان مقاومة مسلحة فقد اقتضى أيضا إطارا وحدويا لجمع كلمة المسلمين. في تقديركم ما هو المنجز الهام لمشروع "تجمع العلماء المسلمين" ؟
- أهم إنجاز قدمه تجمع العلماء المسلمين مند تأسيسه بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 هو تركيز المقاومة على أساس الإسلام ، وإعادة اعتبار القضية الفلسطينية كقضية مركزية أساسية للمسلمين في لبنان والعالم , وهذا العنوان اقتضى خلال السنوات المتمادية؛ مواجهات مختلفة مع من كان يعمل على بذر الفتنة داخل الصفوف اللبنانية والفلسطينية -على الساحة اللبنانية- أو في المنطقة ككل.
و من جملة الآثار الايجابية الطيبة أن التجمع شكل في عدة مراحل نقطة التقاء للحركات والأحزاب الإسلامية الموجودة على الساحة اللبنانية بما فيها بعض الفصائل الفلسطينية، وقد عقد عددا من اللقاءات والمؤتمرات لتنسيق العمل على هذا المستوى.
كذلك يمكن اعتبار الملف اللبناني الخاص الداخلي محورا من محاور العمل الهام الذي قام به "تجمع العلماء المسلمين" لمتابعة قضايا المسلمين في الساحة اللبنانية، من خلال التعاطي مع عدد من العناوين والقضايا المحلية - إذا صح التعبير- كقضية الزواج المدني الاختياري، أو قضية إلغاء مادة التعليم الديني من المدارس الرسمية وما إليها مما يتعلق بالمحاكم الشرعية والتعديلات التي تطرح عليها.
التجمع هو أيضا إطار يضم من بين أعضائه عددا من قيادات الحركات الإسلامية؛ ولا نقصد بذلك أن التجمع هو ملتقى لهذه الحركات؛ لكن بطبيعة العضوية لعلماء وشخصيات من الحركات الموجودة على الساحة اللبنانية يشكل التجمع منبرا غير مباشر للقاء أسبوعي لهذه القوى لمراجعة القضايا العامة والقضايا اللبنانية الخاصة.
* إلى أي حد حقق التجمع أهدافه، وهل يمكن أن نزعم انه ساهم في نشر ثقافة الوحدة على الصعيد اللبناني القائم على التعدد الطائفي والمذهبي ؟
- يمكن تناول الموضوع من زاويتين، فالتجمع عندما طرح فكرة الوحدة الإسلامية طرحها على المستوى الخاص بين المسلمين، وأعطاها أيضا بعدها الوطني، لذلك تجد أن التجمع بادر إلى ما يسمى باللقاء الروحي التشاوري لممثلي الطوائف الدينية، فنحن نعمل على المستويين؛ على المستوى الإسلامي الداخلي للطوائف الإسلامية الموجودة، وكذلك لدينا لقاءً منتظما آخر والذي تشارك فيه المرجعيات الروحية الإسلامية والمسيحية، نتداعى في مناسبات تقتضي أن يخرج المتدينون في لبنان بموقف اتجاه قضية معينة على المستوى الفلسطيني، أو على المستوى الديني بشكل عام؛ عندما يساء إلى الأديان، أو في المرات التي يُعتدى فيها على شعب من الشعوب سواء كما حصل في الكويت أو العراق أوفي فلسطين وفي غزة مؤخرا. فعلى المستوى الإسلامي الداخلي - كما ذكرت سابقا- لقاءاتنا مستمرة وعملنا مستمر، واستطعنا بجهود التجمع تجاوز العديد من الفتن التي حصلت على الساحة اللبنانية، والكثير يعرف دور التجمع مثلا في حرب المخيمات؛ حيث كان عناصر من التجمع قد دخلوا إلى مخيم الراشدية وصمدوا مع أهل المخيم في عملية الاستنكار لأي حرب داخلية , كذلك كان التجمع حاضرا في العديد من المرات التي حصلت فيها فتنة على الأرض.. وصولا إلى المرحلة الراهنة التي حاول البعض فيها إثارة الفتنة؛ ولكن تم التصدي لها والحمد لله. يمكن قياس صدقية التجمع من خلال ازدياد الرغبة في الانتساب إلى عضويته من كل الأطراف، خاصة من الإخوة علماء السنة، فإن العدد ازداد في الآونة الأخيرة والتي تشتد فيها الضغوط لإحداث الفتنة, يمكن القول أننا نستطيع التواصل مع إخواننا من العلماء من كل المذاهب، وحتى الإخوة الدروز يرغبون بشدة في أن يكونوا معنا على مستوى العضوية؛ علما أنهم يشاركون معنا في الكثير من الأنشطة، إلا أن رغبتهم تتخطى ذلك إلى العضوية والارتباط التفصيلي مع التجمع.
هذه بشكل عام دلالات على الآثار الايجابية للتجمع. الجميع - حتى الذين خاصمونا فترة من الزمن - في لبنان يعتبرون "تجمع العلماء المسلمين" موقعا يحصّن الوحدة الإسلامية وبالتالي فهو يحصّن الوحدة الوطنية.
* إذا استحضرنا التجربة الوحدوية ليس في لبنان فقط؛ بل وحتى من خلال "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية" فإننا نجد من يلاحظ على الحركة الوحدوية والتقريبية عموما أنها لازالت حركة محتشمة، خجولة..و مترددة بفعل ضغوطات الواقع المذهبي والطائفي السائد في الأمة..هل تتفقون مع هذا التقييم ؟
- إن المعيار الذي يقيس عليه البعض مدى تقدم أطروحة الوحدة الإسلامية يجب أن يكون موحدا في البداية حتى لا نختلف، إن هناك من يرى أنه لا يوجد أي تقدم، وهناك من يقول أن هناك تقدما قويا وبارزا وواضحا.
وإذا كان المراد أن ترتفع الخلافات بين المسلمين سواء على المستوى المذهبي أو حتى على المستوى السياسي؛ فإن هذا أمر لا يمكن إدراكه على إطلاقه، لكننا ننظر إلى المسألة بعين المراقب لما كان قائما خصوصا قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، و لِما يُعدّ ويدفع به في ساحات العالم الإسلامي من جهود الأعداء لترسيخ التجزئة والتفرقة والفتنة بين المسلمين, إذا نظرنا على هذا المستوى فإننا نجد بعكس النظرة الأولى أن هناك ثمارا مهمة جدا وواضحة أيضا رغم ظهور بعض نماذج الخلاف التي تصر على إحياء الفتن، وعلى إحياء العناوين التي تُبعد المسلمين بعضهم عن بعض، وأبرز مثال على ذلك - دعنا نتحدث عن قضيتين حصلتا مؤخرا - ما أثير حول تصريحات فضيلة الشيخ القرضاوي ،وتصريحات المفتي الشيخ علي جمعة، فرغم بعض الحدة التي حصلت في بعض الردود على تصريح الشيخ القرضاوي؛ إلا أن الأمور انتهت باستعادة الجو الوحدوي الدافئ. وكذلك في قضية تصريحات الشيخ علي جمعة حول جواز التعبد وفق المذهب الجعفري، فإنه أحيا قضية كانت مطروحة قبل عقود والذين يواجهونه اليوم إنما يدينون أنفسهم من حيث لا يشعرون, هذه القضية الأخيرة بالاخص هي من ثمار العمل الذي أنجز ضمن الأطروحة الإستراتيجية التي طرحها الإمام الخميني (قده) والتي تبنتها الجمهورية الاسلامية بقيادة السيد الخامنئي (دام ظله) .
العالم يتقدم والنظرة إلى أهمية الوحدة الإسلامية تأخذ أبعادها وتتغلغل في نفوس الناس، والجهد الضخم الذي يبذل للتفتيت والتجزئة يدل على مدى رسوخ واستقرار والاستمرار في انتشار فكرة الوحدة الإسلامية بين المسلمين .
* هذه النقطة بالتحديد كاشفة عن إمكانات وحدوية هائلة في أوساط الأمة، وتؤكد أن الأصل في الأمة أنها أمة, في حرب تموز 2006 وقفنا على هذا الالتفاف الجماهيري حول المقاومة وبدا في حينها أن كل مفاعيل الفرقة والاستثمار في الفتنة قد تبخرت، نفس المشهد يتكرر في سياق العدوان على غزة، فالأمة على اختلاف مذاهبها تختار الوقوف إلى صف المقاومة..ما هي في نظركم آليات توظيف هذا المعطى والبناء عليه؟
- أوافق على ما تفضلتم به، هذه الأمة واحدة، وهذا التوحيد سواء على مستوى التشريع الإلهي أو على مستوى اعتبارها فعليا أنها امة واحدة؛ يتجلى دائما في المواقف الأساسية والتي تمس جوهر و كيان الأمة، إن السيادة التي نتحدث عنها أحيانا في ما يخص بعض الدول يمكن تلمسها بعنوان كرامة الأمة عندما تتعرض بعض عناصر هذه الأمة للاعتداء, وبذلك يمكن تفسير التوافق الطبيعي الذي يحصل بين أفراد هذه الأمة في مختلف المناطق رغم البعد الجغرافي الكبير، وحتى رغم الإقامة في بعض الدول التي قد تكون مؤيدة للعدوان على شعب من الشعوب الإسلامية.
إن هذا التلاحم الذي أبدته الأمة سواء في حرب تموز أو في حرب غزة، كنا نجده سابقا في كل مراحل الثورات أو في مراحل المواجهات مع الغزاة في عالمنا الإسلامي، وهذا من بقية الخير الموجود في هذه الأمة في استشعارها لوحدتها، أما هل حصل استثمار كامل لهذا الانجاز؟ فالاستثمار يُسأل عنه القوى الفاعلة؛ سواء الدول أو الحركات ..هاهنا لابد من النظر إلى أن حرب غزة لها ما بعدها، وبعد غزة يجب أن يكون موضعا للنقاش وللتحاور خصوصا بين الحركات و الأحزاب الإسلامية الموجودة في أنحاء العالم الإسلامي للاستفادة من هذه الفرصة من جهة، وللتوقع بما سيكون عليه الموقف الإسرائيلي والغربي بعد هذا الصمود والانتصار الذي حققه الشعب الفلسطيني. وإن التجربة التركية على المستويينالرسمي والشعبي مثلا تحتاج إلى قراءة معمقة .
الاستثمار إذا على المستويين ممكن، للدول أن تدرس وتعيد بعض حساباتها خاصة بعض الدول التي مازالت ترى إمكانية الحل السلمي لمشكلة فلسطين،فيجب أن يعاد النظر في هذا التوجه، كذلك يجب على بعض القوى والأحزاب الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي أن تعيد فلسطين لتكون جزء أساسيا من برامجها السياسية في نشاطها وفي نضالها داخل تلك الدول، وأن تعيد القضية الفلسطينية كنقطة مركزية في قراءاتها السياسية وفي علاقات دولها مع العالم.
* بالعودة إلى الوضع اللبناني هناك ظاهرة ملفتة ومقلقة في الآن نفسه، فهناك من يعمل دائما على تحويل الصراع السياسي إلى صراع مذهبي..حصل ذلك قبل مؤتمر الدوحة ونلحظ الآن انبعاثا قويا للمناخ المذهبي في سياق الاستعداد للانتخابات النيابية التي سيعرفها لبنان قريبا.. في تقديركم كيف يمكن فك هذا الارتباط والتداخل بين السياسي والمذهبي في توظيفاته السلبية؟
- بصراحة قد يكون من الصعب في لبنان -خصوصاً -التفكيك ما بين السياسي والمذهبي، طبيعة التربية السياسية اللبنانية والناشئة من طبيعة النظام اللبناني تقتضي الترابط بين أتباع الطوائف والقيادات الأساسية الموجودة في طوائفها بعيدا عن أي برنامج سياسي خلافا لأي دولة من الدول الأخرى.
هذه واحدة من المشكلات التي نعاني منها في لبنان، فحتى الأحزاب العلمانية توصف بأحزاب طوائف، مثلا عندما نذكر الحزب القومي السوري يتبادر إلى الذهن عند اللبنانيين أنه حزب الروم الأرتدوكس، رغم أنهم علمانيون, لكن طبيعة الواقع اللبناني والكتل البشرية الموجودة عندما تنحاز إلى جهة سياسية فإنها تكيّف نظرة الناظر إليها، أي النظرة إليها لا من جهة العقائد السياسية التي تحملها، ولكن من خلال المذهب الغالب على أعضائها ككتلة بشرية .
و في بعض الأحزاب لا تجد من قيادات أو حتى الأعضاء المنتسبين إلا من الطائفة نفسها. هذا التداخل الموجود يصعـّب الأمور أحيانا، ويحتاج إلى جهد كبير لمواجهته وتفكيكه وإعادة الأمور إلى نصابها غير المذهبي؛ كونها لا تتعدى أن تكون خلافات سياسية صرفة وليست خلافات مبنية على أساس مذهبي, فالجهود تبدل في سياق هذا الاستغلال السياسي للمذهبية والطائفية، ولا تتوقف وخصوصا في مراحل معينة مثل قضية الانتخابات سواء كانت بلدية وحتى النقابية،وإذا كنت تجد من يُمذهب الخلاف السياسي فهناك أيضا من يحاول أن يعقلن الأمور ويعيدها إلى نصابها .
الموضوع قائم وجدلي، والغلبة مرة تكون لأنصار التسييس المذهبي، ومرة أخرى يعاد تحكيم العقل والنظر على أساس موضوعي.
* في آذار القادم إن شاء الله سينعقد في طهران المؤتمر 22 للوحدة الإسلامية تحت شعار "الأمة الإسلامية والخطط الإستراتيجية لمواجهة تحديات وحدتها". ما هو تقييمكم للتجربة الوحدوية التي سهر عليها مجمع التقريب؛ هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى ما هي توقعاتكم وانتظاراتكم من هذا المؤتمر في علاقة بالسياق التاريخي والتحديات التي تواجه الأمة ؟
- مجمع التقريب إلى الآن يقوم بالدور الذي نشأ على أساسه وهو استكمال رسالة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن خلال متابعتي فإنني أجد انه يتيح الكثير من الفرص؛ سواء في مؤتمره الخاص أو في أنشطته المتعددة التي يقوم بها في التقارب بين المسلمين، ويخلق فرصة التعرف على الأسس التي يمتلكها كل مذهب في خصوصية موقفه العقائدي أو الفقهي، الأمر الذي يساعد في تبني مواقف معينة، ويساعد أيضا في إيجاد مواقف إسلامية واحدة في العديد من القضايا التي ينبغي للمسلمين أن يعالجوها في عالمنا المعاصر .
على هذا الأساس دور مجمع التقريب يتعاظم ويزداد أهمية يوما بعد يوم، وهو إلى جانب بعض المؤسسات الأخرى يقوم بمحاولة هادفة وجادة لإيجاد أساس تنطلق على ضوءه المواقع الفعالة في عالمنا الإسلامي، وللإنصاف فإنه لا يمكن أن يطـَالب مجمع التقريب بالمقابل أن يحل كل المشاكل التي تقتضي -أحيانا- إعمال سياسات دول وآليات دول.
عنوان المؤتمر القادم من العناوين المهمة جدا ،المشاركون - في توقعي- سيكونون على مستوى من التخصص والخبرة بحيث يمكن إيجاد مادة أساسية للعمل، ومن المهم أن يستفاد من هذه التجربة من قِـبل المواقع العاملة والمباشرة للعمل الوحدوي.. سواء دول أو أحزاب أوقوى إسلامية وسياسية .
* المقاومة في لبنان صنعت لحزب الله موقعا رائدا على صعيد لبنان وعلى صعيد الأمة.. في تقديركم ماذا حقق نهج الاعتدال الفكري و المذهبي في إعلام حزب الله وفي خطه السياسي من رصيد إضافي للحزب والمقاومة؟
- من بعد التحرير في عام 2000 يمكن الكلام عن مرحلة جديدة في نظرة اللبنانيينالىحزب الله، فأثناء فترة المقاومة وفترة الاحتلال الكامل للأراضي اللبنانية كان يمكن للبعض أن تكون لديه صورة غائمة عن "حزب الله" والمقاومة, لكن ما حصل بعد التحرير، واستلام السلطة في لبنان زمام الأمور الأمنية والاجتماعية على الساحة، وانسحاب المقاتلين والمجاهدين إلى مواقعهم من دون أن يكون لديهم أي خطأ؛ خصوصا في المناطق التي كانت محتلة، هذا الجو أعطى صورة ايجابية جدا عن موقع "حزب الله" كمدير-إن صح التعبير- لعمليات المقاومة، لأن الحزب بعد ذلك تحول للعمل على الساحة السياسية, ثم إن التجربة أكدت أن حزب الله إلى اليوم حزب لبناني، وان كان ينطلق من خلفية إسلامية إلا انه يستطيع أن يسوغ مواطنيّة لبنانية تحترم كل المواطنين الآخرين باعتقاداتهم المختلفة، ويمكنه أيضا أن يسوغ موقفا نضاليا اتجاه أي قضية مطلبية أو اجتماعية أو سياسية لا تختلف مع الإسلام وأيضا لا تختلف مع عقائد الآخرين؛ إنما تعيدها إلى حجمها الإنساني الذي يشترك فيه كل المواطنين اللبنانيين, ولذلك يمكن أن تجد اليوم في الساحة اللبنانية عدا عن التفاهم القائم فعليا مع "التيار الوطني الحر" مثلا أو مع "تيار المردة" من الطائفة المارونية؛ يمكن أن تجد أنصارا لمواقف حزب الله من كل الطوائف، وبتعبير أحد قيادات حزب الله فالأفكار صارت عابرة للطوائف وللمناطق لأن "حزب الله" والمقاومة أنسنت كل القضايا، وتستطيع أن تتقدم بها لتكون رائدة في العمل الاجتماعي والسياسي على الساحة اللبنانية.
هذه التجربة نتمنى على القوى الإسلامية في العالم أن تستفيد منها، وأن تؤكد بذلك فرصة عولمة الإسلام -إذا صح التعبير- ليأخذ بأيدي الشعوب لمواجهة القضايا التي يعيشها عالمنا المعاصر.
* تنظيم "فتح الإسلام" وأحداث "مخيم نهر البارد" وما لحقها، كشفت عن قرار إقليمي لتفعيل الواقع السلفي في لبنان من باب إعادة صياغة التوازن الداخلي بعد انتصار تموز. هل هناك إمكانية فعلية لصعود المشروع السلفي في لبنان؟
- حقيقة الكلام عن المشروع السلفي؛ وحتى لا نقع في المبالغة، تقتضي الإشارة إلى أن ما يوجد على الساحة اللبنانية هو حالات سلفية ليست مشروعا واحدا، والغالب على العديد من هذه المجموعات هو التفاهم والتعاون مع "حزب الله" أو مع القوى الإسلامية الأخرى؛ كـ"الجماعة الإسلامية" و"حركة التوحيد" و"حزب التحرير" و"جبهة العمل الإسلامي" أو مع شخصيات علمائية .
بعض هده الجهات السلفية كان قد تقدم لإعلان وثيقة تفاهم مع "حزب الله"، وإن كانت بعض الظروف اقتضت تعليق هذه الوثيقة لكن هذا التعليق لا يدل إلا على قابلية الاستمرار، إذا فعلى الساحة توجد مجموعات مختلفة وليس هناك مشروعا واحدا،المجموعات السلفية التي يمكن أن تشكل خطرا على الساحة ككل، وليس خطرا فقط على قضية التعايش الداخلي، هذه المجموعات حجمها محدود وهامش تحركها أيضا محدود, أما المجموعات الوازنة والتي كما يعبر عنها تجد حضورا؛ فهي إما أنها تتفق في إطار عام مع القوى الإسلامية الأخرى، وإما أنها مضبوطة أيضا تحت سقف سياسي لا تستطيع أن تتجاوزه.
بعض الجهات تحاول أن تسيّس بعض الأعمال في لبنان، ودائما يمكن استغلال الناس، و يمكن استغلال بعض العناوين, لكن فرصة استغلال العنوان السلفي في لبنان شبه مستحيلة ، لأن لبنان مشكل من مجموعة طوائف، اليوم هناك 18 طائفة، ليست كلها إسلامية، خمسة منها فقط طوائف إسلامية، والباقي هي طوائف مسيحية، وبالتالي فالاستغلال السياسي للعنوان السلفي يضر بكل صاحب مشروع سياسي في لبنان , وبالنتيجة فالمخاطر التي يُتحدث عنها لا توجد بالحجم الواقعي لهذه المجموعات، ولا من جهة قابلية استغلالها من أصحاب مشروع سياسي لبناني ,إلا إذا كان المشروع أكبر من أن يكون مشروعا سياسيا لبنانيا، من منطلق أن لا مصلحة في استثماره من قبل السياسيين اللبنانيين، وآنذاك تكون المسألة قد تحولت إلى مشروع إرهابي وليس إلى عنوان سياسي داخلي.

الجمعة، فبراير 13، 2009

تعليقا على موضوع : " اللبنانيون سعداء بقرار حكومي يسمح لهم بإخفاء هويتهم المذهبية"

فرقعة إعلانية زعمتها إحدى الفضائيات العربية فيما الكثيرون من اللبنانيين فاجأهم الخبر وغالبيتهم لم يعرفوا مفاعيله فضلا عن أن يسعدوا به وهذه جملة من الملاحظات حوله :
أولا : إن ذكر طائفة أو مذهب اللبناني لايظهران إلا على سجلات قيد النفوس وبالتالي فإنهما يظهران على نموذج إخراج القيد الذي يطلبه المواطن لتقديمه الى الجهات المعنية التي تصر عليه في لبنان: لبنانية كانت أو أجنبية ,حتى للإستحصال على فيزا عربية أو غربية فلا تكتفي السفارات ببطاقة الهوية أو جواز السفر اللذان لا يوجد عليهما خانة للدين أو المذهب.
ثانيا : اين هو الإنجاز في هذه الخطوة وبديلها بسيط: الإمتناع عن تقديم اخراج القيد أو إصدار قانون بإلزام الجهات المعنية التي لامبرر لديها للتعرف على مذهب الشخص بالإكتفاء ببطاقة الهوية أو جواز السفر كالسفارات مثلا عربية وأجنبية.
ثالثا : أين هو العيب في إبراز دين الشخص أو مذهبه إلا أن يكون الشخص نفسه يتعيب من دينه ومذهبه الموروث واذا كان الأمر كذلك فهي مشكلته.لأن الطرف المقابل إن كان طائفيا فلن يصعب عليه معرفة ذلك من اسم عائلته وبلدته.
رابعا : كما قال الوزير بهيج طبارة " إنَّه (القرار) يطرح بالمقابل إشكاليات عديدة على مستوى التطبيق، فهو لا يسري على المرشحين للانتخابات النيابية، ولا التعيينات الإدارية ، ولا على الزواج ، ولا على الإرث " .
خامسا : المشاكل الإجتماعية في لبنان كثيرة ومتنوعة واللبنانيون من كل الطوائف ضحاياها دون استثناء وهي أعقد وأبعد عن أن تحل بالفرقعات الإعلانية .
سادسا : إن المشكلة الحقيقية هنا تكمن في التعصب نفسه وهذا مظهر جديد له فالتعصب لادين له والإنجاز الجديد إيجاد متعصبين ضد ذكر الدين في إخراج القيد ....هكذا وبكل بساطة سينتقل اللبنانيون الى خلاف سخيف جديد وينسون الفقر والمرض والتعليم وفرص العمل التي تسوي بينهم حقيقة.
سابعا : يقال في ضرب المثل الفرنسي : "إن أعماق جهنم مملؤة بالأشخاص حسني النية" فيما نعرف في تراثنا الإسلامي أنه إذا ساء الزمان فسؤ الظن من محاسن الفطن , ولنذكر بعض ما يدعوا الى الريبة في خلفيات هذا القرار:
أ - لبنان قادم بناء لطلب من الهيئات الدولية على إنجاز إحصاء سكاني رسمي يلغي كل التكهنات الرقمية والمبالغات فلماذا يستبعد أن يكون هذا القرار استباقا للنتائج؟
ب - يجري الإعداد لتحريك مشروع إقرار الزواج المدني الإختياري برلمانيا , وكانت ثمة دعوة لتنفيذ مرحلة تجريبية أوضحنا مخاطرها في حينه وأنها من الألاعيب السياسية اللبنانية الممجوجة على طريقة فرض الأمر الواقع , وهي من الألاعيب القاتلة هنا لأنها تتعلق بالحياة الزوجية ومفاعيلها على أجيال يحرم التجريب بمستقبلهم إرضاء لشهوات وأمزجة بعض الأشخاص .
ج - للتذكيرفقط فإن الطوائف المسيحية في لبنان تملك سجلات نفوس خاصة بها تحت عنوان تسجيل عمادة الأطفال(تنصيرهم وفقا للطقوس الكنسية الخاصة بكل طائفة ) أو التزويج والوفيات ويرجع إلى هذه السجلات في حالات معينة مثلا عندما ينتقل أحد المسيحيين الى الدين الإسلامي فإنه لا يتم شطبه منها وتترك الفرصة لإستعادة أبنائه لاحقا وبحسب ما نعرفه فإن إرثه من أهله يبقى معلقا على عودته أو عودة أحد أبنائه .
كونوا حسني النية ولكن لاترتبوا عليها أثرا عمليا إلا بعد إعمال عقولكم , وانتبهوا أنتم في لبنان ولستم في السماء!
الخميس 17 صفر 1430هـ - 12 فبراير 2009م

السبت، فبراير 07، 2009

سؤال غير برئ

في غضون أسبوع واحد:
أميركا غاضبة من الصاروخ الإيراني والقمر الاصطناعي , ويزداد غضبها بتحرير البروفيسور عبد القدير خان مهندس القنبلة الذرية الباكستانية .
تفجير يقتل 33 شخصا ويجرح 52 بينهم 13 في حالة حرجة قرب مسجد "شيعي !" وسط باكستان .
هل هي صدفة ؟

الأربعاء، فبراير 04، 2009

الزواج المدني في لبنان مشكلة وليس حلا

الزواج المدني في لبنان مشكلة وليس حلا بقلم : الشيخ علي خازم , ألقي هذا النص في ندوة منتدى الفكر والقلم – جمعية البشرى الخيرية الإجتماعية ثم نشر في مجلة البلاد 18 - 10 – 1997 القسم الأول ليس العنوان بجديد، ولا الموضوع كذلك ، وهو لن يكون الأخير في هذا المجال لكننا نأمل أن نخرج منه بإضافة جديد إلى المناقشة في المنهج وفي المعالجة. الزواج المدني مسالة مطروحة في ساحات المناقشة اللبنانية ، وغالباً ما تأخذ أية قضية تحتمل النقاش في لبنان أبعاداً ، وتتصور لها خلفيات ، اعقد بكثير مما قد يكون في ذهن من أثارها . وأجدني هنا بفعل لبنانيتي مدفوعاً لعدم الاقتصار في دراسة المسألة على بعدها القانوني التشريعي ، وهذا التوسع مبرر موضوعياً كذلك لأنه يطال مسألة مركبة في طبيعتها ، ولا تقتصر على جانب واحد كما يتوهم البعض ، أو يريد لنا أن نتوهم. إن الزواج مسألة أبعد من كونه صيغة تعاقدية لأن مفاعيله وما يلزم عنه تتجاوز الزوجين في قضية الانطلاق في الشراكة من واقع الحاجة والحرية الشخصيين . (( قانون الزواج المدني الاختياري)) مشروع مطروح أمامنا كجزء من مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية في لبنان الذي يتضمن في شقه الآخر إلحاق المحاكم الشرعية والمذهبية والروحية بوزارة العدل ، وهو ككل يقع في اطروحة عامة(غير معلنة) لتعديل الدستور اللبناني . إن علاقة شبه دائمة تلاحظ بين طرح تعديلات دستورية لجهة صلاحيات السياسيين في الدولة اللبنانية وبين طرح تعديل قانون الأحوال الشخصية ، تكفي وحدها لإثارة النقاش حول الغرض الأقصى من هذا الاقتراح ، ولا يخرج عن هذه الملاحظة اقتراح نقيب المحامين سنة 1952 نجيب الدبس لأنه كان أيضاً رجل سياسة ، وبهذا تنتفي الموضوعية والتجرد عن أن يكونا وحدهما وراء هذا الاقتراح ، بما يؤكد أهمية الاستقصاء في أكثر من جانب حول هذا المشروع. بداية أود الإشارة إلى نقطتين: النقطة الأولى تتلخص في ثلاثة أسئلة ما هي المشكلة التي يبحثون لها عن حل؟ وما هو حجمها كحاجة اجتماعية؟ ، وأين تقع في سلم أولويات حاجات الشعب اللبناني؟ النقطة الثانية هي بعض الملاحظات السلبية التي يجب التخلص منها ليكون النقاش جدياً ومثمراً فعلاً. **** النقطة الأولى ما هي المشكلة التي يبحثون لها عن حل؟ وما هو حجمها كحاجة اجتماعية ، وأين تقع في سلم أولويات حاجات الشعب اللبناني؟ باستقراء اطروحات المؤيدين من خلال وسائل الإعلام يمكن تسجيل قرابة ثلاثين جواباً يعبرون بها عن مشكلة يعتبر الزواج المدني حلاً لها ، وهذه المشكلات يمكن تصنيفها بأكثر من طريقة وعلى أكثر من أساس للتصنيف ، لكن إن اعتمدنا أساس الحاجة الفردية لتشريع مريح أمكن تصنيف هذه المشاكل تحت عناوين مشاكل شخصية ومشاكل جزئية ومشاكل عامة . مثال المشاكل الشخصية: ارتفاع كلفة الزواج المدني من حيث الاضطرار للسفر إلى قبرص . ومثال المشاكل الجزئية : إن القانون المدني الفرنسي يوجب الإحالة إلى جهاز خاص للإصلاح بين الزوجين في حال طلب التفريق وهذا الجهاز غير موجود في لبنان . ومثال المشاكل العامة : انعدام المساواة بين المواطنين أمام القانون ، الأمر الذي يناقضه حق تعدد الزوجات عند المسلمين والمنع منه عند المسيحيين. المشاكل موجودة ولا يمكن نفيها لكن القانون اللبناني تكفل بحلها ، قد تكون هناك صعوبات لكن التشريع لا يمكن أن يتكفل حل مشاكل الأفراد ، فهذه مهمة القضاء وليست مهمة المشرّع الذي يعطي القانون صفة عامة قد تتعارض أحياناً مع المصلحة الشخصية. السؤال الثاني: هل بلغت المشاكل حداً تحولت معه إلى حاجة اجتماعية ؟ الاستفتاءات والاستطلاعات والتحقيقات والأبحاث المنشورة في الإعلام تؤكد كلام الدكتور ملحم شاول أحد أساتذة معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية (( إن الزواج المدني ليس مطلباً لبنانياً بحسب الأبحاث السوسيولوجية)) هذا فضلاً عن مبلغ صدقية هذه الاستطلاعات، مع ما نعرفه عن عوامل التوجيه غير المباشر فيها واحتمالات الخطأ. والمستغرب لجوء بعض وسائل الإعلام إلى أساليب واضحة الانحياز باللعب على اللغة ، أو تضخيم العناوين كلما تعرض الزواج المدني للسقوط في اختبار. لاحظ مثلاً استطلاع (جريدة النهار 1/1/1997): ((غالبية 83،83% من كل الطوائف تتفق على تفضيل الزواج الديني)) مباشرة إلى جانب هذه النتيجة عنوان كبير "مؤيدو الزواج المدني موسرون ومتعلمون وشباب" ولم تكتفِ بهذا فأعادت في 17/1/ 1997 الاستطلاع تحت عنوان آخر: (( مبادرة الهرواي لإباحة الزواج المدني ماذا يقول فيه الأكاديميون والمثقفون؟ إجماع على احترام حق الإنسان في اختيار النظام المناسب وتأمين الآلية )) ، لاحظوا ( إجماع) وقارنوها بالغالبية في غضون أسبوعين فقط . ولن أطيل في الأمثلة فهي كثيرة ولكن غرضها واحد وهو تحويل الزواج المدني إلى مطلب اجتماعي تمهيداً لتشريعه . ومن الملاحظ أيضا أنه يتم في أحيان أخرى اللعب على الوتيرة الطائفية التي يدعى العمل للابتعاد عنها. إن سعي الدعاة إلى تطبيق قانون الزواج المدني طبيعي في ظل ما يحملونه من ايديولوجيات وأفكار، لكننا نطالبهم بالوضوح في عقيدتهم والإنصاف في النقاش والتخلي عن مجاملتنا في قضية احترام الدين والابتعاد عن التدليس في القضايا الدينية. السؤال الثالث: وأما دعوى المساواة أمام القانون فإجمال القول فيها أننا نعيش في بلد ميثاقي قدم أفراده تنازلات ليتشكل على صورته الحالية فلا تحركوها ، ونعيش قانونياً حالة فيدرالية شخصية ( مقابل الفيدرالية الجغرافية) تطبق فيها على الفرد قوانين معتقده وهذه الفيدرالية مطبقة في قبرص وبلجيكا ولسنا نافرين فيها. وإن تحقيق المواطنية الكاملة يرتبط الآن بإلغاء الطائفية السياسية والوظيفية لا بإلغاء قانون الأحوال الشخصية. النقطة الثانية هي بعض الملاحظات السلبية التي يجب التخلص منها ليكون النقاش جدياً ومثمراً فعلاً. يسجل على منهجية مناقشة الموضوع وعلى المعالجات المطروحة أمور منها: ملاحظات على المنهج: 1- الانطلاق من مفردة جزئية والتأسيس عليها للوصول إلى حكم عام وهذه الملاحظة تشمل المؤيدين والمعارضين- في ما توفر لدي- من ذلك الانطلاق من قضية جزئية أو شخصية أو عامة حتى، لكنها غير منفكة عن قضايا عامة أخرى ينبغي مراعاتها فالانطلاق من القرار 60 ل. ر. 1936 مثلاً ، لا يمكن فكه عما لحقه في قانون أصول المحاكمات المدنية 1983، ولا يمكن إغفال قضية ما يرد عليه من مسائل النظام العام اللبناني . كذلك عند المعارضين وقف البعض عند قضايا جزئية مثل صحة وبطلان العقد المدني وما إليها.والمفروض معالجة الموضوع بشكل متكامل وكلي فالدخول في التفاصيل يضيع البوصلة . 2- التعميم في التأييد أو المعارضة بدون مقدمات بما يوقع في شبهة إتباع الهوى أو وجود غرض ومصالح. 3- إدخال عملية التشريع والتقنين تحت خانة الذهنية اللبنانية في تمرير المشاريع ، وهذه القضية ليست الأولى ، ولاحظوا قضية مثل قضية رئاسة المحكمة الشرعية الجعفرية ومتاهة التعديلات التي أجريت للمجئ برئيس ثم لإقصائه . 4- تعمد الإثارة وعدم كشف المشروع التفصيلي لكسب الوقت وإدانة أي اعتراض مبدئي فيما هو نفسه لا يزال عرضاً مبدئياً (في وقت الندوة ثم تم نشره لاحقا ولكن بصورة مبدئية ). ملاحظات على طبيعة معالجة الموضوع وأما ما يسجل على طبيعة معالجة الموضوع فمنها : 1- التلطي تحت شعار احترام الأديان فيما يتم السعي الحثيث في عملية استبدال القيم الدينية بغيرها ونحن نعرف أن الدين في لبنان مكوّن أساس في بنية الثقافة العامة ، وأن الإلحاد شأن غريب كما كل القيم الناشئة عنه أو حوله تحت عناوين علمانية محايدة أو علمانية مؤمنة. 2- بروز موقف سلبي واضح اتجاه الأحكام الشرعية الإسلامية خصوصاً في شؤون المرأة والطلاق. 3- تراخٍ وصل بعض الأحيان إلى حدود المجاملة ( بتهذيب) من قبل بعض رجال الدين من كل الطوائف حدود أن يقول الأستاذ أوغست باخوس إن المشكلة فقط مع بعض ((المشايخ السنة)). هذه الملاحظات لا تنفي وجود معالجات جادة وشاملة عند الطرفين لكنها عند دعاة الزواج المدني تقف على حدود مسألتي السر وإمكانية التفريق عند المسيحيين فيما تصطدم بنظام تشريعي كامل عند المسلمين لتعود المسألة إلى مواجهة مع الدين ككل. أما عند المعارضين للزواج المدني فقد بيَّنه بإجمال بيان المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى فيما وحده البطريرك هزيم أعطى موقفاً وتمنع البطريرك صفير عن التعليق على الموضوع أيضا الى حينه لأنه عاد الى اعطاء موقف لاحقا) . موانع الزواج المدني: خلاصة القول، إن مقالة كهذه- مهما طالت- لا تساعد على الإحاطة بجوانب الموضوع كله لكن يلزم تحديد أسس رفض مشروع الزواج المدني الاختياري، وكذلك مشاريع الحلول الوسط المقترحة ومن هذه الأسس أنه لا يمكن لبننة قانون مدني للزواج لتعارضه مع: أ‌- الأحوال الشخصية الشرعية والروحية. ب‌- النظام العام اللبناني الذي يعتبر الدين أساساً في تكوين ثقافة المجتمع عامة ويعتبرالزواج شأناً دينياً. ج‌- الدستور والقانون اللذان كفلا عدم تطبيق القانون 60 ل.ر. 1936 على المسلمين. د‌- الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدولة حتى لو كانت العملية من داخل مجلس النواب ، لأننا بتعبير الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (( لم ننتخب مجلس النواب لاتخاذ قرارات كهذه تريد إدخال السلطة الزمنية في ساحات ليست لها)). فضلاً عن أن الفيدرالية الشخصية التي تعطي حق تطبيق القوانين المنبثقة من معتقدات الفرد هي الأساس في تشكيل (( الكيان اللبناني)) مع الأسف للرجوع إلى هذا المصطلح. وتبقى أمامنا شبهات كثيرة ينبغي إزالتها بالحوار. إنه حل لمشكلة غير المؤمنين على حساب الوطن وغالبية الشعب ، وهو مشكلة كبرى لأنه مشروع استبدال القيم الدينية بأخرى مادية. القسم الثاني الزواج المدني الاختياري:(( هل يعرف المعارضون ما هو الزواج المدني؟ ولماذا يحاربونه قبل وضع قانون تفصيلي له؟)) مجموعة من الشبهات تثار لوضع كل المعارضين في خانة واحدة هي خانة الجهل والتعصب ، ولا بد من إزاحتها في هذا التمهيد من خلال عدة نقاط قبل الخوض في تفصيل الموقف من الزواج المدني. أ‌- الزواج شأن ديني وليس شأناً مدنياً. تختلط المفاهيم تحت المصطلحات فيتدافع الناس في المناقشة كل ينطلق من تصوره لدلالة المفهوم ، فيكون طبيعياً والحال كذلك أن لا يتوصلوا إلى تفاهم ، فضلاً عن إمكانية الوصول إلى نتيجة حاسمة وملزمة. والأصعب في إثارة الإشكالات عند ذلك ، عدم الإحاطة بما يلازم هذا التعريف أو يتعلق به كدعوى البعض أن الزواج ليس شأناً دينياً بل هو شأن يخضع للحاجة الاجتماعية والتطور في الشكل يلازم التطور الاجتماعي ، وهو خاضع للحرية الشخصية فلا إلزام به . ويستندون في ذلك إلى كون الزواج عند المسيحيين وحدهم سراً من أسرار الكنيسة يتعين معه حضور الكاهن لإضفاء الشرعية عليه ، بينما هو في الإسلام عقد بين ذكر وأنثى لا يحتاج إلى رجل الدين إلا لتصحيح صيغة العقد وتوثيقه ، والزواج عند اليهود لا يشترط وجود الرِّبي. ومن هذا المنطلق يستغرب هؤلاء استنكاف علماء الدين المسلمين عن القبول بالزواج المدني من جهة عدم الاختلاف مبدئياً بين صيغته إسلامياً ومدنياً دون ملاحظة مشكلة صيغة العقد في جانبها الإجرائي(اللفظ و القبول والإيجاب الخ ... )، ويقوى هذا الاستغراب بالتراخي الذي تبديه الكنيسة عموماً إزاء الزواج المدني تحت عناوين غريبة . لاحظ الأب مونس، لطيف، خضر ومسألة قابلية التصحيح عند المسيحيين عموما. المسألة الأولى التي يجب توضيحها إن الإسلام يضع النكاح فقهياً في صنف الأحكام التكليفية ، إذ يدرجه تحت عنوان الاستحباب المؤكد ، ويترقى إلى الحكم بوجوبه على من يحتاج إليه ويخشى على نفسه الوقوع في الحرام ، وإن هذا الجانب هو مما يعبر عنه فقهياً بالمعاملات وما يترتب عليها من أحكام وضعية فالزواج مثلاً عقد يترتب عليه حكماً وجوب الإنفاق على الزوجة . أكثر من ذلك فإنه جعله في مصاف العبادات التي تقترن بنية القربى إلى الله كما يشير إليه الحديث النبوي الشريف: (( أيأتي أحدنا امرأته ويكون له أجر..)). وبخلاف المسيحية التي اعتبرت النكاح استكمالاً ل " خطيئة آدم" وينبغي الابتعاد عنه ما أمكن لولا الحاجة إلى الإنجاب ، فإن اليهودية تعتبره واجباً على كل رجل إسرائيلي (( ومن تأخر عن أداء هذا الفرض... كان سبباً في غضب الله على بني إسرائيل)). إن اعتبار الزواج سراً رغم ما أشرنا إليه عند المسيحيين ، يجعل الزواج شأناً دينياً عند كل الأديان ، والقول الفصل فيه عند المسلمين يرجع إلى العلماء وليس إلى كل من أخذ من بعض العلوم بطرف تحت دعوى أن لا رجال دين في الإسلام ، لأن هذا شيء آخر غير شأن الإفتاء بغير علم المنهي عنه والمحذر منه. ب‌ - اختلاف الوصف لا يغير من آثار الموصوف إذا كان نفسه . إن الاختلاف أو التطور في تحديد صفة الرباط الزوجي الديني من كونه عقداً أو عهداً لا يخرجانه عن ارتباطه بالدين وعن عدِّ أي علاقة خارجة عنه علاقة زنا حتى لو كانت عقدية ، نعم يصحح المسلمون العقد إجرائياً في المحاكم الشرعية تحت عنوان إثبات الزواج إذا كان العقد قد وقع صحيحاً مستوفياً للشروط وخالياً من الموانع ولو تم دون حضور عالم الدين المأذون ، وتصححه الكنيسة على أية حال بعقد زواج كنسي لاحق ، والفارق أنه لو لم يقع العقد صحيحاً عند المسلمين فإنه يدور بين أن يكون " وطأ شبهة" أو زنا فيترتب عليه إما اعتبار الولد ولد شبهة أو ولد زنا مثلاً ، فيما لا تقيم الكنيسة أثراً للزنا بعد العقد الكنسي فتعطي الولد صفة الولد الشرعي . والثمرة النهائية هنا تتعلق بما يترتب على هذا الاعتبار فولد الزنا لا يرث عند المسلمين مثلاً ، وعلى هذا فإن الدعوة إلى زواج غير ديني هي دعوة إلى نوع من العقود التي لا تقع صحيحة في غالبها وستولد جيلاً من أنكحة فاسدة بنظر المسلمين الذين يرون صحة عقود زواج أهل الكتاب الدينية ومفاعيلها إبتداءاً لا تصحيحاً لنتائج فاسدة , فلو تزوج مسيحي بمسيحية مدنيا ثم أنجبا ولدا فإنَّ الكنيسة تعتبر العلاقة الجنسية بينهما خطيئة والمتولد منها ابن خطيئة ولا يمكن تعميده حتى يكللهما الكاهن في الكنيسة. فالزواج المدني بين الكتابيين زنا وعقد الزواج المدني الصحيح شرعاً زواج إسلامي يفرض مفاعيله في النفقة والطلاق والنسب والإرث وغيرها فهل يرضون بهذا ؟ ج- الزواج المدني: حاجة غربية وتعبير غربي ضد الدين وضد الفوضى: إن عبارة (( الزواج المدني)) يقابلها تعبيران أولهما (( الزواج العرفي)) بصورتيه والثاني ((الزواج الديني)) ذلك أن الغرب المسيحي عموماً ظل يعترف بالزواج العرفي بصورتيه: الزواج الإقراراللفظي ذي الأثرالحاضر أو اللاحق وفي هذا الأخير للطرفين حق إلغاء اتفاقهما قبل حدوث الاتصال الجنسي بينهما (I marry you) , (I will marry you) وكان الزواج الكنسي يأتي لاحقاً لهذا الزواج. وقد منعت بريطانيا الزواج العرفي سنة 1753 فيما حافظت على صحته اسكوتلندا، ويبدو أنه مقبول فيها إلى الآن حيث تجد في المعاجم الانكليزية Scotch marriage ويقابلها زواج غير قانوني . وقد ألغت الولايات المتحدة وكذلك الدول الأوروبية الأخرى هذا الزواج كما فعلت فرنسا بعد العلمنة واعتمدت (( الزواج المدني)) ولتقصي تفاصيل هذه المسألة مقام آخر. وأما في العالم الإسلامي فلم نعرف (( الزواج المدني)) مقابلاً للزواج الديني في القانون إلا في تركيا بعد العلمنة ، أو مع التشريعات التي سنتها لنا الدول المستعمرة ، وما يقال اليوم عن تونس فهو تغرب ، أما مصر وسوريا وإيران وغيرها من الدول الإسلامية فليس إلا من جهة أنها أدرجت الأحكام الشرعية في قوانينها العامة ومن ذلك نزاع سجّل سنة 1955 بين محكمة بيروت الشرعية الجعفرية وإحدى المحاكم الإيرانية على الاختصاص حيث ان قانون الأحوال الشخصية الإيرانية كان يقع تحت عنوان (( القانون المدني)) فيما هو فعلاً مجموعة الأحكام الشرعية الجعفرية . والأمر في سوريا هو نفسه وليكلف المهتم نفسه أو معاونيه شأن المطالعة وليسأل لماذا لا يذهب من يريد الزواج المدني إلى سوريا وهي أقرب وكلفة السفر إليها أقل من كلفة السفر إلى قبرص لو كان الأمر كما يدعون . إلا أن يكون المقصود مرجعية وزارة العدل للمحاكم الشرعية أو إلغاءها مطلقاً، فلنا فيه كلام آخر. وهذه النقطة تساعدنا على فهم الموقف الحاد الذي وقفه رجال الدين عموماً في لبنان والذي بلغ حدّه الأقصى بإعلان الحرم الكنسي على نقيب المحامين نجيب الدبس سنة 1952 بعد إصراره على علمنة قانون الأحوال الشخصية. إذ أن هذا المصطلح (( الزواج المدني)) يستبطن- مهما زينوه وبهرجوه- إساءة إلى الدين نفسه باعتبار الزواج المنعقد على أساسه عقبة ومشكلة في حياة الإنسان الاجتماعية ، ويستبطن كذلك دعوة لتشريع العلمنة الملحدة المخالفة للنظام العام في لبنان ، بل أنه وعلى حد تعبير رئيس المحاكم الشرعية السنية الشيخ ناصر الصالح يمكن من تشريع عبادة الشيطان ، وأما العلمنة المحايدة أو العلمنة المؤمنة فما فهمناه عنهما لا يطمئن المسلمين . د- الطابع الروحي أو الطابع التجاري الفردي الأناني وغير الطبيعي. تعددت تعريفات الزواج بتعدد الأديان ، واختلفت بين غير المتدينين، لكن تعددها عند أتباع الأديان السماوية الثلاثة لم يبعدها عن اشتراكها في إعطاء الزواج طابعها الروحي المرتبط بالله والذي يحوط مؤسسة الأسرة المنتجة عنه بقداسة ورعاية ، بينما وصل الأمر في تعريفه عند غير أولي الدين حد القول في موسوعة الانكارتا الأميركية : (( اليوم، تعتبر- أكثر الولايات - الزواج هو أساساً شراكة اقتصادية بين الزوجين)) وبلغ الاختلاف حده الأقصى بالتجاوز عن كونه شراكة بين زوج وزوجة الى القول بين الزوجين بما يشمل كونه بين ذكرين أو أنثيين. ومع الإمعان في تعزيز الروح الفردية والرأسمالية والإباحية ها هي أميركا وأوروبا تشكو في سلوكها الاجتماعي من آثار الزواج المدني والأحوال الشخصية فيها سلباً على الأسرة وعلى القيم الاجتماعية وتثقل كاهل الدولة بأعباء ليست في قدرتها ولا من اختصاصها اجتماعياً ونفسياً وصحياً ، وتراها مضطرة للاعتراف بزواج المثليين فماذا تريدون؟ هـ- الحلول الوسط والحل الاختياري لعبة أمر واقع: إن عقد الزواج هو واحد من مسائل الأحوال الشخصية المتعددة ، والتبسيط المشبوه بالدعوة إلى تجربة الزواج المدني اختيارياً دون مسألة الإرث وغيرها (دعوة أطلقت في حينه ) دعوة إلى خلق مشكلات حقيقية لا تحل إلا باستكمال التشريع المدني في مسألة الأحوال الشخصية كالطلاق وتحديد المحارم وشروط صحة العقد والموانع منه إلى ما هنالك ، وبذلك يتم تجاوز موقف المؤمنين المعارضين بحكم الأمر الواقع الذي نعرفه جيداً في لبنان. أما الحلول الأخرى المطروحة فلا يمكن فيها التطابق بين جميع الأحوال عند كل الطوائف. و- لا مصالح شخصية أو نوعية لرجال الدين وراء الرفض: تشكل نسبة القضاة من رجال الدين المسيحيين أو علماء المسلمين رقماً لا يحسب له أي حساب إذا ما قيس بالمجموع العام لرجال الدين، ولا يشكل هؤلاء الكهنة والعلماء المسلمين عبئاً على خزينة الدولة إلا إذا تعلق الأمر بقضاة الشرع المسلمين الذين لا يزيد عددهم في كل الأراضي اللبنانية عن اثنين وسبعين قاضياً شرعياً ( 30 سنة، 30 شيعة، 12 دروز-1997) مقابل آلاف العلماء السنة الرقم الرسمي لعلماء السنة 2300، الشيعة والدروز لا إحصاء. الخـــــــلاصــــة: خلاصة لما تقدم فإن معارضتنا المبدئية للدعوة إلى (( الزواج المدني)) لا تنطلق في وجه شيء مجهول وعلى أساس إن الإنسان عدو ما يجهل ، ولا مصلحة شخصية وراءها ، بل هي معارضة لموضوع واضح ومخاطره جلية أمامنا في كل الدول التي تمارسه ، ولا معنى للبننته كما يطلب البعض. نحن مسؤولون أمام الله عن رعاية شؤوننا الدينية وشؤون الأجيال اللاحقة . ولنا كل الحق في هذه المعارضة ونستغرب نحن استغرابهم لها فيما يدَّعون أن لهم الحق في الطرح وفي السعي إلى إلزامنا به أو إضافته إلى التشريعات.

الأربعاء، يناير 07، 2009

تجمع العلماء المسلمين في لبنان يطالب بموقف عربي ازاء صمود غزة

طالب امين سر مجلس الأمناء في تجمع العلماء المسلمين في لبنان الشيخ علي خازم بموقف عربي واسلامي يرقى الى مستوى مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في مواجهة العدوان الاسرائيلي، محذرا من مخططات الاحتلال لاعادة ترسيم الحدود في المنطقة تمهيدا لاقامة الدولة اليهودية الخالصة. وقال خازم في تصريح خاص لقناة العالم الاخبارية الاربعاء: ان عجز العواصم العربية عن طرد سفراء الاحتلال الاسرائيلي لديها يفسر عجزها عن اتخاذ اي اجراء مطلوب اخر لوقف العدوان الاسرائيلي على غزة، معتبرا أن موقف الرئيس التركي المتقدم على المواقف العربية الرسمية لا يخلو من بعض التحفظات عليه. واضاف: ان المطلوب اليوم موقف عربي واسلامي يرقى الى مستوى المقاومة والصمود البطوليين الذين يبديهما الشعب الفلسطيني في قطاع غزة في مواجهة العدوان الاسرائيلي . وتابع خازم ان حماية المدنيين قضية مطلوبة من المجتمع الدولي والاسلامي، حيث ان كل المعاهدات والقوانين قد ضرب بها الاحتلال عرض الحائط ولا تستطيع حماية الناس، داعيا الى تحرك فعلي للحكومات والمجتمعات الاسلامية للضغط على كيان الاحتلال الاسرائيلي لوقف جناياته في قطاع غزة. واكد ضرورة وضع اي مبادرة للتهدئة في غزة، في اطار الضوابط الاساسية، حيث لا يمكن باي شكل او وجه الاعتراف بشرعية الغاصب الاسرائيلي، محذرا من ان سياق الوساطات المطروحة لوقف العدوان على غزة يسير باتجاه الضغط على الفلسطينيين من خلال ايقاع المزيد من الشهداء والجرحى، بهدف انتزاع التنازلات منهم واجبارهم على الاعتراف بشرعية كيان الاحتلال. وتوقع خازم ان تستمر ضغوط الاحتلال بهذا الاتجاه ضد الفلسطينيين بدعم من الولايات المتحدة، تمهيدا لمخطط اسرائيلي يرمي الى اعادة ترسيم الحدود مع مصر والاردن وسوريا ولبنان، من اجل تأسيس الدولة اليهودية الصافية عرقيا، محذرا المسلمين من الدخول في معمعة الاحتلال هذه. واشار الى ان الاحتلال يواصل ارتكاب المجازر بحق الفلسطينين وتهديد المسلمين والعرب من اجل ابتزازهم وضمان مصالحه، داعيا الى الاستفادة من دروس الصمود والمقاومة في غزة ولبنان من اجل تعزيز طاقات جماهير الامة والقوى الفاعلة والناهضة في المجتمعات العربية والاسلامية لتأخذ دورها على مستوى المواجهة. وتوقع خازم ان ما بعد غزة سيفرز واقعا جديدا في المنطقة مشددا على ضرورة ان يتحضر الجميع في هذه المنطقة لتداعيات ذلك. وحذر من خطورة تصريحات مسؤولين عرب عن مشروع اسرائيلي لالغاء الدولة الفلسطينية وتحويل مسؤولية الضفة الغربية الى الاردن ومسؤولية قطاع غزة الى مصر، مشيرا الى ان اصحاب هذه التوجهات يريدون تصفية القضية الفلسطينية عبر قرار دولي حيث لم يمكن بسط سلطة متعاونة مع الإحتلال على الأراضي الفلسطينية. واعتبر خازم ان ذلك يأتي في سياق مخططات الاحتلال بتصفية العرب من الاراضي المحتلة العام 48، وتهجيرهم من مناطقهم. واشار خازم الى ان من أهداف حرب تموز2006 كان السعي الى تغيير ديمغرافي بتهجير اللبنانيين من جنوب البلاد الى مناطق اخرى حتى الى خارج لبنان للتخفيف من الكتل الشعبية الداعمة لخيار المقاومة من محيط الكيان الإسرائيلي الغاصب الجغرافي , ومحذرا من احتمالات تكرار نفس السيناريو في قطاع غزة خصوصا بعد ما أعلن أمس عن فتح معبر إيريتس أمام المدنيين , وتخوف من أن يكون ذلك مترافقا مع تصعيد في المجازر.

الثلاثاء، يناير 06، 2009

عاشوراء : ثورة التصحيح

الشيخ علي خازم – مجلة البلاد العدد 186
الانتصارهو حقيقة حركة الإمام الحسين عليه السلام , إنَّه التعبير القرآني عن الثورة , وإنّه الواقع الذي آلت إليه شهادته وشهادة أهل بيته وأصحابه وأسر من بقي وسبي نسائهم .
ولقد كانت هذه الثورة استكمالا لحركة التاريخ في مسارالرسالات التغييرية إلى النهاية : ثورة التغيير وثورة الردة وثورة التصحيح .
ثورة التغيير

جاءت رسالة الإسلام بما يمكن أن نطلق عليه ثورة تغييرية لأسس المجتمع الجاهلي كلها وقد بدت الملامح الأساسية لهذا التغيير على مستويات عدة يمكن الإشارة إليها بالتالي:

1 - المستوى العقائدي بالدعوة الى التوحيد الخالص : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {الإخلاص/1} اللَّهُ الصَّمَدُ {الإخلاص/2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ {الإخلاص/3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ {الإخلاص/4}

2- المستوى الأخلاقي الإجتماعي بتحريم المفسدات: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {الأعراف/33}...

3- المستوى الإقتصادي بالدعوة الى العمل ليكون أساس الثروة : وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {البقرة/188}وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا {النساء/29} .

4- المستوى الحربي بجعل الدفاع والنصرة للمظلوم أساسا للقتال : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ {البقرة/190}وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ {البقرة/191} فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {البقرة/192} وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ {البقرة/193} الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ {البقرة/194}

5- المستوى السياسي باستكمال عملية إبعاد القيم الجاهلية المادية وإعلان الولاية لله وحده ولمن يمثل دين الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً {النساء/59}.

وقد صوَّر الله تعالى نموذجا للمجتمع الإسلامي في آيات من سورة الشورى على النحو التالي: فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ {الشورى/36} وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ {الشورى/37} وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {الشورى/38} وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ {الشورى/39} وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ {الشورى/40} وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {الشورى/41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ {الشورى/42} وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ {الشورى/43}...

وقد عمل النبي (ص) على تثبيت دعائم هذه الثورة التغييرية بارساء دعائم الحكومة الإسلامية التي كان هو رأسها إلى أن التحق بالرفيق الأعلى .

ثورة الردة

كما حصل مع الرسالات الإلهية السابقة , وكما يعرف المتتبع لكل الثورات التغييرية الأرضية فإنَّ الثورة التغييرية عموما تعايشها أو تعقبها ردة عن المعطيات الجديدة . وغالبا ما تكون بذور هذه الردة موجودة في حياة القادة المؤسسين .

كان ذلك على يد السامري في حياة سيدنا موسى (ع) إذ شكل لليهود عجلا من ذهب ودعاهم لعبادته كما يذكر القرآن الكريم . وبدأت الخيانة لسيدنا عيسى عليه السلام في حياته أبضا , واستكملت عملية الإنحراف والتحريف بعد ارتفاعه من الأرض .

ويمكن ملاحظة الأمر نفسه في الجانب الآخر مع الثورة الفرنسية والأميركية والعربية , فقد انقلبت القيادات اللاحقة فيها على المبادئ التي انطلقت هذه الثورات لتطبيقها , وعلى الأقل في دعوى التحرر من الإستعمار والطغيان إذ تحولت هي نفسها الى طغيان داخلي واستعمار وطغيان خارجي فيما انتقلت الثورة العربية على الأتراك الى تسليم مقاليد البلاد إلى المستعمر الغربي .

وعلى أي حال وبالعودة الى موضوعنا فإننا نعرف من تاريخ الإسلام أن الردة بدأت في حياة النبي صلى الله عليه وآله بعد الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة المنورة . واستمرت بعده وتطورت الى الكفر بالرسالة الإسلامية والخروج العسكري على الحكومة المركزية , أو الإمتناع عن الطاعة لحكومة الخليفة الأول . وقد كان لهذين العنوانين تأثير محدود مقابل المظهر الأخطر وهو ردة النفاق حيث لا تمايز محدد بين المنافقين والمؤمنين فهم يتظاهرون بل ويظهرون في شكل إيماني بحيث لا يمكن معرفة واقعهم إلا بالتمحيص والإختبار .

تستكمل ثورة الردة نجاحها عموما بأسباب ثلاثة :

1- ترصُّد العدو لثورة التغيير وسعيه لإفشالها .

2- حركة المنافقين المتضررين من هذه الثورات التغييرية أو ما يسمى بحركة لصوص الثورات .

3- الإنحراف الإجتماعي العام عن الإلتزام بالوعي بالمعطيات الأساسية الجديدة.

وهذا السبب الأخير قد يكون لوحده أحيانا علة تامة كما يعبر المناطقة ولكن الوصول إليه ليس بالأمر الهين فإنّه يحتاج لسنوات وسنوات من التغيير الثقافي والإجتماعي وهو ما تمهد له حركة العدو وحركة النفاق . اننا لا نستطيع تفسير حادثة كقتل الامام الحسين سبط رسول الله الوحيد الباقي بعد ما يقارب السبعين سنة من بعثة الإسلام , وما رافق هذه الجريمة الكبرى من سكوت على مستوى قسم من الأمة , والرضى والقبول من قسم آخر , وإعتراض خجول من قسم ثالث إلاَّ بأن نعتبر أن حركتي الردة والنفاق قد استكملتا شأوهما بالإمساك بالسلطة من جهة , وبتغيُّر بيِّنٍ في البنية الثقافية للأمة الإسلامية من جهة أخرى .

كيف مهدت حركة الردة والنفاق للوصول إلى هذه المرحلة ؟

إن معالجة هذه النقطة من الحساسية بمكان بحيث قد يصعب فهمها في وجهتها الموضوعية , إذ تستلزم جمع وتوصيف أحداث وتغيرات في عالم الإسلام خصوصا من زمن خلافة رسول الله الى حكم معاوية وتولية ولده يزيد, ما قد يوحي بالتركيز على الجوانب السلبية دون الإيجابية وبالعمل على تتبع العثرات وهما أمران غير مقصودان فعلا لذاتهما في مجال البحث . وانما تقتضيها الدراسة المنهجية .

ولأن هذه الأمور من شكل التحول إلى نمط مخالف للمجتمع وقيمه جاءت على نحو متراخ وفردي أو جزئي داخل الإجتماع الإسلامي فإن النظر إليها بما هي هي لايكفي لجعلها علة الإنحراف الكامل بل ولا يُعدًُّ هذا الإتجاه منهجا صحيحا في التحليل . ولكنه يُعدُّ صحيحا إذا ما لاحظنا التسلسل والترابط والتطور فيها بكل ما تقتضيه من آثار.

وهذا المعنى يستفاد مما أشار إليه حديث رسول الله ص " .. ومن سنَّ سنَّةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".

وعليه ودفعا لما يمكن أن يُتوهم لن استقصي ما أشرت إليه , وسأكتفي بإبراز صورة الإنحراف الإجتماعي على ما انتهت إليه سنة ستين للهجرة كما يمكن استخلاصها من كتب التاريخ المعروفة , ومقارنتها بما تقدم عن صورة المجتمع الإسلامي النموذجي التي أرادها الله وكما سعى الى تحقيقها وتركها رسول الله صلى الله عليه و آله .

أولا : في المنظورالعقائدي , ظهورالأعتقاد بالجبر والإرجاء , وانعكاس هذه الأفكار ومتفرعاتها في تفسير وتبريرمختلف الأنشطة البشرية في المجال السياسي...

ثانيا : في المنظور الأخلاقي الإجتماعي, ظهور الفسق والفجور وعموم وشياع الفاحشة من بيوت الحكام الى بيوت العامة , وما يعنيه ذلك من استحلال الحرام ...

ثالثا : في المنظور الإقتصادي , تحول بيت مال المسلمين الى خزانة للسلطان واستخدامه في الإفساد للرعية من جهة , وانتشار الرشوة لعمال الحاكم من جهة أخرى ...

رابعا : في المنظور الحربي , تحول الجند والجهد إلى القتال الداخلي حتى وصل الأمر لاحقا إلى حد هدم الكعبة المشرفة...

خامسا : في المنظور السياسي , تحوَّلت ولاية أمر المسلمين من "الفقيه" الورع الذي ترتضيه الأمة لدينه ولدينها الى ملك عضوض وراثي يتسنمه حتى الفاسق الفاجر اللاعب بالقرود كيزيد...

على هذه الصورة ما هو الذي بقي من ملامح المجتع الإسلامي الذي أراده الله كما وصفه في ما أوردناه من سورة الشورى ؟؟

إنه الإنقلاب على الاسلام والبغي على المسلمين في ظاهر الصورة أما في أفقها العميق فهو زمان بقية الله الأتقياء المحافظين على روح الإسلام من جهة أخرى : فحيث استُكمِلَ البغي على المجتمع كان لا بد للثورة من نوعها الثالث أن تنطلق , وهي ثورة للتصحيح وإعادة الوعي الإجتماعي إلى ما كان عليه وإلى الصواب.

ثورة التصحيح

لهذه الثورة عادة صورة البلاغ – الرسالة , أو صورة الدم – الشهادة , ولا تستبعد صورة الغلبة – السلطة إلا لكون الواقع الذي تنطلق فيه هذه الثورة عموما – والواقع الآني كما صورناه خصوصا – هو زمان استكمال الردة على المعطيات والقيم التي جاءت بها الثورة التغييرية . فلن تتمكن حركة تصحيحية تصل في هذه اللحظات لأن تتغلب على سلطة الردة – مع استمرارالمعطيات الإجتماعية منتكسة – إلاَّ أن تضطر إلى شئ كثير من القمع والدم في تركيز موقعها في الداخل . ولن يكون العدو الخارجي في موقع يصعب عليه العمل على الإيقاع بها واغتيال الرسالة مرة ثانية مع ما ذكرناه من ترصده وسعيه لإفشال الثورة التغييرية ولو بالتعاون مع رموز داخلية .

هكذا نفسر سلوك الإمام علي عند تسلمه الخلافة بعد كل ما جرى في خلافة عثمان بن عفان وكيف انتهت تجربته في الحكم ..

لم يسعَ الإمام علي عندها الى الحكم وإنما انثال الناس عليه كما عبَّر في إحدى خطبه فلم يجد والحال كذلك من بد من قبول بيعتهم له . وكان من أول الأمورالتي بادر إليها عزل الولاة الفاسدين واسترجاع الأموال والأرض المعطاة بغير حق ولا وجه شرعي , وما الى ذلك من أمور ذكرها المؤرخون السياسيون . واعتبر بعضهم أنها كانت السبب في اضطراب فترة حكمه , فإنه هزَّ الواقع الإجتماعي هزة قوية . والحق أنه كرجل يخوض حركة تصحيح لم يكن أمامه من طريق آخر لإعادة وعي الأمة إلى سابق عهد النبوة والرشاد , وإلآ فإنَّه كان سيسهم في استمرار زاوية الإنحراف بالإتساع .

ولهذا لاحظنا أنه والإمام الحسن عليهما السلام لم يبقيا طويلا في السلطة وانتهت حياتهما بالشهادة والدم مع أنهما لم يصلا الى السلطة بخوض الدم بل جاءتهما وهما حاجة المرحلة كما يقال لا بالغلبة على السلطة القائمة , ولكن النتيجة (التي تحدثنا عنها) وبائتلاف الداخل والخارج من الأعداء بشكل ما, وفي ظل استمرار الردة ظهرت بإنهاء هذه الحركة التصحيحية بشهادتهما .

إن ثورة التصحيح التي قادها الإمامان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولده الإمام الحسن بن علي أخذت شكل الحكومة المؤقتة و انتهت بعودة حكومة الظلم سريعا لتمحو آثار التصحيح .

وفيما اتخذ الائمة بعد الإمام الحسين وجه البلاغ – الرسالة بالتعليم والتوجيه لتنهي حكومات الظلم حياة كل منهم – عدا الحجة الغائب عج – بالسم فإن ثورة الإمام الحسين بظروفها الموضوعية أخذت وحدها الوجهين معا : وجه الدم – الشهادة الصاعق , ووجه البلاغ – الرسالة الذي اكتمل بدور السيدة زينب والإمام زين العابدين .

هكذا كانت ثورة الإمام الحسين نصرا وانتصارا , وهما التعبيران القرآنيان عن إعانة المظلوم والانتصاف من الظالم وأهله .

ألم يقل الله تعالى في آخر وصفه للمجتمع الإسلامي النموذجي وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ .

لقد عمَّ بغي يزيد وفساده وجعل الإمام الحسين – وهو عنوان الرسالة الإسلامية – بين اثنتين : بين السلة والذلة , بين الموت كريما وبين ذل تسليم الرسالة الى الانحراف الكامل . فانحاز الامام الحسين الى جانب الموت على تلك الصورة المروعة , موت الشهادة الذي اختطف اهله واصحابه وانتهى الى اسر وسبي . وللشهادة هنا معنى البلاغ ومعنى الرسالة ووجه الدم الزاكي . وقد حفظت السيدة زينب هذا المعنى مع الإمام زين العابدين في حمل دور الرسالة والبلاغ من كربلاء الى الكوفة الى الشام الى المدينة وتابعهما الأئمة بعد ذلك .

المصير

استسلمت الأمة للموت الأسود عندما نسيت الشهادة وجلست للعزاء في المقابر , واستسلمت للموت الأسود عندما نسيت التشيع لعلي والحسن والحسين وزينب وجلست تتقبل التعازي بهم في مأتم دائم كما قال جلال آل أحمد .

ولكنها عندما لبت نداء هل من ناصر ينصرني صارت بين الموت الأحمر وبين الأحياء في الدنيا والآخرة , وستستمر هكذا حتى ظهور الإسلام على الدين كله ان شاء الله .

السبت، يناير 03، 2009

غزة : دمنا هناك وعرضنا المسفوح ...تابع ..إلى الشيخ نزار ريَّان

يا حارسَ الدارِ

كيفَ الدارُ تُخْلِيها

ما ضاقتِ الدارُ

أَنْتَ الدارُ بانيها

أنتَ الذي أَنشأَتَ مدرسةً للعلمِ

 تَعْزوا الحديثَ

وللآثارِ تُحييها

أَنت الذي خُضْتَ الوغى رَغَباً

بأَهلِ بيتكَ طُرَّاً

بالثوَّارِ تُنْخيها

تَعْصِب هُناكَ رِجالاً تخوضُ بها

غَمْرَالطَّواغيتِ

بالنيرانِ تُصْليها

شَكَتِ الأَعادي هذا الليثُ يؤْرِقُها

شَكَتِ الخِوالِفُ هذا الليثُ يُخْزيها

عَّزَّتْ فِلَسطينُ

هذي غَّزَّةُ انْتَصرَتْ

عَّزَّتْ فِلَسطينُ

رٍجالُ الله تَحْميها

أبا بلالُ حديثُ الدَّارِ يؤرِقُنِي

أبا الثُوَّار

تفنى الحِجارُ

كُنْتُمْ خَيْرَ ما فيها

****

الاثنين، ديسمبر 29، 2008

أول محرم ليس عيدا للهجرة النبوية

الشيخ علي خازم
بدخول أول شهر محرم تبدأ السنة العربية, أما ذكرى هجرة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة الى المدينة فانها متأخرة عنها الى الليلة الأولى من شهر ربيع الأول (وهو الشهر الثالث من السنة) والمشهورة بليلة المبيت حين نام الأمام علي عليه السلام في فراش النبي وغادر رسول الله صلى الله عليه وآله باتجاه المدينة المنورة ووصلها في الثاني عشر منه .
هذه المقدمة لا بد من ذكرها لأن العديد من أبناء أمتنا أصيبوا بحال من اختلاط المفاهيم والصور ومنها مسألة التأريخ والتقويم . اما محاكاة أفعال الأمم الأخرى وتقليدها فهي واضحة في تسمية هذا اليوم عيدا وليس له من فضل على غيره كما عرفنا الا انه أول السنة العربية التي هاجر في اثنائها النبي صلى الله عليه وآله . وحيث وجد للآخرين عيد لرأس سنتهم يحتفلون به صيره بعضنا كذلك بينما لم يعرف التاريخ الأسلامي مراسم خاصة بهذا اليوم .
التأريخ والتقويم:
تذكر كتب التاريخ عامة والمعنية بهذا الموضوع خاصة ان امة لم تتخلف عن اعتماد مبدأ لتؤرخ منه سنيها وتضبط به أحداثها والا لانقطعت الاخبار وتشتت , فكانت الأمم السالفة تؤرخ من أحد مبدأين كما يذكر المسعودي : الأول هو " الكوائن العظام والأحداث الكبار عندها وتملك الملوك " . الثاني هو " الطوفان عند من أقر به...ثم أرخوا العام بتبلبل الألسن باقليم بابل" . وينبغي الالتفات الى الفرق بين التأريخ والتقويم , فالتأريخ كما قدمنا يعنى بالسنة كلها وارتباطها بحدث معين هام لتكون مبدأ له في عد السنين , وهو ما نجد أثرا له الى يومنا في حكاية العجائز بالتأريخ من الزلزال أو من مقتل أحد السياسيين مثلا. أما التقويم فانه يحتاج الى مبدأ آخر حيث الغرض منه تشكيل السنة من أيامها, وهكذا كان امام الانسان أحد مبدأين للتقويم : اما حركة القمر او حركة الشمس , وهي الدورة التي يقطع فيها أحدهما مساره حول الأرض فالقمر يقطعها في شهر والشمس تقطعها في اثني عشر شهرا , واما بالجمع بين المبدأين . وقد افترقت الأمم حول تقويم السنة فمن مبدأ حركة القمر بنى اليهود والعرب سنتهم , فيما بناها المصريون والفرس والمسيحيون على مبدأحركة الشمس , وبناها الصينيون واليابانيون عليهما معا بطريقة معقدة . ولم تكن السنة جامدة عند العرب واليهود فكانوا يتصرفون فيها ومن ذلك ما عرفته العرب بالنسئ لتأخير حرمة بعض الأشهر بما يمكنهم من استمرارالقتال مرة, وبما وفقوا فيه بين السنتين القمرية والشمسية بأن جعلوا الحج في موعد ثابت لئلا يترك بعض التجار الموسم المتغير صيفا وشتاء مرة أخرى كما ذكره الرازي في تفسير قوله تعالى" ان عدة الشهور...الآية" , وأما اليهود فلاستغلاله في معاملاتهم المالية . وهكذا , فان المشهور ان العرب اعتمدت كما ذكر أبو هلال العسكري أول شهر محرم بداية للسنة العربية لانهم اعتقدوا أن سفينة سيدنا نوح قد استوت فيه على جبل الجودي . وحيث اعتمد التقويم العربي على حركة القمر حول الأرض صارت أيام العرب التي تعد بها تبدأ من غروب الشمس لأن رؤية الهلال تكون أول الليلة .
السنة والعام والحول والحجة والحقبة :
عبر العرب بالسنة والعام والحول والحجة (وأضاف مصنفا كتاب الأفصاح في فقه اللغة : الحقبة) عن الأثني عشر شهرا , سواء كانت قمرية أو شمسية , وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني: " العام كالسنة، لكن كثيرا ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الشدة أو الجدب. ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام بما فيه الرخاء والخصب، قال: }عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون{ [يوسف/49]، وقوله: }فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما{ [العنكبوت/14]، ففي كون المستثنى منه بالسنة والمستثنى بالعام لطيفة موضعها فيما بعد هذا الكتاب إن شاء الله، والعوم السباحة، وقيل: سميت السنة عاما لعوم الشمس في جميع بروجها، ويدل على معنى العوم قوله: }وكل في فلك يسبحون{ [الأنبياء/33]." أما اللطيفة التي أشار اليها المصنف في الكلام عن لبث سيدنا نوح ولم يذكرها فهي ما اختاره محقق الكتاب ونقله عن غيره, قال:" (قال برهان الدين البقاعي: وعبر بفلظ (سنة) ذما لأيام الكفر، وقال: (عاما) إشارة إلى أن زمان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغدا واسعا حسنا بإيمان المؤمنين، وخصب الأرض. انظر: نظم الدرر 14/404)." . ولنا معه كلام فيهما, أولا: ان النظر في آيات القرآن الكريم لايدل على استعمال السنة في الحول الذي يكون فيه الشدة أو الجدب أبدا , الا أن يراد قوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ {الأعراف/130} فهذا مأخوذ من قولهم "السنون : الجدب "كما ذكره الطريحي في مجمع البحرين , أضف الى ذلك ان العطف جاء مفسرا لهذا الأخذ بقوله تعالى : (وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ ) ولو سلمنا فانه لم يدلنا على كثرة استعمال أو اطراد لانتقاضه بقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ {الشعراء/205} نعم قد تشعر الآية وغيرها كقوله تعالى : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ {المائدة/26} بما قربه البقاعي من ارادة معنى الذم عند استعمال السنة بمتصرفاتها قبال العام , لكنه ينتقض أيضا بمثل قوله تعالى : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً {الإسراء/12} . وقد جاء في كتاب الأفصاح في فقه اللغة أن : "بعضهم يفرق بين العام والسنة. فالسنة من أي شهر عددته الى مثله وقد يكون فيه نصف الصيف ونصف الشتاء . والعام لا يكون الا صيفا وشتاء متواليين". أقول وبهذا المعنى يأتي التعبير بالحجة والحول مساويا للتعبير بالسنة فان الحج لايكون الا من الموسم الى مثله , قال تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {البقرة/189} ومن ذلك يستفاد كون عقد زواج سيدنا موسى عليه السلام كان قريبا من موسم الحج لقوله تعالى على لسان سيدنا شعيب عليه السلام : قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ {القصص/27} . والحول هو مرور اثنا عشر شهرا هي المقصودة بتقدير مدة الارضاع من بدئه في قوله تعالى : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {البقرة/233} أو المتعة كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ {البقرة/240} . وعبرت العرب بقولها سن الأنسان عن السنين التي مرت في حياته وهي لا تكون الا من تاريخ ولادته , واستخدمت الحول لانه مأخوذ من قولهم حال الحول أي تم , قال زهير بن أبي سلمى : ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم. أما ما ذكراه في "الأفصاح" عن استعمال الحقبة للدلالة على "السنة , الجمع : حقب وحقوب" ,فانها وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى : لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا {النبأ/23} و قوله تعالى: } وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا {الكهف/60} وليس فيها دلالة على ارادة السنة من مفردها بل هي لأبهام العدد , لكن المعجم الوسيط أيد استعمالها في السنة دون ذكر مثال أو دليل , وكان الأصفهاني قد ذكر أنه "قيل: جمع الحقب، أي: الدهر.قيل: والحقبة ثمانون عاما، وجمعها حقب، والصحيح أن الحقبة مدة من الزمان مبهمة" . التقويم والتأريخ في الأسلام : مع انتشار رسالة الاسلام ازدادت الحاجة الى الاعتماد على مبدأ التقويم الذي نص عليه القرآن الكريم بقوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {البقرة/189} إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ {التوبة/36} وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً {الإسراء/12} هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {يونس/5} ومن الآية الأخيرة خصوصا عرف المسلمون أن التقويم المطلوب هو المعتمد على مبدأ دورة القمر حول الأرض , ذلك أن الكثير من العبادات والأحكام مبنية عليه كتعيين بداية ونهاية شهرالصوم والوقوف بعرفة في الحج , دون اغفال اعتماد حركة الشمس في غيرها من العبادات كالصلاة والخراج وما اليها . وحيثما أطلقت السنة في النص القرآني فان المراد هو السنة القمرية . وقد تغير مبدأ التأريخ عند العرب قبل الاسلام من الاستواء على الجودي ونهاية الطوفان , فاعتمدوا عناوين أخرى الى أن استقروا على التأريخ من سنة غزو أبرهة الحبشي لمكة وكانت نيته هدم الكعبة الشريفة وهي السنة المعروفة بعام الفيل , وولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله . ففي تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 1 ص 21 : أن الزهري قال : " إن قريشا كانوا يعدون بين الفيل والفجار أربعين سنة ، وكانوا يعدون بين الفجار وبين وفاة هشام بن المغيرة ست سنين ، وبين وفاته وبين بنيان الكعبة تسع سنين ، وبينهما وبين أن خرج رسول الله ( ص ) إلى المدينة خمس عثرة سنة ، منها خمس سنين قبل أن يوحى إليه ثم كان العدد . ". لكن الظاهر أن المسلمين لم يحتاجوا في معاملاتهم اليومية مبدأ للتأريخ في حياة النبي صلى الله عليه وآله والى السنة السادسة أو السابعة عشرة للهجرة , وذلك في خلافة عمر بن الخطاب . وهذا الكلام لا يتناقض مع القول بأن نفس النبي صلى الله عليه وآله اعتمد التأريخ من سنة الهجرة ومن يوم ولوجه المدينة في ما أراد توثيقه من كتب وعهود لما ستعرفه من كون المسألة لابد لها من بيان الهي , واتبعه في ذلك عدد من الصحابة بل والتابعين حيث ينقل ذلك عدد من الرواة والمؤرخون , واعتمده مالك كما ذكره ابن الأثير في ايراده القصة : في كتابه البداية والنهاية - ج 7 - ص 85: "قال الواقدي وفي ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة ست عشرة - كتب عمر بن الخطاب التاريخ ، وهو أول من كتبه . قلت : قد ذكرنا سببه في سيرة عمر ، وذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان ، فقال : أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها ، أم التي بعدها ؟ ثم جمع الناس فقال : ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم . فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم ، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده ، فكرهوا ذلك . ومنهم من قال : أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك ، ولطوله أيضا . وقال قائلون : أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون من مبعثه عليه السلام . وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث . فاستحسن ذلك عمر والصحابة ، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها ، وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره : أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه عليه السلام إلى المدينة . والجمهور على أن أول السنة من المحرم ، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور ، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية". وهناك رواية أخرى في السبب خلاصتها أن كتابا ورد من عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري فيه ذكر شهر شعبان فكتب الى عمر متحيرا أي شعبان هو الفائت أم القابل؟ وقد استدل البعض لاعتماد يوم انتهاء رحلة الهجرة وسنتها من القرآن الكريم في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ {التوبة/107} لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {التوبة/108} أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {التوبة/109} فرأوا أنه يوم تأسيس النبي لمسجد قباء وهو يوم ولوجه المدينة , ثم انهم استدلوا بارادة الله اعتباره أول يوم في التأريخ الاسلامي بقوله تعالى : مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ . وفي هذا القول من الأشكال ما دعى السيد جعفر مرتضى الى الاستئناس به دون الاستدلال . راجع مبحث وضع التاريخ الهجري من كتاب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص) الفصل الثالث : أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة- السيد جعفر مرتضى - ج 4 - ص 171 - 183 . وهو على أهميته والجهد البالغ في محاولة استقصاء الموضوع قد ترك مناقشة قضيتين لأنهما من مباحث التقويم : الأولى ما جاء في بعض الروايات عن أبي عبدالله عليه السلام من أن " شهر رمضان رأس السنة " وأمثالها . والثانية تفسير قوله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ {التوبة/36} واكتفى بايراد كلام العلامة المجلسي في البحار : : " أن جعل مبدأ التاريخ من الهجرة مأخوذ من جبرئيل ( ع ) ومستند إلى الوحي السماوي ، ومنسوب إلى الخبر النبوي " . وكما ترى فان الآية تنص على كون السنة وتقسيمها من المعارف والقضايا الدينية الحقيقية لا الاعتبارية كما حاول العلامة المجلسي تقريبه بامكانية اعتبار أكثر من عنوان بالقول " وهذه الأمور تختلف باختلاف الاعتبارات ، فيمكن أن يكون أول السنة الشرعية شهر رمضان ، ولهذا ابتدأ الشيخ به في المصباحين ، وأول السنة العرفية المحرم ، وأول سنة التقديرات ليلة القدر ، وأول سنة جواز الأكل والشرب شهر شوال ، كما روى الصدوق في العلل بإسناده إلى الفضل بن شاذان في علة صلاة العيد : لأنه أول يوم من السنة يحل فيه الأكل والشرب ، لان أول شهور السنة عند أهل الحق شهر رمضان فالسنة الشرعية تبدأ من شهر رمضان" , فهذه المعارف يحتاج الى بيانها والارشاد اليها بالنبوات وهو مبحث يحتاج الى جهد آخر , ليس محله هنا ولا وقته . راجع بحار الأنوار – ج55 – ص – 337 فما بعد – مبحث الأزمنة وأنواعها .
استخدام التقويم والتأريخ في المجتمع الاسلامي :
وبالعودة الى الكلام عن التقويم في المجتمع الاسلامي , فان البحث التاريخي دلنا على استخدام التقويم القمري في أمور العبادات وعلى نوع من التوفيق مع التقويم الشمسي لضبط الخراج . وفي اختصار لطيف ذكر علي المنزوي نجل الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة - ج 8 ص 212 – 213 - 214: ".. كان الايرانيون في العهد الساساني يأخذون في كل مائة وعشرين سنة ، سنة ذات ثلاثة عشر شهرا ، اما بعد الاسلام فقد منع خالد بن عبد الله القسرى من اجراء هذا الكبيسة في ( 106 - 120 ه‍ ) بأمر من هشام بن عبد الملك ، وقال انها نسيئ ، فتأخرت السنة الاسمية عن السنة الشمسية الحقيقية فاضطرب التاريخ وتشوش موعد أخذ الخراج لانه لا يمكن اخذه الا على حساب الفصول الاربعة ووقت الحصاد ، فاضطر المعتضد العباسي في ( 282 ) إلى اجراء الكبيسة فاعاد النوروز إلى يوم كانت فيه في آخر العهد الساساني ، واخذ الخراج على الحساب الشمسي ، ومن هذا الوقت استعملت سنتان ، الهلالية للتاريخ ، والشمسية لاخذ الخراج ، وهذه الشمسية كانت تستعمل في المغرب مع الشهور القبطية والرومية وفى المشرق مع الشهور الفارسية وكانت السنة الخراجية تتأخر في كل ثلاث وثلاثين سنة ، بسنة كاملة عن التاريخ الهلالي فكانت الدولة تسقط تلك السنة عن التأريخ المالى تارة ، وهذا ما يسميه المقريزى في خططه بالازدلاق : ويحفظونها تارة أخرى ، أي يستعملون تاريخا ماليا شمسيا مستقلا في جنب التاريخ الهلالي ، قال في ( تاريخ وصاف ) ان في سنة ( 700 ) كانت السنة الخراجية تسمى ( 692 ) فسماها غازان خان سنة ( 700 ) أي ازدلقوا واسقطوا ثمانى سنوات ومعلوم أن هذا الاختلاف ( ثمانى سنوات ) انما نشأ عن اهمالهم اجراء عمل الازدلاق حدود مأتين وثمانين سنة ، وكذلك قال المقريزى أن في سنة ( 501 ) كانت تسمى السنة الخراجية ( 499 ) فازدلقوا واسقطو اسنتين فسموها ( 501 ) أيضا . ومعلوم أن اختلاف سنتين انما تنشأ عن اهمال اجراء عمل الازدلاق مدة ستين سنة ، وهذه الاختلافات والارتباكات كانت جارية ؟ حتى ( 4 - صفر - 1088 ) حين صدر الفرمان ، من السلطان محمد الرابع العثماني باستعمال السنة الشمسية مع الشهور السريانية الرومية للامور المالية والسنة الهلالية لضبط التاريخ ، ولرفع الاختلاف بينهما امر أن لا يهمل عمل الازدلاق في كل ثلاث وثلاثين سنة ، وأن يسقطو سنة واحدة في رأس هذه المدة من الحسابات المالية . وسمى هذه السنة المسقطة ب‍ ( سيويش ) وجرى هذا القانون حتى عام ( 1255 ) حيث ترك العمل بها ، فارتبك التاريخ من جديد ، وتأخرت السنة المالية العثمانية عن السنة الهلالية واستمر التأخر حتى نسخت الحكومة الجمهورية التركية التاريخ الهجرى برأسها واتخذت التاريخ الميلادى بدلا عنها ، وكذلك فعلت الدول العربية فنسخت التاريخ الهجرى شمسيها وقمريها واتخذت التأريخ الميلادى كتأريخ دولي عام . اما في ايران فكانوا يستعملون السنوات الهلالية لضبط التواريخ والسنة الشمسية الصحيحة الدقيقة الكاملة التى أحدثها ملك شاه السلجوقي والمعروفة بالتاريخ الجلالى لاخذ الخراج . وفى الهند كانوا يستعملون التاريخ الاكبر شاهى بدل الجلالى . ولكن هذين التأريخين لم يتمكنا من الرواج في البلاد الاسلامية ، وذلك لانهما نسخا مبدأ التأريخ الهجرى ، فكان يستعمل في ايران والهند تأريخان كل واحد مستقل عن الاخر احدهما هلالي ومبدؤه الهجرة والثانى شمسي ومبدؤه جلوس ملك شاه السلجوقي ، وجرت هذه العادة حتى ابرم المجلس النيابي الايرانى في ( 1304 ش = 1343 ق ) قانونا وحد التأريخ بأن اخذت ايران المبدأ الهجرى وحاسبت السنين شمسيا إلى اليوم وجعلتها التأريخ الرسمي للحكومة والشعب ، وهذا ما هو المستعمل اليوم في ايران وافغانستان . المصحح ، ع . م " . لكن ما لم يذكره الاستاذ المنزوي أن الشاه رضا بهلوي حاول الغاء هذا التأريخ الجديدوالعودة الى التأريخ بحسب الطريقة الشاهانية القديمة بعد السنين من تولي الشاهانات الايرانيين العرش. كان ذلك مصاحبا لأحتفاليته الكبرى بمرور الفين وخمسمائة سنة على تأسيس الأمبراطورية الفارسية , وهو ما واجهه الأمام الخميني قدس سره والعلماء في الثامن والعشرين من ربيع الثاني 1391 بالدعوة الى مقاطعة الأحتفالات وعدم اضاءة البيوت لبلتها كما أمر الشاه. وجدير بالذكر أن مصر شهدت في 29 رجب 1292 ه – أول أيلول(سبتمبر)1875 م , اصدار الخديوي اسماعيل باشا أمره باعتماد التاريخ الأفرنجي الى جانب التاريخ الهجري وهو ما لم يكن يعتمده حتى المسيحيون في مصر لأنه كما ذكر الدكتور محمد عمارة " تاريخ افرنجي " فكانوا يعتمدون التأريخ القبطي . وعندي كتاب نادرعنوانه سيرة عمر بن عبد العزيز تصنيف ابن الجوزي وتحقيق محب الدين الخطيب طبع في مطبعة المؤيد في القاهرة وعلى غلافه التأريخ : 1331 ه . ق – 1291 ه. ش , مما يدل على أنه كان ما زال مستخدما .
خاتمة :
لا أريد في هذه العجالة استقصاء التحول في البلاد الاسلامية الى اعتماد التأريخ الأفرنجي وتقويمه , ولكنني أتوقف عند ما أدى اليه من متغيرات ثقافية من آثارها هذا الجهل بمسألة التأريخ والتقويم الاسلاميين الذي يؤدي الى صعوبة كبيرة عند الذين اعتادوا معايشة التقويم والتاريخ الافرنجي عندما نتحدث اليهم عن مسائل اسلامية كمنتصف الليل الشرعي أو تسمية الليلة بالنهار اللاحق لا السابق وما اليها من عناوين أبسطها أن يختلط الأمر بين ليلة رأس السنة الهجرية وبين ليلة هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله . بينما يعرف صغارنا وفتياننا وشبابنا تواريخ الكثيرممن لا صلة لهم بديننا ولا أمتنا بل ممن لاقيمة انسانية عامة لهم . وليس التاريخ الأفرنجي هو التاريخ الذي اعتمده المسيحيون عبر التاريخ لا في المنطقة العربية ولا في غيرها الى زمن طويل .فضلا عن أنه قد واجه مشاكل كثيرة قبل الاستقرار على ما هو عليه الآن . وأكثر من ذلك ان هذا التاريخ ليس هو السائد في كل دول العالم اليوم , فما زالت الأمم التي ترى لنفسها تاريخا وتراثا تسير على تقويمها وتأريخها كالصين واليابان , بل ان عدونا الأسرائيلي ما زال يبدأ أسبوعه يوم الأحد لا الأثنين كما في كثير من الدول العربية والاسلامية مع الأسف .
وختاما لا بأس بالاشارة الى نقطة أخرى هامة , وان كانت خارج بحثنا, فان الحكومة السودانية بعد ثورتها الأسلامية حاولت تغيير مواعيد بدأ العمل الوظيفي ليتناسب مع الحياة الاجتماعية الاسلامية لجهة جعله أقرب الى شروق الشمس بحيث يستفاد من الوقت الضائع بينه وبين الساعة الثامنة التي درجنا عليها وهي تأسيس غربي يتناسب مع توقيتهم أكثر , ثم يكون وقت صلاة الظهر موعدا لانتهاء الفترة الاولى من العمل الصباحي الا انهم لم يوفقوا ولعلنا نعود الى هذا الموضوع لاحقا .

السبت، ديسمبر 27، 2008

غزة : دمنا هناك وعرضنا المسفوح -1-

إلى عرب الحوار:
هَذَا جَوابُ حِوارِكُمْ مِنْ جارِكُمْ !...
دَمُنا هُناكَ وأَهلُكُمْ ,
أَطفالُكُم
النَّاشئونَ وعِرضِكُم .
هل صار ماءً ما يدورُ برأسِكُم ؟
أَهوَ الخواء؟
مَنْ ماتَ أَنْتُم
والمُستباحُ حَريمُكُم .
والعِرضُ عِرضُكُمُ ... حتَّى إذا أسلَمْتمُوهُ
فإنَّهُ , عَارٌ بِكُم وسَتَحمِلوه .
وإنَّكُمْ
مِن أَجْلِ أَنَّكُمُ تركْتُموهُ , لنْ تُتْرَكوا .
لن تَهدأَ السَبَّابَةُ التي شَهِدَ الإلَهُ شُموخَها
لا لن تَهون .
حتَّى إذا ثارتْ بِكُمْ ثُوَّارُكُم , وصَرَخْتُمُ يا مُسلمين
صاحتْ بكُمْ :
الآنَ مَنْ ... جارٌ لَكُمْ مِنْ جَارِكُم؟
***
يا أيُّها الملأُ المَفتونُ بمالهِ وجلالهِ ورجالهِ
هل تَذْكُرون ؟
جَدٌّ لَكُم كانَتْ عَصَاهُ بالشِّمالِ وباليمينِ مُهَنَّدٌ
والضَرْبُ يَعلُوهُ مِنَ الأَمامِ ومِنَ القَفَا
مُتَحَيِّرٌ كيفَ السَبيلُ؟
ويَجْلِدُوهُ , أَعداؤُهُ ويُطَوِّحُوُهُ ,
مُتَهالِكٌ, ويُحَوِّطُوه ,
أَهْلُوُهُ نادوهُ اضْرِبْ وقاتِلْ
فأجابهم:
أَنَّى وإنِّي كِلْتَا يَدايَ مَشْغولةٌ...
حتَّى إذا نَادَتْهُ - مَفْرُوضُ الكَلامِ - وَليدَةٌ مَلْهُوفَةٌ:
إضْرِبْ بِها !
هَيَّأتَهَا أَنْتَ لِلنِّزالِ ولِلقِتال , أَجابَها :
ذَكَّرْتِنِي بالضَرْبِ وكُنْتُ ناسياً أو لاهيا
ها أَنْتُمُ اليَومَ هُوَ
اليومَ أَنْتُمْ مِثْلُهُ مُتَحَيِّرُون .
يا أَنْتُمُ !
يا المسلمون !
هذي الدماءُ بِغَزَّةَ
هذي النِسَاءْ
تَدعُوكُمُ مَلْهوفَةً
مَلهوفَةٌ تَدعُوكُمُ
هلْ تذكرون ؟ .....

الجمعة، ديسمبر 19، 2008

مشاركة في توقيع كتاب الشيخ فضل مخدر شقشقة قلم


مؤتمرات ومهرجانات شقشقة قلم: نخلٌ وعصافير سهول فسيحةٌ
بدعوة من "ديوان الكتاب للثقافة والنشر"، أقيم على مسرح قصر الأونسكو في بيروت، لقاء ثقافي لقراءة كتاب "شِقشِقة قلم" للشيخ فضل مخدر صاحب ديوان "صلة تراب"، ضم حشدا كبيرا من وجوه الثقافة والإعلام وأهل الفكر وحشدا كبيرا من الجمهور، انتهى بتوقيع نسخة الكتاب للحضور، وكان من بين المتكلمين الشيخ علي خازم الذي ألقى للمناسبة، كلمة عبّر فيها عن مدى إعجابه بقلم الشيخ مخدر وبراعته في التعامل مع اللحظة الإنسانية والإجتماعية بلغة أدبية رفيعة وبروح العارف لكل ما يجري حوله، خاتما كلمته بقصيدة تعبّر عن مضمون الكتاب وتحمل في جُملها الشعرية واقع ما نعيشه اليوم على مستوى الوطن العربي بكامله.وجاء في كلمته:
توجّع الشيخ فضل مخدر، أو انتشى سيّان.ففي كل مرة، يجد من قلبه ما يشق به عن قلوبنا ليزرع فيها صبَّارة أو اقحوانة.احتفاؤه بمبدع يشقُّ بنثرٍ أو شعر ليل هذه الأمة أو تسجيله لواقعة مدمية.تجد في شق قلم الشيخ او ريشته، لوناً جديداً لفجر يطلع، وصدىً لصوت مؤذن يسترجع، ومدىً لأرض تحلم بالخصب وبالطيور المهاجرة.في كل زاوية من صحائف شقشقة قلمه، انسان من لحم ودم يستثير فيك إنسيتك:فتبكي وتضحك.. وتصرخ وتضرب...شقشقة قلم الشيخ التي ستقرؤون:فيها هذه الأنسنة المقاومة التي تحاول تحطيم وثن الواقع الضاغط بثقله على أعصابنا. وهي من ومضات التفاؤل التي يبعثها ابداع المقاومين للانحطاط الذي تروّج له جهات وجهات...شقشقة قلم الشيخ تحاول إزعاج القارىء لها عن مرقد السكون والركون الى مركب النهوض والعمارة.وفينا من هو ـ مع الأسف ـ مهيءٌ لمقاومة هذا الازعاج الإيجابي ولسان حاله مع الشيخ ورفاقه:
كانت كؤوس الطـَلى في صرفها غِيَرٌإذا تُعاقر تزعجنا
حرَّمتها فعنها اليوم ننزجر
وأنت أنت اليوم تزعجناعن الراكدات من المِنـَى،إلى الراكضات على العنا
حُلّ عناخلـِّنا نُوَمٌ
فلا يلذ لناعلى عجزنابعد اليوم غيرُ " نم ِ"
شقشقة قلمٍ قال
ونحن قلنا لأميرك لمَّا شَقْشَقَ الكلِمَ
حُلَّ عنّا
قرٌّ وصرُّبردٌ وحرُّ
فما حلَّ حتى انتضت قطامُ سيفها وانبرى اللّجمُ
وما حلَّ حتى شقّ السيفُ جبهتَهُ وفار دمُ
فما تريد؟
***
شقشقة قلم
نخلٌ، عصافيرٌ، سهول فسيحةٌ
خُضرُ، مُقلٌ، وشفاه ذابلةٍ
دماءُ أطفالٍ، عظام مُهشمةٍ
من فجر صبرا إلى قاناومن صبر بغداد وغزّة دائما خبرُ
قد فتت الصخرَ
فتته ما همّني
فأنا قلبي ما مسَّه الشررُ
قلبي
قلبي هناك.. في محميَّةِ الخوص والبيد
لهفي
لهفي على الباندا، إذ أعيت فلم تحمل ولم تلدِ
فديتها بالمال إن تنجب
ما المالُ.. فليفدها ولدي
أمَّا أبا ناصر والصيصان
أمَّا عجوزك
أو عمياؤك وسراج الليل يصحبها
بليت حكايتهايا شيخ
فلماذا أنت اليوم مزعجنا
***
شقشقة قلم يا شيخ
أما دريت!قد غادر الشعراء من زمنٍ
دالت متردمُ فلا الشعر شعرٌولا يكاد النثر ينتظمُ
ولا
لست من مازنٍ
ولا قومي همُ
قومي لو استطاعو اكتفاءً بالوما لوَموا
لكن ويا أسفا
حتى الأشارة في لبنان تنقسمُ
ولكلِّ معاقٍ , حق المعاق فيه
كلام لا يشبه الكلمُ
سُمَّ، هراءٌ، طلاسم أحجيةٍ
فماذا تريد؟ توقظنا؟
يا برد قلبك وهل تفيق الأجثمُ
الروح عندك
وعند عصائب مجنونة
من كلِّ مفتتنٍ بدم الحسين لم يُهنِ
خلـّونا هنا وغذوا السير أنتم هناك
غذوا السير وانتصروا
الشيخ علي خازم
بيروت في 19/4/2008

الخميس، ديسمبر 18، 2008

نظرة في الصراع على المياه‏

مداخلة قدمت الى ندوة في مركز الدراسات الاستراتيجية – لبنان - 5/5/1994 الشيخ علي خازم
حُلَّت مشكلة المياه في العالم غير الاسلامي بوسائط منسجمة مع البنى الفكرية الحاكمة فيه، وقننت القضية ضمن مسائل ومصطلحات وثبتت بمعاهدات تفصيلية بينما ظل الاضطراب قائما في آسيا وافريقيا حيث تشتد الحاجة للمياه من جهة، ويشتد النزاع حولها من جهة اخرى. ولسنا نغفل عن كون اطراف هذه المشكلة ليست كلها دولا اسلامية(1) كما في افريقيا مثلاً , وكذلك بين باكستان والهند في كشمير. وعن كون جزء من المشكلة في العالم العربي من آسيا متعلق باغتصاب اسرائيل لاراض عربية، واستقدام يهود من انحاء العالم تبحث لهم في الواقع السياسي القائم عن حق في الشرب والشفة(2). ويلاحظ القارى‏ء للتاريخ الاسلامي ان المياه لم تكن سببا مستقلاً للحروب سواء في دار الاسلام نفسها، او بينها وبين الدول الاخرى. وانها انما شكَّلت في بعضها محورا من محاور الحرب فتعلقت احكام الفقهاء بها من هذه الناحية بالمقدار الذي استدعته لجهة البحث في جوازاستخدامها للتخريب على العدو او بقطعها عنه وما الى ذلك ‏(3). كما ينبغي ملاحظة ان تعدد الحكومات في دار الاسلام لم يمنع بقاء سلطة مركزية للفقيه والفقه في شأن المياه في جانب الحياة اليومية للمواطنين ، وهذه الملاحظة توضح كون الاحكام في هذا المجال وردت في صيغة مخاطبة المكلف الفرد، او المكلفين كأفراد، ولم تتعدَّ الى حالة التنازع بين الدول‏(4). فكيف ينظر المسلمون الى المشكلة وما هو تصور الحل؟

وحيث ان البحث يتصدى لمشكلة التنازع على المياه في منطقة لا تخرج بتصورنا عن كونها «دار الاسلام» فلا بد من تمهيد يتعلق بآثار التجزئة في العالم الاسلامي وما تبعها من تشكيل حكومات مختلفة لبيان حدود سلطة هذه الحكومات، والمدى الذي يمكن ان تبلغه في استقلالها وسيادتها على ضوء واقعها والتزاماتها الفعلية بالأطر والمؤسسات والهيئات الدولية كالامم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي.. الخ.
1- سلطة الفقه الاسلامي وتعدد الحكومات‏ :
ظلَّت سلطة الفقه في دار الاسلام مركزية مهما تعددت الحكومات وتخالفت (السلطنة العثمانية والشاهنشاهية الفارسية مثالاً). ولئن ناقش البعض في هذه الرؤية فانه لا ينفي ان انعدام تأثير مشيخة الاسلام (العثمانية مثلاً) في بعض نواحي العالم الاسلامي كان نتيجة لايجاد سلطة مركزية بديلة شكّلت جهازها الفقهي، فمهما اقترب الحاكم او ابتعد عن الالتزام الشخصي باحكام الدين، وكيفما تصورنا النزاعات الطارئة بين طالبي السلطة فانهم كانوا يتميزون بين موقفين: إما طلب امارة مستقلة عن ما حولها من الامارات او الولايات، لكن ضمن النظام السياسي الاساسي، واما الطموح الى ترؤس هذا النظام السياسي نفسه. ولم يشهد العالم الاسلامي الخاضع للسلطنة العثمانية بما هي استمرار للخلافة بشكل او بآخر نزعة استقلالية تدعي السيادة الكاملة بالمفهوم الحديث إلا ما ندر، ومع ذلك فانها شأنها في ذلك شأن بقية الدول الاسلامية المخالفة للسلطان العثماني ظلت «دار اسلام» باعتبار النظام العام‏(5) والانتماء. ولم يعرف العالم الاسلامي حتى انهيار السلطنة العثمانية، وما واكبه في ايران من سقوط الأسرة القاجارية على يد رضا خان، نغمة التفكيك بين الفقه الاسلامي والاحكام القانونية. لكن مع نفوذ السيطرة الاجنبية في انحاء الدولة العثمانية نفسها، وتقسيمها من ثم الى دول ذات سيادة، ومع نفوذ هذه القوى في الاقاليم الاسلامية غير الخاضعة للسلطنة كذلك، اتجهت هذه الدول الناشئة في دار الاسلام الى اعتماد دساتير خاصة بكل منها وتفريع احكام قانونية لا تعتمد بشكل كامل على الفقه الاسلامي. وان عدَّ اكثرها الاسلام دينا رسميا للدولة فانه لم يعتبره الا واحدا من مصادر التشريع. ان عدم اعتماد الدول المذكورة للحكم الاسلامي بشكل كامل عدا البعض منها لا يسمح باعتبارها دولاً غير اسلامية في المطلق، خصوصا مع التزام انظمتها بعضوية منظمة المؤتمر الاسلامي التي شكلت عام 1972، وبهذا الالتزام يجعل انتماءها للأسرة الدولية مرهونا بعدم التعارض مع مقتضيات عضوية منظمة المؤتمر الاسلامي. وهكذا، فان تعدد الحكومات بتعدد الدول المسلَّطة على دار الاسلام في العصر الحالي لم يخرج في الظاهر عن صورة التعدد التي عرفناها في التاريخ الاسلامي سابقا، وصارت منظمة المؤتمر الاسلامي وما اليها من مؤسسات اسلامية متخصصة اطارا جامعا وبديلاً للنظام السياسي الاساسي الذي كان يستقطب انحاء واقاليم مختلفة من دار الاسلام قديما. ولا نريد هنا تزيين هذا الحكم او ذاك، او تجاهل ارتباط انظمة سياسية بما يعادي مصالح المسلمين المحكومين منها، او من حولها، ولكننا و في معرض البحث الواقعي عن صورة المشكلة وحلِّها، ليس بيدنا إلا ان نأخذ هذه الدول بما التزمت به، ونحن نعرف ان بعض المعاهدات تعدَّ في القانون الدولي من مصادر التشريع‏(6) وهي في الاسلام كذلك ضمن الاعتبارات المرعية في اجرائها(7). وقد لاحظ بعض الباحثين في مجال القانون الدولي ثغرات عديدة اعاقت تشكيله واهمها « سيادة الدولة المطلقة» و«النزاعات العقائدية» و«الحكومات الثورية» فتنبأ ب«ان نظاما قانونيا اقليميا آخذ بالظهور والتبلور على حساب نظام قانون موحد على اساس عالمي»(8). ولعل التعاهد ضمن منظمة المؤتمر الاسلامي يساعد على تقنين حلول مشكلة الاستفادة من المياه ولعلها تساهم في حل مشكلات اطراف العالم الاسلامي بما تمليه الاتفاقيات والعقود من الزام مع غير المسلمين في هذه المسألة وهو ما سنشير اليه ب«قانون اقليمي اسلامي خاص بالمياه». ان اي تصور لحل معاصر يستحيل بتجاوز اعتبار الدول المتعددة في العالم الاسلامي دولاً اسلامية بالمعنى المذكور سابقا، او غاصبة محاربة على ارضه كما «اسرائيل» او دولاً معاهدة او محايدة في أطرافه. ولهذا الاعتبار كما ذكرنا اساسه التاريخي من حيث الشكل وله مناشى‏ء اخرى كالالتزام والمعاهدات التي أشرنا اليها. وان اي تغيير في طبيعة انظمة العالم الاسلامي وهو محتمل دائما لا يخشى معه من نقض هذا القانون الاقليمي الاسلامي لا مع المسلمين ولا مع غيرهم باعتبار الدليل العقلي والشرعي: « واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولاً»(9). «الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا، فأتموا اليهم عهدهم الى مدتهم، ان الله يجب المتقين»(10). وما يحذر منه البعض في اختلاف تصوير المصلحة يمكن ايجاد ضوابط له ومراجع لتحديده كهيئات مختصة للتحكيم. بهذا الطرح اذا يمكن تثبيت اي حل يقدم لعلاج اي مشكلة وخصوصا في ما نحن بصدده بين الدول الاسلامية نفسها وبينها وبين الدول الاخرى. أما الغاصب فقد أقرَّت جميع الشرائع ان لا حرمة له، ومهما حاولت القوى العظمى تسويقه كواقع قائم فانه يبقى كذلك. ولا تكون اتفاقات الدول الاسلامية معه ان عقدت ملزمة بأكثر مما تلزم به الهدنة مع المحارب كما تعرضت لها احكام الجهاد في الفقه الاسلامي. ان هذه الاتفاقات لا تؤسس واقعا جديدا تتغير معه صفة «الدولة» الغاصبة حتى ان صح في هذه الاتفاقات ما يعتبر في عقد الاتفاقات والعهود وفق الاحكام الاسلامية وهو بعيد(11). وغني عن التوضيح هنا اهمية المياه في البناء الاجتماعي عموما، وقد اعتبرها القرآن الكريم اساس الحياة: «وجعلنا من الماء كل شي‏ء حي»(12) فان هذه الصفحات غير معدَّة لتقديم الصورة الاسلامية الشاملة لمسألة المياه فغرضها كما هو واضح مقاربة الاحكام الفقهية(13)، وقد صيَّرتنا حال التجزئة للعالم الاسلامي الى ما نحن عليه من اختلاف وتنازع داخل الدولة الاسلامية نفسها، وبينها وبين بعضها البعض، وبينها وبين دول مجاورة، وبين بعضها والكيان الاسرائيلي الغاصب. فثمة مشكلات حول المياه وحقوق الاستفادة والاستخدام لها في انحاء العالم الاسلامي واطرافه من الهند واثيوبيا الى تركيا وضمنا المشكلة القائمة مع الاطماع الاسرائيلية. وبطبيعة الحال فان الشأن مع «اسرائيل» يختلف عنه مع الهند واثيوبيا وتركيا، فالاولى غاصبة ولها احكامها كما ذكرنا، والثانية والثالثةبين الحياد والمعاهدات،والرابعة حكومة مستقلة على جزء من العالم الاسلامي وعضو في منظمة المؤتمر الاسلامي. والى هنا يكون هذا التمهيد قد أوصلنا الى امكانية اعتبار الدول الاسلامية مستقلة في ادارة الثروات العامة ضمن دار الاسلام. فما هي احكام الاسلام في هذه الثروات، وفي المياه منها بشكل خاص؟
2- الثروات الطبيعية واحكامها في الاسلام‏ :
تؤكد الاحكام الاسلامية على اشتراك الناس في الثروات الطبيعية التي سخَّرها الله لهم بقوله تعالى: «وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الارض جميعا»(14). ولكن هذا الاشتراك يختلف من حيث الاحكام المترتبة عليه، باختلاف الثروة المبحوث فيها. وقد نظر الفقهاء الى هذه الثروات من جهات عدة:
أ - مكان وجودها .
ب- طبيعتها .
ج- الحاجة اليها.
فمن الجهة الاولى، بحث الفقهاء في ما وجد منها فوق الارض، وما وجد في باطنها، وقسَّموا الاخير الى ما كان قريبا من سطح الارض، وما له عروق عميقة(15). ومن الجهة الثانية بحثوا في ما يوجد منها مستقلاً، وما يحتاج الى عمل وجهد لكي يتميز عن غيره من المواد. ومن الجهة الثالثة بحثوا في ما لا يمكن الاستغناء عنه لبقاء الجنس البشري وما يعتبر من مصادر المعاش المتنوعة للناس دون ان تكون ضرورية. وهكذا اعتبر الشهيد السيد محمد باقر الصدر المصادر الطبيعية للانتاج:
1- الارض، وهي أهم ثروات الطبيعة.
2- المواد الاولية التي تحويها الطبقة اليابسة من الارض كالفحم والكبريت والبترول والذهب والحديد ومختلف انواع المعادن.
3- المياه الطبيعية التي تعتبر شرطا من شروط الحياة المادية .
4- بقية الثروات الطبيعية، وهي محتويات البحار والانهار من الثروات التي تستخرج بالغوص او غيره كاللألى‏ء والمرجان، والثروات الطبيعية المنتشرة في الجو كالطيور والاوكسجين، والقوى الطبيعية المنبثة في ارجاء الكون، كقوة انحدار الشلالات من الماء.. وغير ذلك من ذخائر الطبيعة وثروتها(16).
ولمَّا كانت هذه الثروات مسخَّرة للانسان كما ذكرنا، كان لا بد من تمييز احكام التسلط عليها بما يحفظ هذا الحق لكل انسان بما هو فرد له حاجاته الطبيعية وشهواته، وبما هو جزء من المجتمع الانساني الذي يجب ان يستمر في حال توازن. فجاءت الاحكام الاسلامية لتميز بين ما يقبل الملكية الخاصة وما هو غير قابل لها بحال‏(17) وبالتالي يكون واقعا تحت أحد العناوين التالية:
أ- ملكية الدولة: وتعني تملك المنصب الالهي في الدولة الاسلامية الذي يمارسه النبي او الامام على نحو يخوله التصرف في رقبة المال نفسه كتملكه للمعادن مثلاً.
ب- الملكية العامة: وتشمل:
- ملكية الأمة الاسلامية بعملها السياسي مثلاً للأرض المفتوحة.
- ملكية الناس ومقتضاها عدم السماح لفرد او جهة بتملك المال والسماح للجميع بالانتفاع منها كما في البحار والانهار الطبيعية.
- ملك الدولة الذي تعلق به حق عام للناس فلا يباح لولي الأمر التصرف فيه.
ج - الحق الخاص: اختصاص ناتج عن اختصاص آخر وتابع له في استمراره ولكنه لا يعطي حق حرمان الغير من الاستفادة بشكل تنظمه الشريعة.
د - الاباحة العامة: وهي حكم شرعي يسمح بموجبه لأي فرد بالانتفاع بالمال وتملكه ملكية خاصة والمال الذي تثبت فيه هذه الاباحة يعتبر من المباحات العامة كالطير في الجو والسمك في البحر. والكلأ في الارض المباحة(18). ولن نتعرض هنا لتفاصيل تعلق هذه الاحكام بموضوعاتها لننتقل الى غرضنا الاساسي وهو الحكم في المياه كثروة طبيعية.
3- المياه الطبيعية واحكامها :
لا خلاف بين المسلمين في اشتراك الناس بالماء لما رواه الفريقان عن رسول الله (ص) باختلاف يسير في اللفظ: «الناس شركاء في ثلاثة: النار والماء والكلاء»(19). «الناس شرع سواء في ثلاثة اشياء الماء والكلاء والنار»(20). ومؤدى هذا الاشتراك ان لكل الناس ان يستفيدوا من الماء على نحو الشركة الاباحية(21) دون تملك الرقبة، وبتعبير الشهيد الصدر هي من «المشتركات العامة بين الناس» التي تعتبر من «الملكية العامة»، فالمسلم وغيره في ذلك سواء لاجماع الفقهاء المسلمين، وأصل الاباحة، وعدم معارضة الحديث المروي عن الامام الكاظم عليه السلام: «ان المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء»(22)، وما رواه ابو داود وابن ماجة واحمد ابن حنبل «المسلمون شركاء في ثلاث، في الماء والكلاء والنار». ولا يتوقف هذا الاشتراك عند مصادر المياه السطحية بل يشمل «المصادر المكنوزة في اعماق الطبيعة التي يتوقف وصول الانسان اليها على جهد وعمل»(23) فاذا بذل الجهد والعمل في استخراجها صار للانسان حق الاولوية بها، اما لو بذل الجهد في حيازة ماء من المصادر السطحية فانه يملك ما حاز منها فقط. وقد مر معنا الفرق بين الحق والملك وخلاصة ان الحق لا يبيح لصاحبه منع المنفعة للآخرين مع قضاء حاجته من الثروة العامة، أما في الملك فلا يجبر صاحبه على ذلك إلا للضرورة(24).
وبهذا يظهر معنا ان ملك الماء يتصور بأحد الطرق الآتية:
1- الانتقال: كالبيع والهبة والارث لماء محرز او لبئر او ما اليها..
2- حفر البئر والوصول الى الماء.
3- احراز الماء المباح، بمعنى جمعه في وعاء او حوض‏(25) وفرّقوا بين الاحراز بقصد الانتفاع فانه يستحقه به، والاحراز بقصد الملك فانه يملكه به.
أما مورد الاباحة العامة للناس فهو ما عرف اصطلاحا ب«النهر العام» في مصادر الفقه الحنفي، او «النهر الكبير» كما في الفقه الشيعي، وكذلك بالبحيرات والانهار الصغيرة التي لم يجرها احد من الناس.
جاء في «المجلة العدلية»(26):‏ "المادة 1234: الماء والكلاء والنار مباحة، والناس في هذه الاشياء الثلاثة شركاء. المادة 1236: الآبار المعدَّة لانتفاع كل وارد، وليست محفورة بسعي شخص مخصوص وعمله هي من الاشياء المباحة والمشتركة بين الناس. المادة 1237: البحر والبرك الكبيرة مباحة. المادة 1238: ما ليس مملوكا من الانهار العامة التي لم تدخل في المقاسم يعني في المجاري المملوكة مباح ايضا كالنيل والفرات والطونة والطونجة".
وجاء في «تحرير الوسيلة»(27): "مسألة 24: ومن المشتركات المياه، والمراد بها مياه الشطوط والانهار الكبار كدجلة والفرات والنيل، او الصغار التي لم يجرها أحد بل جرت بنفسها.. وكذلك العيون المنفجرة من الجبال او في اراضي الموات، والمياه المجتمعة من نزول الامطار فان الناس في جميع ذلك شرع سواء. ويلحق بها الزائد من الماء عن حاجة الفرد."

وقد استوقفتني مسألة ترك الضوابط لتحديد النهر الكبير او النهر العام للأمثلة فلم يشر مثلاً الى طولها او قوتها او عمقها وما الى ذلك والامر نفسه يرد بخصوص البحيرات والانهار الصغار، او مسألة موقعها «حدودية» او «محلية» فانه يتضح بما ذكرناه في القسم الاول (حاشية رقم‏4). ويمكن اعتبار العرف او التاريخ مصدرا لتحديد كون النهر الكبير والبحيرات.. الخ من المشتركات. وقد ألحق الفقهاء بهذه المسائل ما يتعلق بها من حقوق فذكروا احكاما لحل التنازع بين الأفراد في الحقوق المترتبة كحق الشفة وهو شرب الانسان، وحق الشِرْب وهو نوبة الانتفاع من الماء لسقي الحيوان والزرع، وحق المجرى وهو الشق الذي تدار فيه الماء من المباحات العمومية الى ملك شخص معين فقالوا ببقاء القديم على قدمه فيها إلا مع الاعراض.
وحيث اتفق المسلمون على منع الضرر فقد بحثوه هنا في صور، منها:
- تحويل المياه المبتذلة الى الانهار والآبار.
- حفر آبار للمياه المبتذلة بقرب آبار الشفة والشرب.
- التعدي بحفر الآبار في حريم (مسافة) معين لكل من البئر وهي ما يستقى منها الماء بالدلو، والعين وهي التي يعين عنها الماء اي يظهر جاريا، والقناة وهي الآبار التي تحفر في ارض متتابعة ليستخرج ماؤها ويسبح على الارض، والنهر وهو الاخدود الذي يجري فيه الماء المتسع وهو فوق الساقية.
- كري الطين الذي يسد المجاري.
- شق الانهر الجديدة بما يغيِّر المجرى القديم للانهار او يضعفها.
ويمكن تصور وجوه للضرر تتعلق بالثروة المائية على مستوى الدول اليوم كما في احداث تغيير في الطبيعة مثل محاولات وصل البحار، وتشكيل احواض جوفية، او استخدام الاستمطار الصناعي. ومما لا بد من النظر فيه ايضا حدود المياه الاقليمية واحكام ضفاف الانهار وشواطى‏ء البحار المعبَّر عنها في المصطلح الفقهي بسيف البحر.
وقد أُعطي اهل الخبرة في حل هذه المشاكل دورا مهما على اساس الحدس الصائب، وانما كان ذلك حيث لم يكن الوصول اليه علميا ممكن‏(28)، وكذلك فان الشيخ كاشف الغطاء اعتبر المسافات المفروضة لعدم الاضرار بالآبار والعيون والانهار الموجودة في الكتب الفقهية والحديثية غير تعبدية بل مبنية على افتراضات عصورها فيمكن تجاوزها الى ما يقوله العلم‏(29).
ويبقى ان المباحات العامة من المياه السطحية مجعولة تحت تصرف الحاكم الشرعي ولا بد فيها من إذنه، فان التملك للمباح بالاحياء محصور في الارض الموات اذ هي مورد الحديث الشريف «من أحيا أرضا فهي له» عند من قال به من الجمهور والامامية اما مالك وابو حنيفة فقد قالا لا بد من اذن الحاكم»(30). ونص دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية على ذلك :
«المادة 45: الانفال والثروات العامة مثل الاراضي الموات والاراضي المهجورة والمعادن والبحار والبحيرات والانهار وكافة المياه العامة، والجبال والوديان والغابات ومزارع القصب والاحراش الطبيعية، والمراتع التي ليست حريما لأحد والارث بدون وارث، والاموال المجهولة المالك والاموال العامة التي تسترد من الغاصبين: كل هذه تكون باختيار الحكومة الاسلامية حتى تتصرف بها وفقا للمصالح العامة وبالقانون يحدد تفاصيل وطريقة الاستفادة من كل واحدة منها»(31).
وهذا الجعل مأخوذ فيه ولاية الفقيه، او الحاكم الشرعي لضمان حقوق الناس وتنظيم الاستفادة من المياه مع ازدياد الحاجة وشح المصادر، ويمكن توضيحه بأن تصير الدولة وكيلاً عن الناس في ملكية الناس للماء كثروة طبيعية وفي الحيازة لما يحتاج منها لتوزيع مياه الشفة والشرب وتوليد الطاقة، دون ان يتحول الى ملكية عامة للدولة. وهكذا تصير الدول والحكومات في اقاليم العالم الاسلامي وكيلة عن المسلمين ومؤتمنة على الثروات العامة في بلادهم واهمها المياه.
4- القانون الاقليمي‏(32) الاسلامي للمياه:
ختاما، يصل بنا البحث عن حل للمشكلة القائمة حول استخدام المياه والاستفادة منها في العالم الاسلامي الى النقاط التالية:
أ- المياه ثروة عامة يملكها الناس (المواطنون في العالم الاسلامي) ولا تملكها الدول القائمة.
ب- غاية ما يمكن اعتبار علاقة الدولة بالماء هي علاقة الوكيل عن المواطنين.
ج- هذه الوكالة (ولو بعنوان الفضولية) توجب التعاون بين الحكومات المذكورة لحفظ حقوق المواطنين.
د- يخرج عن صفة المواطنية في العالم الاسلامي اليهود الغاصبون لفلسطين والاراضي العربية الاخرى.
وحيث ان الحكومات المذكورة ومن حيث اعتبار الاهلية الكاملة والسيادة قد انضوت في اطار اقليمي هو منظمة المؤتمر الاسلامي والتزمت بميثاقها فانها تعتبر مؤتمنة على الثروات العامة الواقعة ضمن حدودها. وهي بالتالي مدعوة لايجاد قانون اسلامي للمياه يحفظ منفعة سكانها وحاجاتها المستقبلية ضمن خطط معقولة المدى، وتقدم للآخرين منفعة الفائض عن ذلك وفق «قاعدة لا ضرر» و«قاعدة ابقاء القديم على قدمه» بما يخص استخدام المياه والتصرف في روافد الانهار الكبيرة، وتحل النزاعات الواقعة والمحتملة بواسطة المجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الاسلامي. على ان يلحظ هذا القانون بشكل واضح وصريح استعمال الثروة بصورة لا تمكن «اسرائيل» او اي دولة او جهة غاصبة لحق من حقوق المسلمين من البقاء والاستمرار في غصبها واعتدائها على المسلمين. والحمد لله رب العالمين‏ 23 ذي القعدة 1414
ــــــــــــــ
الهوامش‏ (1) بمعنى انها تضم اكثر من 50% من المسلمين بين سكانها، وهذا هو الأصل المتبَّع اليوم لتمييز العالم الاسلامي عن غيره، والتمييز المعروف يقسم العالم الى دار الاسلام ودار الكفر، وهذه دار حرب ودار غير حرب والاخيرة معاهدة وغير معاهدة. راجع: محمود شاكر: سكان العالم الاسلامي، ص‏9. د. وهبة الزحيلي: العلاقات الدولية في الاسلام، ص‏103 الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، اوائل المقالات، ص‏107 (2) في الاصطلاح الفقهي، الشفة: شرب الانسان. الشرب: سقي الحيوان والزرع. (3) راجع ابواب الجهاد من موسوعات الحديث الشريف والفقه. (4) ولهذه الملاحظة تفسير آخر بضرورة ظهور الدين الاسلامي على الاديان والعقائد الاخرى، وشمول احكامه العالم كله فيكون افراد الجنس البشري المسلمين منهم وغير المسلمين مخاطبين بالاحكام الفرعية. وهذا البحث تتعرض له كتب اصول الفقه. راجع: الشيخ محمد الخضري، اصول الفقه ص‏106. و: الصدر، السيد محمد باقر، الحلقة الثالثة ج‏1ص‏ (5) هو الأساس السياسي والاجتماعي والاقتصادي والخلقي الذي يقوم عليه كيان المجتمع في الدولة.. وكل اتفاق يخالف النظام العام يكون باطلاً بطلانا مطلقا: الموسوعة العربية الميسرَّة وقد حرَّم فقهاء المسلمين مخالفة النظام العام. (6) جيرهارد فان غلان، القانون بين الأمم، ج‏2، ص‏168. (7) «لو اوقعت احدى الدول الاسلامية عقد رابطة مخالفة لمصلحة الاسلام والمسلمين، يجب على سائر الدول الجدُّ على حل عقدها بوسائل سياسية او اقتصادية كقطع الروابط السياسية والتجارية معها.. وامثال تلك العقود محرَّمة باطلة في شرع الاسلام». الامام الخميني، تحرير الوسيلة، ج‏2، ص‏446. (8) القانون بين الامم: م.س. ج‏3، ص‏234 (9) الاسراء، الآية 34. (10) التوبة، الآية 34. (11) راجع الامام الخميني: تحرير الوسيلة، ج‏2، ص‏445 فما بعد. 12) الانبياء، الآية 4. (13) وهذه الاحكام لا تنفصل بطبيعتها عن أساسها الحضاري الا ان بحث ترابطها يحتاج الى مقام آخر. (14) الجاثية، الآية 45. (15) السيد محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص‏476 (16) م.ن. ص‏415 416. (17) د. وهبة الزحيلي، الفقه الاسلامي وادلته ج‏5، ص‏490 (18) اقتصادنا، م.س. ص‏709 701 سليم رستم باز شرح المجلة ص‏676 681 (19) (20) مستدرك وسائل الشيعة الباب 4 من كتاب احياء الموات، الحديث‏2، ج‏3، ص‏150 الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار , رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات ."الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، وثمنه حرام" رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عباس. (21) شرح المجلة: م.س. ص‏676، وقال الشيخ كاشف الغطاء في تحرير المجلة ج‏2 ص‏247 «ان الشركة هنا لغوية لا بمعناها المصطلح، بل الاشتراك هنا بمعنى عموم الحكم لعامة البشر». (22) الحر العاملي وسائل الشيعة الباب‏5 من كتاب احياء الموات الحديث‏1، ج‏17، ص‏331 (23) اقتصادنا، م.س. 491 492، شرح المجلة م.س ص‏676 (24) تحرير المجلة: م.س. ص‏253 (25) شرح المجلة م.س. ص‏679، تحرير المجلة ص‏250- 251، اللمعة الدمشقية ج‏7، ص‏184، تحرير الوسيلة م.س. ص‏185 192. (26) شرح المجلة م.س. ص‏676 فما بعد (27) تحرير الوسيلة م.س. ج‏2 ص‏192. (28) تحرير الوسيلة م.س ج‏2 180 (29) تحرير المجلة م.س. ج‏2 ص‏256 (30) الفقه الاسلامي وأدلته، م.س. ج‏5، ص‏503. تحرير المجلة م.س. ج‏2 ص‏254 (31) انصاريان، علي: دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية ص‏63 (32) تقصد به ما يقابل «العالمي»، حيث لا يرجح تطبيقه الا على اقاليم العالم الاسلامي.
مصادر ومراجع‏ (1) القرآن الكريم‏ (2) الحر العاملي: وسائل الشيعة، دار احياء التراث العربي، بيروت‏ (3) النوري، ميرزاحسين: مستدرك الوسائل، المكتبة الاسلامية، طهران 1321ه. (4) الصدر، السيد محمد باقر: اقتصادنا، دار التعارف، الطبعة العشرون، 1987 (5) الزحيلي، د.وهبة: الفقه الاسلامي وأدلته، دار الفكر، الطبعة الثالثة، بيروت 1989: العلاقات الدولية في الاسلام، مؤسسة الرسالة، الطبعة الاولى بيروت 1981م. (6) شاكر، محمود، سكان العالم الاسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1976 (7) الخضري، الشيخ محمد، دار المعارف، تونس 1989م. (8) فان غلان، جيرهارد: القانون بين الامم، دار الآفاق الجديدة. بيروت‏ (9) الامام الخميني، تحرير الوسيلة، مؤسسة النشر الاسلامي، قم 1404ه. (10) رستم باز، سليم: شرح المجلة (مجلة الاحكام العدلية العثمانية) المطبعة الادبية، بيروت 1923م‏ (11) آل كاشف الغطاء، الامام الشيخ محمد الحسين: تحرير المجلة، مكتبة النجاح طهران. صورة عن طبعة المكتبة المرتضوية، النجف الاشرف العراق 1361ه. (12) انصاريان، علي: دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية مع دليل وفهارس، المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية الايرانية بدمشق 1405ه 1985م. (13) الموسوعة العربية الميسَّرة، دار الشعب، الطبعة الثانية، القاهرة 1972.

ألبوم الصور