الأربعاء، يونيو 09، 2010

الإمام علي (ع) وأثره في التصوف العملي


الشيخ علي خازم
مؤتمر نهج البلاغة والفكر الإنساني المعاصر , دمشق ,1414 هجرية / 1993 ميلادية.
إختلف المؤرخون للتصوف الإسلامي في مصادره التي انطلق منها، هل هي الكتاب و السّنة و سيرة الصحابة، أم هي مصادر وافدة: هندية و مسيحية...الخ.
واختلفوا في موافقة ما ذهبت إليه الصوفية لللإسلام او خروجه عنه، ومما قاسوا عليه في هذا المجال اقوال و مذاهب كان لبعضها حظ في الإنتشار في المجتمع الإسلامي وبعض دون ذلك.
و لعل أبرز ما اختلف فيه في هذا المجال هو علاقة التصوف بالتشيّع لعلي بن أبي طالب عليه السلام. و لئن عمل أكثر علماء الشيعة الاثني عشرية على إدانة التصوف من حيث هو طريق مختَرَع للسموّ الرّوحي والعلاقة بالله عزَّ و جلّ- لا من حيث غايته - فإن مذهب من رأى علاقة ما بين التصوّف و التشيّع قد ركّز على إعتبار أمير المؤمنين المعين الذي صدر عنه الصوفيّة في مشربهم درجة أولى، ثم حاول أن يوفِّق بين بعض مقالات الصوفيّة و بين بعض مقالات الشيعة لعلي بن أبي طالب على أيّ نحو كان هذا التشيّع.
و إذا استطعنا فهم هذا التوفيق من حيث ابتنائه على إعتبار التصوّف و التشيّع متقابلين كاتجاهين بغض النظر عن الاختلافات الداخلية فيهما، وهو أمر يبعد عن الموضوعية، فإننا نحتار في فهم الشدّة و القسوة لدى بعض الباحثين من حيث الإصرار في اتجاههم على نفي كل علاقة لعلي عليه السلام بالتصوّف و من أن يُعدّ مؤثراً في حدوث الإتجاه الصوفيّ.
إنتساب الصّوفيّة لعلي عليه السلام:
إن الحكم بعدم مشروعية السلوك الصوفيّ يرجع إلى إعتباره تشريعاً لم يأت أصحابه بدليل صحيح عليه من الكتاب و السّنة ، فضلاً عمّا أدّى إليه في مراحله المتأخرة من توهّم الحلول والإتحاد، فهو إذاً إختراع محض. و هذا الإعتراض هو جوهر إشكال علماء المسلمين على الصّوفيّة.
وإذا قٌبلَ هذا الإعتراض كمادة أساسية في نقاش دعاوى الصوفية فإننا لا نستطيع دفع جوانب أخرى ساهمت في تشكيل هذا الإتجاه الروحي بين المسلمين، ومن أهمّ هذه الحوانب كما يدّعيها المؤرخون: الزّهد و الفتوة وهم يعدّون الإمام علي بن أبي طالب رأس سلسلة إسنادهم والمؤثر الأهم، وهذا التأثير ليس محكوماً به استنباطاً فقط ، بل هو مما أقَرَّ به كبار الصّوفيّة ونقل عنهم حتى اشتهر.
ذكر ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة:
" ومن العلوم علم الطريقة و الحقيقة وأحوال التّصوّف، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون وقد صرَّح بذلك الشبلي والجنيد وسري وأبو زيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم و يكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم حتى اليوم و كونهم يسندونها إليه عليه السلام".
كذلك في الفتوة فإننا ننقل عن ابن أبي الحديد:
" وما أقول في رجلٍ أحبَّ كل أحد أن يتكثَّر به، وودَّ كل أحد أن يتجمّل و يتحسَّن بالإنتساب إليه حتى في الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها" أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك" ، فإنّ أربابها نسبوا أنفسهم إليه و صنّفوا في ذلك كتباً، وجعلوا لذلك إسناداً أنهوه إليه، وقصروه عليه، و سمّوه سيّد الفتيان، و عضدوا مذهبهم بالبيت المشهور المروي أنَّه سُمع من السماء يوم أُحُد: "لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي".
نعم، قد يؤخذ على الفتوة كما يؤخذ على غيرها خروجها عن الإسلام و أحكامه في موارد متعددة، ولكننا لا نرى مبرراً لمن يذهب إلى دفع الزهد العلوي من أن يكون ملهماً للزهد عند من أتوا بعده، أو فتوته عليه السلام أن تكون مصدراً للفتوة اللاحقة غير كون هؤلاء يقرؤون التاريخ محاكمبن و مقدسين، وبمعنى آخر إنهم ينفون عن "الصّوفيّة" و "الفتيان" حق الإنتساب لعلي عليه السلام، متناسين وجود اتجاهات منحرفة كثيرة بلغت حدَّ الغلوّ فيه دون أن تُسئ إليه أو إلى أتباعِه و شيعته المخلصين له، وقد يكون منشأ الإنحراف دخيلاً على جماعة تأسست في صورة معتدلة أول نشوئها.
نزاع و محاكمة:
إننا في موضع المحاكمة لهذين الإتجاهين: الزهد و الفتوة نستطيع أن نرسم حدودهما العلويّة لنُخرِج كل الإنحرافات و الشطحات عن دائرة ساحته عليه السلام، ويمكن لنا أن نشكك في صحة السند المعنعن في إلباس الخرقة عند الصّوفية، أو إلباس السروال عند الفتيان وما إليها من تفاصيل عملية ونظرية وفي إيصال هذا الشك إلى منتهاه الإثباتي نفياً كفاية لتبرئة ساحة من يحق لهم الإنتساب والتشيّع لعلي مما يدَّعى بحقِّهم زوراً وجهلاً.
إنّ الحدّة في طرفي إشكالية العلاقة بين التّصوّف والتشيّع قد نشأت من إصرار المدّعين على حمل كل ما ورد في الإتجاه الصّوفيّ ونظرياته على مذهب الشيعة بعنوان موالاة علي مطلقاً، واقتناص لآراء لم يتبنّها أكثر من أصحابها ممن انتسب إلى التشيع لتكون دليلاً على ما اتجهوا إليه.
وفي المقابل، استند الطرف المعترض من الاثني عشرية إلى أقوال بعض الأئمة الناظرة إلى صوفية معينة ليُدينوا بها كل الاتجاه الصوفي، بل وسعى البعض إلى إرجاع الصّوفيّة إلى المذهب السّني- كما وادّعى ذلك بعض السنة - لتحمل هذه الجهة كل هفوات وأضاليل القوم.
وبين هذين، ظُلِم التّصوّف كاتجاه روحي، فلم يدرس بموضوعية من جهة غرضه، وهو بلا شك غرض سام، ومنع من أن يُنظَر إليه كحالة رُقي روحي في مسيرة الأمة الإسلامية ومن مآثرها الحضارية.
وظُلِم الإمام علي عليه السلام أيضاً بمنعه أن يكون مؤثِّراً في هذا الإتجاه الروحي بنواحيه الإيجابية الأساسية.
وفوق ذلك اخترعنا مجالاً جديداً لتمزيق الأمّة الإسلامية من حوله.
الصّوفيّة فرقة إسلامية أم أشخاص؟
إن أسماء بارزة في عالم التّصوّف الإسلامي نفسه، وفي الطرق المختلفة فيه قد رفضت ما يرفضه المحققون من علماء السّنة و الشيعة، وذهبت إلى ما يذهبون من الاقتصار على الشريعة في طريق الوصول إلى الحق و إبطال مقالات الاتحاد و الحلول كما نرى في طعن علاء الدولة السمناني المعدود من مشايخ الصّوفيّة على الشيخ محي الدين بن عربي في ما ذهب إليه من إعتبار فرعون عين الحق تعالى.
و أن بين من يتّصفون بالصّوفيّة أنفسهم تبايناً واختلافاً يكاد معه عدُّ التّصوّف فرقة واحدة أمراً مستحيلاً، وهذا الادعاء على أي حال لم يظهر إلا من عدد قليل فيهم منهم الرومي، ولم يقل به أحد من المؤرخين للتّصوّف إلاّ الفخر الرازي كما في كتابه" اعتقادات فرق المسلمين والمشركين" الباب الثامن:
" اعلم أن أكثر من حصر فرق الأمة لم يذكر الصّوفيّة وذلك خطأ، لأن حاصل قول الصّوفيّة أن الطريق إلى معرفة الله هو التصفية و التجرد من العلائق البدنية، وهذا طريق حسن".
وكان قد سبقه باختلاف يسير أبو المظفر طاهر بن محمد الاسفراييني في كتابه "التبصير في الدين" و تمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين حيث عدَّه من مذاهب الفرق الناجية من أهل السنة و الجماعة.
التّصوّف إذاً حالة بين المتصوّفة، إلاّ أنَّ هذه الملامح لا ينبغي أن نغفل معها عن إمكانية ملاحظتها في حالات التّصوّف التي ظهرت في الأديان الأخرى أيضاً.
وهذه الذاتية تلزمنا بضرورة التوقف عند آراء كل متصوّف بنفسه، بل لعلنا لا نجد لواحدهم استقراراً في تعريفه لأمرٍ ما، إذ هم كما يدّعون أرباب أحوال ، ومن كانت هذه حاله كيف تمكن محاكمته، فضلاً عن إمكانية إفتراض نسق ممذهب .
وهذا حالهم في تعريف الصّوفي كما ينقله الدكتور أبو العلاء عفيفي عنهم يعطينا ما يزيد على أربعين تعريفاً فما بالك إذا وصلت نوبة البحث إلى التّصوّف النظري؟
مقام علي عليه السلام في الاتجاه الروحي تصوّفاً و فتوة:
إنّ التّصوّف العملي زهد وفقر وورع وعبادة وعمل وتوبة، والفتوة شجاعة وسخاء وحياء، وللإمام من هذه النصيب الأوفى بل هو المقدَّم فيها عن غيره دون رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم كما وصفه بذلك في نهج البلاغة:
"كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، و كان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد...". وقال في شجاعته:" كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه". وقد دعا الإمام إلى متابعة سيرة رسول الله بقوله:" فتأسَّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه و آله فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزى... قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، وأهضم أهل الدنيا كشحاً، وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وحقَّر شيئاً فحقره، وصغَّر شيئاً فصغَّره. ولو لم يكن فينا إلاّ حبّنا ما أبغض الله ورسوله، وتعظيمنا ما صغّر الله ورسوله لكفى به شقاقاً لله، ومحادَّة عن أمر الله".
إنّ التّصوّف بما هو إتجاه روحي غرضه التقرّب من المولى و الإعراض عمّا سواه حالة نفسانية، ولا بدّ للنفس الإنسانية من طريق مرسومة وسائق يقودها.
وإنّ وجود الإنسان في هذه الدنيا يشتمل على وجودين مادي وروحي وهما متعلقان ببعضهما البعض، وقد بعث الله تعالى النبيين بالرسالات لتنظيم التناغم بين مقتضيات الطبيعتين المادية والرّوحية في مسار الوصول إلى أعلى مراتب العبادة المؤدية غلى عرفان الله حقّاً، وضمن هذه الصورة لا يكون التَصوّف خارجاً عما أشار إليه أمير المؤمنين حين ربط الآثار الروحية بالعمل والعبادة:
"الصلاة قربان كل تقيّ، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شيئ زكاة وزكاة البدن الصيام وجهاد المرأة حُسن التّبعّل".
وقال عليه السلام أيضاً في نفس المجال:
"فرض الله الإيمان تطهيراً من الشرك، والصلاة تنزيهاً عن الكبر، والزكاة تسبيباً للرزق، والصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، والحج تقوية للدين، والجهاد عزاً للإسلام، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء، وصلة الرحم منماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم، وترك الزنا تحصيناً للنسب، وترك اللواط تكثيراً للنسل، والشهادة استظهاراً على المجاحدات، وترك الكذب تشريفاً للصدق، والسلام اماناً من المخاوف والإمامة نظاماً للأمة، والطاعة تعظيماً للإمامة".
إن كلام الإمام هذا يضع الفقه الذي سمّاه أهل التّصوّف علم الرسوم، في إطاره الذي أراده الله من خلق الإنسان: العبادة المفسرة بالمعرفة، وهذه المعرفة هي ما يسعى إليه الصّوفيّة، فهذا هو إذاً الطريق العلوي الذي يجمع بين ما للحق وللخلق ويوصل الإنسان إلى حالة القرب والإخلاص.
إن الإتجاه الروحي عند الإمام علي عليه السلام لم يخرجه من هذه الدنيا ولكنه كما في المنقول عنه قرضها على منهاج المسيح عليه السلام.
وهو في هذا الإتجاه الروحي لا ينكر تأثير الانشغال بالخلق عن الحق تعالى، وأن هذا الإنشغال قد يخرج الإنسان عن حدّه فيصير حينئذ "كالبهيمة المربوطة همّها علفها أو المرسلة شغلها تقممها" سعياً بين القاذورات المتنافس فيها.
أمير المؤمنين إذاً هو تالي رسول الله صلى الله عليه وآله في قيادة الأمة في معراجها الروحي و سنتحدَّث لاحقاً عن خصوصيته في هذا المجال ونكتفي هنا بالإشارة إلى أنّه سيعد عند الصّوفيّة رأس السلسلة في السند المتصل برسول الله ، ولكن هذا لم يمنع إتجاه قوم ممن خافوا استخدام هذا الموضوع سياسياً ومذهبياً أن يبتدعوا طرقاً تنتهي إلى الخلفاء الثلاثة الآخرين وإن لم يأخذ هذا العمل مداه وأحسب أن الإفتعال لخصوصيات وأحوال لم يقف أمام صورة ابن أبي طالب في أذهان المسلمين.
الإمام والفتوة
وكما في التّصوّف كذلك حاولت جماعة في الشام- كما يذكر الدكتور الشيبي أن تقلل من شأن علي عليه السلام في مقام "الفتوة" فأوجدوا مقابلها "النبوية" وهي جماعة قائمة على اسس الفتوة بغير اسمها ولكن لم يكتب لها الإنتشار، هكذا تصنع السياسة و البغضاء. يجعل علي عليه السلام مقابل النبي لأنّ جماعة تبنّته فيساء إليه من أعدائهم ليرتفع الولاء عند محبّيه و تخرج الأمور عن نصابها إلى أن يقضي الله برد هذه الأمة إلى الجادة الوسطى ويبقى علي في مقامه الذي هو فيه لا يضرّه شنآن مبغض ولا غلو محبّ.
عودة إلى العلاقة بين التّصوّف والتّشيّع
ذكرنا في موضع سابق أن بعض المؤخين ادّعى نسبة التّصوّف إلى التّشيّع لعلي مطلقاً، بمعنى أنه مثلاً قد عدَّ الغلاة المؤلهين لعلي عليه السلام شيعة مع أنّ المسلمين عموماً والشيعة الاثني عشرية خصوصاً يعتبرونهم كفّاراً.
وقلنا إن في هذا إفتراء على فرقة عريقة من المسلمين ومجافاةً للموضوعية ولو أراد هؤلاء الإنصاف لاكتفوا بالقول بأن للإمام علي عليه السلام التأثير المهم والبارز في ترغيب المسلمين بالعبادة والزهد والورع والفقر والرضا والتوكل...الخ وهي الأمور التي تعد بصورة موضوعية من المؤثرات في تشكيل الطرق و النظريات الصوفية اللاحقة.
إن القول بتأثر الصّوفيّة بالتّشيّع يحتاج بداية إلى تحديد لهذا التّشيّع وإن أول إشكال يرد على القائلين بهذه المقالة هو أنه لا يصح الجزم باعتبار المؤسسسين للتّصوّف في مراحله المختلفة شيعة لعلي عليه السلام ولو من خلال فهم التشيع بمعنى الموالاة عموماً، فماذا نصنع مثلاً بأبي بكر الكتاني مبدع فكرة "القطب" و المنظّر لها والذي كان يجد في نفسه غيرة من علي بن أبي طالب، فاستعمل المنامات ورؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره له بالسلام عليه للمصالحة معه.
نعم يمكن ملاحظة علاقة ما بين أحد الصّوفيّة وعلي عليه السلام ولكنّ هذا لا يعني صحة استناد كل ما يراه إلى علي. ويمكن أن تتشابه بعض الأفكار ولكن التشابه شيء والتأثر والتأثير شيء آخر يحتاج إلى إثبات اتباع ونقل. وفوق هذا كله، فإنّ الإشكال الأساسي على هؤلاء أنّهم من جهة يرَون التّشيّع مذهباً رُكِّب بتطور الزمان، ومن جهة أخرى يحكمون بأن التّصوّف أُخذ من التّشيّع. ولو سلّمنا بتشيّع المنقول عنهم أو المتأثَّر بهم فالأَولى أن يُقال بتأثُّر الصّوفيّة ببعض الشيعة لا بالتّشيّع، علماً بأن أكثر الشيعة يرون أن مذهبهم قد وُجد في حياة رسول الله نفسه ضمن صورة محددة يخرج عنها أكثر من يدّعى تأثيرهم في التّصوّف.
وبهذا نصل إلى أن القول بتأثر التّصوّف العملي في أكثر مفرداته بعلي عليه السلام هو قول صحيح دون الخشية من استعمال اصطلاح التّصوّف،وأنه عليه السلام اختُصَّ بهذا دون بقية الصحابة لأنه قد تميَّز عنهم فعلاً باعترافهم أنفسهم، والتزام كبار أهل الطريقة كما نقله عنهم ابن أبي الحديد وغيره.
وإذا أردنا تفسير ذلك فإننا نستطيع القول بأن الإمام علي عليه السلام قد تميَّز من بين الصحابة ليس بالسلوك العملي فقط بل بالتوجيه لهذا السلوك والدعوة له خصوصاً بعد تولّيه الخلافة وما كان عليه حال المجتمع الإسلامي آنذاك. وفي نهج البلاغة أسناد كافية ومواد يمكن الاعتماد عليها في تركيب الاتجاه الروحي عند الإمام، وسواء أردنا تشكيل هذا الاتجاه الروحي وفق مفردات القوم المتأخرة في التأليف ما بينها، أو أردنا أخذها كما هي لاستطعنا الوقوف على طريقة في الحياة الروحية لا نسقط معها من كلامه المجموع في نهج البلاغة - لخروجه عن الموضوع - إلاّ النزر اليسير.
إن الإتجاه الروحي عند أمير المؤمنين ليس شأناً يخرج به عن الحياة بل هو مترابط معها. إنه عليه السلام عنوان الذاكر الحقيقي لله :
انظر إليه وابن عباس يدعوه للقاء الخارجين إلى الحج، الطالبين الاستماع اليه ، وهو مشغول بخصف نعله ، فيسأله عن قيمتها على ما هي عليه، فلا يقيّمها بنصف درهم والإمام يراها أحبّ إليه من الإمارة إلا أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً.
وانظر إليه في السوق شاهراً سيفه يقول: من يشتري مني هذا السيف فوالذي فلق الحبة لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله (ص)، ولو كان عندي ثمن إزار لما بعته، فيبيعه رجل إزاراً ويؤخر قبض ثمنه.
وانظر إليه وقد رقع مدرعته حتى استحيا من راقعها وهو يراها معيناً على خشوع القلب. وانظر إليه لا يبيت مبطاناً وحوله أكباد حرَّى، ولعل في الحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع أو طمع بالقرص.
وهذا هو يسأل أهل الكوفة أن لا يدعوه يخرج من عندهم بما يزيد على ما أتاهم به ، وهو يأكل و يطعمهم من ماله الخاص و كدّ يمينه.
الاتجاه الروحي عند علي عليه السلام يحكم الحياة في هذه الدنيا و ينظمها، إنه الجمع بين العمل والعبادة ، بين المال والقناعة، بين الجهاد والتوكل، بين السلطة والزهد، بين سلامة البدن وتقوى القلوب. و لما كان الكلام عن الاتجاه الروحي عند الإمام علي عليه السلام كما ذكرنا مبثوثاُ في كل أنحاء النهج ، وقفت عند الأسلوب الذي يمكنني من الإشارة إلى معالم هذا الإتجاه دون حمل "نهج البلاغة" بكامله، فرأيت الاقتصار على بعض عناوين التّصوّف العملي وما ورد فيها منه سلام الله عليه كافٍ و أنا الخائف من الوقوف على عتبته فكيف بالخوض في ساحته.
الدنيا والعمل فيها:
"مثل الدنيا كمثل الحيَّة ليِّن مسّها، والسّم الناقع في جوفها، يهدي إليها الغر الجاهل ويحذرها ذو اللب العاقل".
"الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ".
"الدنيا خلقت لغيرها ولم تخلق لنفسها".
"من هوان الدنيا على الله أنّه لا يُعصى إلاّ فيها، ولا ينال ما عنده إلاّ بتركها".
وفي وصف الدنيا:".. إنّ الله لم يرضها ثواباً لأوليائه،ولا عقاباً لأعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلّوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا".
" أيّها الناس إنّما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من ممرّكم لمقركم".
" إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداّ".
ومن كلام له عليه السلام قاله للعلاء بن زياد الحارثي وقد دخل عليه يعوده فرأى سعة داره بالبصرة:" ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا و انت إليها في الآخرة كنتَ أحوج؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة، تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة. فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا، قال: عليَّ به. فلما جاء قال عليه السلام: يا عديَّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك أترى الله أحلَّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين هذا انت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت، إنّ الله فرض على أئمة العدل أن بقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره".
ليست الدنيا عند الإمام علي إلاّ مزرعة للآخرة، وهي بنفسها لا تستحق ذماً و لا مدحاً حيث أنها جعلت في تصرّف الإنسان:
" فالناس فيها رجلان، رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها".
أو كما في كلام آخر له عليه السلام:
" الناس في الدنيا عاملان، عامل عمل في الدنيا للدنيا قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر ويأمنه على نفسه فيفني عمره في منفعة غيره. وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل، فأحرز الحظين معاً، وملك الدارين جميعاً،فأصبح وجيهاً عند الله لا يسأل الله حاجة فيمنعه".
وهذا الذي " جاءه من الدنيا بغير عمل" ليس ما ذهب إليه ابن أبي الحديد في شرحه بأنه أثر لاشتغاله بالعبادة، فإنّ هذا الأثر عند الإمام قد بُيِّن في موضع آخر حيث قال:" لا يسأل الله حاجة فيمنعه" بل هو المقسوم من الرزق المقدَّر للخلائق كلها.
إن الدنيا مشتملة على ما يذكّر بالآخرة وعلى ما يغر ويخدع ، والإنسان في حياته هو المسؤول عن كيفية النظر إليها. قال عليه السلام وقد سمع رجلاً يذمّ الدنيا:
" أيّها الذام للدنيا، المغترّ بغرورها، المخدوع بأباطيلها، أتغترّ بالدنيا ثم تذمّها؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟ متى استهوتك أم متى غرّتك؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم علَّلت بكفيك، وكم مرّضت بيديك؟تبتغي لهم الشفاء و تستوصف لهم الأطباء غداة لا يغني عنهم دواؤك ولا يجدي عليهم بكاؤك. لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا، وبمصرعه مصرعك. إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها ودار غى لمن تزوَّد منها ودار موعظة لمن اتعظ بها.مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله ومتجر أولياء الله اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمّمها وقد آذنت ببينها و نادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء وشوَّقتهم بسرورها إلى السرور! راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيرا فذمّها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكَّرتهم الدنيا فتذكّروا، وحدَّثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتّعظوا".
" يا أيّها الناس متاع الدنيا حطام موبئ فتجنبوا مرعاه، قلعتها أحظى من طمأنينة وبلغتها أزكى من ثروتها، حكم على مكثر منها بالفاقة، وأعين من غني عنها بالراحة. من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها، ومن استشعر الشغف بها ملأت ضميره أشجاناً لهنَّ رقص على سويداء قلبه: همٌّ يشغله وغمٌّ يحزنه ، كذلك حتى يؤخذ بكظمه فيلقى بالفضاء، متقطعاً أبهراه، هيناً على الله فناؤه وعلى الاخوان إلقاؤه. وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار، ويقتاث منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها بأذن المقت و الإبغاض، إن قيل أثرى قيل أكدح، وإن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء. هذا و لم يأتهم "يوم فيه يبلسون".
" الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن، و الطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار له عجز".
" إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذ نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذ اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً، ودركهم لها فوتاً. أعداء ما سالم الناس و سلم ما عادى الناس! بهم عُلم الكتاب و به علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجوّاً فوق ما يرجون و لا مخوفاً فوق ما يخافون".
ورئي عليه إزار مرقوع فقيل له في ذلك، فقال:
" يخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقتدي به المؤمنون. إنّ الدنيا و الآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان ، فمن أحب الدنيا و تولاها أبغض الآخرة و عاداها، وهما بمنزلة المشرق و المغرب وماش بينهما كلما قرب من واحد بَعُد من الآخر، وهما بعدُ ضرتان!".
" إزهد في الدنيا يبصرك الله عوراتها ولا تغفل فلست بمغفول عنك".
" يا دنيا يا دنيا، إليك عني، أبي تعرضت، أم إليّ تشوّقت؟ لا حان حينك، هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وعملك حقير. آه من قلة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر وعظيم المورد".
الزهد:
يعرّف الإمام علي عليه السلام الزهد على أنه حالة نفسية :
" الزهد كله بين كلمتين من القرآن: قال الله سبحانه لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. ومن لم يأس على الماضي و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه".
و"أفضل الزهد إخفاء الزهد".
والزهد عنده عمل لا عجز، ولذلك قال عليه السلام:
" لا زهد كالزهد في الحرام" لأن الزهد مقابل للرغبة والطمع: "الطامع في وثاق الذل" و " إن الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفيّ"
و " الطمع رقٌّ مؤبد".
وقد وصف عليه السلام الزاهدين والطامعين قال:" طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك قوم قد اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً وماءها طيباً والقرآن شعاراً والدعاء دثاراً ثم قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح عليه السلام".
وقابلهم بمن " يرجو الآخرة بغير العمل ويرجي التوبة بطول الأمل يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين: إن أُعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم".
وللإمام في دفع ما توهمه البعض طريقاً إلى الآخرة كلام جميل يقول:
" العجز آفة، والصبر شجاعة، والزهد ثروة، والورع جُنّة، ونعم القرين الرضا".
وهذا الكلام يعيدنا إلى التأكيد على أنّ التربية الروحية عند الإمام عليه السلام لا تكون بالسلبية اتجاه الدنيا فإنها مظهر عجز والعجز كما قال آفة.
القناعة:
يرتبط الزهد بالقناعة و"القناعة مال لا ينفذ" و" كل مقتصر عليه كاف". الزهد في الحلال و الحرام كما ذكرنا مقابل للرغبة والطمع وهما حالتان نفسيتان مقلقتان:
" من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوأ خفض الدعة، والرغبة مفتاح النصب ومطية التعب، والحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحم في الذنوب"
و "من استشعر الشغف بها- الدنيا- حتى ملأت ضميره أشجاناً لهن رقص على سويداء قلبه : هم يشغله، وغمّ يحزنه كذلك حتى يؤخذ بكظمه...".
و القناعة المرتبطة بالزهد كذلك لا تكون ناشئة عن عجز فذلك إنما يكون " ممن أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزيّن بلباس أهل الزهادة وليس من ذلك في مراح ولا مغدى".
القناعة سبيل إلى راحة النفس وطمأنينتها كما مرَّ معنا، ويُعلم الإمام ابن آدم أنَّ :
" الرزق رزقان: رزق تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك، كفاك كل يوم على ما فيه، فإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع بالهمّ فيما ليس لك. ولن يسبقك إلى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب ولن يبطئ عنك ما قدِّر لك".
القناعة عند الإمام إذاً مدخل إلى دفع الهم عن النفس وليست عجزاً وقعوداً عن العمل.
الفقر:
لا يريد الإمام من القناعة أن توصل إلى الفقر السلبي بل إلى الفقر الإيجابي، إلى الكفاف دون أن يكون في الغنى و اليسار أية مشكلة إذا حفظ معهما حق الله وحق الناس، وتنظيم حياة الإنسان يساعد على حصولهما ومن ذلك قوله عليه السلام :" قلة العيال أحد اليسارين".
إن التمييز بين حياة الكفاف وحياة الفقر كما ذهب إليها بعض الصُّوفية يضعنا أمام نتائج مختلفة، إذ أن الفقر عند الإمام" يخرس الفطن عن حجته" و "الفقر في الوطن غربة" و "الفقر الموت الأكبر"، وقد قال عليه السلام لإبنه :
" يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت" " ألا وأن من البلاء الفاقة، وأشدّ من الفاقة مرض البدن، وأشدّ من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب".
نعم لا بد للفقراء من معين من أنفسهم لكي لا يؤثر فيهم الفقر نفوراً عن الحق فلذلك قال عليه السلام:
" العفاف زينة الفقر" .
و " ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالاً على الله".
"فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته، أصلح الله أمر دنياه".
هذا و إن الكفاف هو الاقتصار على الحاجة والقناعة بالكفاف التي أشار إليها بقوله عليه السلام" كل مُقْتَصَرٌ عليه كافٍ".
من صفات المؤمنين حقاً أولئك الذين قال فيهم:" طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله"، وهي الصفات التي وصف بها خباب بن الأرت وزاده عليها " وعاش مجاهداً".
التوكل والعبادة والعمل:
هنا نصل إلى واحدة من أخطر المفردات التي أساء فيها قوم فصاروا منها إلى التواكل وترك العمل ولننظر ماذا يقول الإمام فيه:
إن التوكل على الله وحسن الظن به والثقة بقضائه لا تكفي العبد عن العبادة والعمل، وقد أجاب رسول الله لمَّا قيل له:" أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً".
وهذه العبادة وهذا العمل لا يكونان على أتم صورهما إلا إذا وافقا شرع الله لنا فيما ورد إلينا من الطرق الصحيحة عن رسول الله وأهل بيته.
" إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً فلا تتكلفوها".
"طوبى لمن ذل في نفسه وطاب كسبه وصلحت سريرته وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة ولم ينسب إلى البدعة".
"من قصَّر في العمل ابتلي بالهمّ ولا حاجة لله في من ليس لله في ماله ونفسه نصيب".
" للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه وساعة يروم معاشه، وساعة يخلي بين نفسه و بين لذتها فيما يحلّ ويجمل، وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث: مَرَمَّةٌ لمعاش، أو خطوة في معاد أو لذة في غير محرّم".
إن ما ذهب إليه البعض من تعذيب النفس والجسد عمل غير مجدي:" فكم من صائم ليس له من صيامه إلاّ الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء حبذا نوم الأكياس وإفطارهم".
وفي العبادة :" قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه" و " إذا أضرَّت النوافل بالفرائض فاتركوها".
الشجاعة والفتوة:
ويستمر منهج الإمام في التربية الروحية للإنسان حتى نصل إلى الفتوة والشجاعة التي لا تنفصل عما سلف مما يجب أن تتحلى به نفس المسلم ولنأخذ بعضاً مما ذكره في هذا المجال:
" البخل عار والجبن منقصة".
"رضي بالذل من كشف عن ضرّه وهانت عليه نفسه من أمَّر عليها لسانه".
" الاحتمال قبر العيوب".
"قرنت الهيبة بالخيبة ، إن قدر الرجل على قدر همته وصدقه على قدر مروءته، وشجاعته على قدر أنفته".
" الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الأسرار".
"لا يعدو الصبور الظفر وإن طال به الزمان".
"من أحدّ سنان الغضب لله قويَ على قتل أشداء الباطل".
"إذا هبتَ أمراً فقع فيه ، فإن شدة توقّيه أعظم مما تخاف منه".
" لا تدعونَّ إلى مبارزة، وإن دُعيت فأجِب فإن الداعي إليها باغ و الباغي مصروع".
"أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم و برئ ومن أنكره بلسانه فقد أجر ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونوَّر في قلبه اليقين".
"أول ما تغلبون عليه الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم ثم بقلوبكم فمن لم يعرف بقلبه معروفاً ولم ينكر منكراً قُلب فجُعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه".
وإذا أردنا أن نتعرف إلى فتوته عليه السلام وشجاعته ليكون أسوة بعد رسول الله فلننظر إلى قوله:" والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه". " وَالله لا أكُونُ كَالضبع تنام على طول اللدم، حتى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها، ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبدا، حتى يأتي علي يومي."
"والله إن امرءاً يمكِّن عدوه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه ويفري جلده لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمت عليه جوانج صدره. أنت فكن ذاك إن شئت فأما أنا فوالله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والأقدام ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء". "والله ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ". وقال في قوم:" وقد أرعدوا وأبرقوا ومع هذين الفشل ولسنا نرعد حتى نوقع ولا نسيل حتى نمطر".
"اغزوهم قبل أن يغزوكم فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا".
" قد استطعموكم القتال فأَقِرُّوا على مذلة وتأخير محلة أو روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء فالموت في حياتكم مقهورين و الحياة في موتكم قاهرين".
أما الموت عنده فهو غير مخوف لأن "عَليَّ من الله جنة حصينة فإذا جاء يومي انفرجت عني وأسلمتني فحينئذ لا يطيش السهم ولا يبرأ الكلم" كما قال عندما خوّفوه من الاغتيال، بل إن الموت غيظاً من عمل الظالمين ممدوح عنده كما قال:" فلو أن امرءاً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان به عندي جديراً".
آداب العشرة:
للمؤمن صفات يجب أن يتحلى بها في نفسه، وأن لا يتصف بأخرى، ومنها ما يتعلق بالعشرة مع الناس:
"إذا كان في رجل خلة رائقة فانتظروا أخواتها".
"خالطوا الناس مخالطة ، إن متّم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنّوا إليكم".
"البخل جامع لمساوئ العيوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء".
"الحلم و الأناة توأمان ينتجهما علو الهمة".
"الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك، وألاّ يكون في حديثك فضل من عملك وأن تتقي الله في حديث غيرك".
"من كرمت عليه نفسه، هانت عليه شهواته".
"ما مزح امرؤ مزحة إلا مُجَّ من عقله مجّة".
"المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً وأذلّ شيء نفساً، يكره الرفعة ويشنأ السمعة ، طويل غمّه ، بعيد همّه ، كثير صمته ، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته ، صنين بخلته".
"من الخَرْق المعالجة قبل الإمكان، والأناة بعد الفرصة".
" اللسان سبع إن خلّي عنه عقر".
وقيل له صف لنا العاقل فقال عليه السلام :" هو الذي يضع الشيء مواضعه، فقيل: صف لنا الجاهل، قال :قد فعلت".
"آلة الرياسة سعة الصدر".
"متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن الانتقام فيقال لي لو صبرت؟ أم حين أقدر عليه فيقال لي لو عفوت؟".
"من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومنّ من أساء إليه بالظن".
"فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها".
"السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم".
"أعجز الناس من عجز عن اكتساب الاخوان وأعجز منه من ضيَّع من ظفر به منهم".
"صدر العاقل صندوق سرّه، والبشاشة حبالة المودة والاحتمال قبر العيوب".
"أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده يرفعه".
"من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب".
"إذا حييت بتحية فحيّ بأحسن منها، وإذا أسديت إليك يد فكافئها بما يربي عليها والفضل مع ذلك للبادي".
"لا تستحِ من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه".
"لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته وغيبته ووفاته".
"عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه".
"أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما".
"أحسنوا في عقب غيركم تحفظوا في عقبكم".
"الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل , والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن ، والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار له عجز".
"ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة".
وبعد، فهذا شيء من منهج علي الروحي وله في مقامات الرضا و الاستغفار والتوبة وغيرها كلام وأحوال، فمن التزم بهذا كان على التَّشيّع و السنة وإلاّ فهو خارج ومنسوب إلى البدعة ، وإن كان هذا المنهاج مما يسمى تصوّفاً فإنه التَّصوف الممدوح ، والعامل به غير مذموم في الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين.

الاثنين، مايو 31، 2010

اقـاليم قبـله

اقـاليم قبـله: "شخصية لبنانية : يوم القدس العالمي جعل فلسطين قضية اسلامية عامة"

الخميس، مايو 27، 2010

هل يكون التصوف "القوة الناعمة" في "الحرب الناعمة" ضد الاسلام والمسلمين؟

هل يكون التصوف "القوة الناعمة" في "الحرب الناعمة" ضد الاسلام والمسلمين؟[1]
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين , اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد,فقد حذّرت قبل سبع عشرة سنة[2] تقريبا من تحويل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى مادة نزاع جديدة في خصوص عالم التصوف , نمزق الأمة الإسلامية من حوله ,فاتهمت يومها أنني أدعوا إلى طريقة صوفية يكون شيخها علي وأنني جاهل بالموقف السلبي لعلماء الشيعة وأئمتهم من التصوف .
يومها كنت أتحدث عن معالم الفتنة في عالم التصوف بخصوص نفي تأثير أمير المؤمنين ابي تراب في "التصوف العملي" من حيث هو : زهد وفقر وورع وعبادة وعمل وتوبة ,أو في "الفتوة " من حيث: هي شجاعة وسخاء وحياء.
وأن مؤدى هذا النفي هو ظلم للإمام من جهة ودفع عن الإستفادة من توجيهاته الروحية من جهة أخرى , وجعله كما قلت مادة نزاع جديدة.
وأشرت إلى عناوين خلافية تاريخية في الساحتين السنية والشيعية بغرض إيجاد مساحة نستقبل بها عالَما مطمئنا إلى توجهاته الإنسانية التي تناغم بين مادته وروحه على ضؤ الإسلام كما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وفي ظلال أمير المؤمنين القرآن الناطق وخلاصة التربية النبوية..وهذه العناوين هي بإختصار شديد :
في الساحة السنية :
- إخراج الصوفية من دائرة أهل السنة واتهامهم بالتشيع.
- إختراع "النبوية" مقابل "الفتوة" لإيجاد مقابلة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله والإمام علي.
- إتجاه سلبي من موقع "سني صوفي " مثَّله أبو بكر الكتاني في حديث غيرته من الإمام علي.
- تغيير مرجعية بعض الطرق الصوفية وتفرعاتها بإنهاء سندها إلى أحد الخلفاء غير الإمام علي.
في الساحة الشيعية :
- اعتبار الصوفية حالة سلبية في الحياة الإسلامية العامة .
- إعتبار الصوفية مقابلة للتشيع خصوصا بعد إختراع فكرة "القطب" والتنظير للولاية مقابل الإمامة .
- إعتبار بعض الصوفية الشيعة خصوصا غلاة من جهة ومنحرفين عقائديا من جهة أخرى بما أدى إلى تكفيرهم.
وانتهيت يومها بعد إستعراض كلامه عليه السلام من نهج البلاغة في الدنيا والعمل فيها والزهد والقناعة والفقر والتوكل والعبادة والعمل والشجاعة والفتوة وآداب العشرة إلى القول :
" هذا شئ من منهج علي الروحي وله في مقامات الرضا والإستغفار والتوبة وغيرها كلام وأحوال , فمن إلتزم بهذا كان على التشيُّع والسنَّة وإلاَّ فهو خارج ومنسوب إلى البدعة وإن كان هذا المنهاج مما يسمَّى تصوفا فإنَّه التصوف الممدوح والعامل به غير مذموم في الدنيا ولآخرة".

ما هو جديد اليوم ؟

تحت عنوان هذا الملتقى" دور التصوف في بناء جيل النصر و التمكين" ثمة أكثر من جديد في البحث عن "التصوف والوحدة الإسلامية" أعرض لها بإيجاز شديد في اتجاهات:
1- تأكيد دور العامل الروحي تربية و سلوكاً في بناء جيل النصر و التمكين من خلال تجارب إيران والسودان وأفغانستان ولبنان وفلسطين.
2- تاكيد دور الوحدة والإنسجام الداخلي في تحقيق الثبات و النصر.
3- تأكيد تضافر هذين العنصرين في صنع التغيير الإعجازي للواقع والمعادلات المادية.
إنّ بيان هذه العناوين الثلاثة لا يحتاج إلى تفصيل إلاّ في مقام التوثيق وإلاّ فهي من الواضحات التي تحمل دليلها معها.
هكذا كان تاريخ المسلمين وجهاد عباد الله الصالحين قبل "التَّصوف" ومعه. ولم يكن إعتزال المنحرفين عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ممَّن تلبَّس زوراً بالخرقة والزهد إلاّ استثناءاً، وقد وقع هؤلاء في حبائل شياطين الجن والإنس فكانوا ضد أنفسهم وضد أمتهم بوقوفهم مع المستعمر الداهم والحاكم الظالم[3].
هل هذه الحقائق ملك للمسلمين وحدهم؟
بالطبع لا، والجديد يظهر هنا: إنَّ أعداء الإسلام إذ أدركوا هذه الحقائق جعلوها محوراً لدراساتٍ مستدامة في مراكز أبحاث متخصصة، وأسسوا لها ما ينقضها و خصصوا لها إدارات وموازنات يعينهم فيها من عندهم منّا و يعينهم فينا من عندنا منهم، ويتطوع بعضنا فيخدمهم بدون وعي ولا قصد.كل ذلك بقصد ضرب الشخصية الإسلامية وإيجاد الفتنة وتسعير النزاعات بين المسلمين سواء على المستويات الشعبية الداخلية أو بين الدول الإسلامية باستخدام استراتيجية جديدة هجومية تتمثل في "الحرب الناعمة" و"القوة الناعمة" بعدما استنفذت سياسة تقسيم العالم الإسلامي أهدافها بالتقسيم والتشتت على دول وكيانات هزيلة صدق فيها حديث رسول الله "غثاء السيل".

الحرب الناعمة والقوة الناعمة:

منذ الثمانينات، اعتمدت الإدارة الأميركية سياسياً و عسكرياً عنوان "الحرب الناعمة "Soft war بعد "الحرب الباردة" وبدأت تطبيقها في سياستها الخارجية ويلخص تعريفها أحد منظري الحرب الأميركيين والمدرس في الكليات العسكرية : جون م.كوللينز بقوله:" الحرب الناعمة عبارة عن استخدام الإعلام والتخطيط للتأثير على ثقافة العدو وفكره باللجوء إلى تنسيق الجهود بما يخدم حماية الأمن القومي وتحقيق أهدافه بكسر إرادة هذا العدو".
وقد صدرت في صدد الإستفادة منها العديد من الدراسات و الكتب، أهمها كتاب جوزف ناي (Joseph Ney Jr. ) سنة 2004 و عنوانه:
Soft power the means to success in world politics
وتعتمد الحرب الناعمة لتحقيق الاستراتيجيات وسائل تكتيكية منها[4]:
- نفي الشرعية عن بعض العناوين.
- تغيير المفاهيم والمصطلحات وقيمها من الإيجابية إلى السلبية وبالعكس بحسب الحاجة، مثلاً:لاحظ استخدام الغرب لمصطلحي "الإرهاب" و "المقاومة من أجل الحرية" بما يخدم سياساتهم.
- الإضاءة على بعض العناوين و ربطها بالفضائل والقيم كحقوق الإنسان والمرأة دون تحقيق عن مؤداها وواقعها.
- كسر هيبة المفاهيم والأشخاص المحترمين وتسخيفها لدى أي شعب من خلال المقالات و الرسوم الكاريكاتيرية والنكتة والأفلام وما إليها.
- استخدام "القوة الناعمة [5]: الإدارات الفكرية والأخلاقية والدبلوماسية " وتعتبرها من أدوات جيشها وأمنها تحت تصنيف "أسلحة غير قاتلة non Lethal weapons " .

الحرب الناعمة ضد الاسلام وموقع التصوف فيها:

ندخل إلى موضوع التصوف على ضوء ما تقدَّم واستناداً إلى عنوان أميركي آخر[6] ، فقد استضاف برنامج الامن الدولي في مركز نيكسون[7] عام 2003 مؤتمراً[8] لاستكشاف علاقة الدور الذي يمكن أن يقوم به التَّصوف- الحركة الروحية داخل الإسلام- ضمن أهداف السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية[9]. وتناولت الجلسة الثالثة والأخيرة برامج الحكومة الأميركية مقابل برامج العالم الإسلامي ومن أهم ما جاء فيها :
1- تقسيم الدول الإسلامية والعربية إلى دول معتدلة و دول متطرفة، وتقسيم الشعوب في هذه الدول أيضاً إلى مسلمين معتدلين وغير معتدلين.
يقول أحد المشاركين من إحدى الوكالات الأميركية[10] :
" من الناحية الاستراتيجية، تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تؤيّد الدول التي يقطن فيها مسلمون معتدلون مثل تركيا والأردن والمغرب، وهناك تطورات مهمة في الخليج الفارسي حيث تحدث نقاشات حادة حول الإصلاح السياسي.. وفي إيران أيضاً ملَّ الناس من نظام الملالي الذي لم يعد له رصيد ويرغبون في التغيير وبينما لا تستطيع الولايات المتحدة التدخل لكنها تستطيع أن تؤيد تطلعات الشعب الإيراني. وزيادة على ذلك، سيكون هناك تأثير سيكوسياسي في العالم الإسلامي، إذا كانت إيران ينبوع الحماس الإسلامي المعاصر أخذت في تغيير مسارها".
2- تحدث التقرير عن حرب أهلية داخل العالم الإسلامي بين المتطرفين و المعتدلين:" هناك ثلاثة عناصر للحرب على الإرهاب:
الأول اصطياد الإرهابيين وهذا يتضمن قوة القانون وتبادل المعلومات الاستخباراتية والانقضاض على مصادر التمويل، وتعني أيضاً مواجهة الدول التي تدعم الإرهاب.
والعنصر الثاني هو الأمن الداخلي.
والعنصر الثالث هو حرب الأفكار, وهي في المقام الأول حرب أهلية داخل العالم الإسلامي بين المعتدلين والمتطرفين".
3- التأكيد على استخدام القوة الناعمة في حرب الأفكار من خلال أربعة أمثلة تاريخية[11].
4 - من الخلاصات الخطيرة والهامة في التقرير"... الدرس الذي تعلمناه أن الايديولوجيات يمكن هزيمتها و نفي الشرعية عنها عندما تفشل".
من هذا التقرير عن فهم الصُّوفية واستشراف أثرها في السياسة الأميركية، سألفت النظر إلى عنوانين :
1- مواجهة الدول الداعمة للإرهاب بالحرب الناعمة والقوة الناعمة
2- حرب الأفكار و هي الحرب الأهلية.
هذان العنوانان يطبقان جمعاً في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإلى حدٍّ ما في مواجهة الجمهورية العربية السورية، وإلى حدٍّ بعيد في العراق ولبنان وفلسطين و كل دول المقاومة المرتبطة بالقضية المركزية للأمة: فلسطين. وكذلك يُطبَّق العنوان الثاني في أغلب دول العالم الإسلامي، كيف؟

التصوف والحرب الناعمة على إيران تحت عنوان أنها دولة داعمة للإرهاب:

خصصت الإدارة الأميركية ميزانية كبيرة لتغيير نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يُصرف منها على الإعلام الموجه إلى داخل إيران وإلى خارجها بما يشمل الإيرانيين وغيرهم , وعلى أدوات الحرب الناعمة الأخرى كالتغيير الثقافي الذي ورد في تعريف الحرب الناعمة .
وبخصوص موضوع التَّصوف تسير هذه الحرب الناعمة في إتجاهين داخل إيران و خارجها:
ففي داخل إيران يتم إحياء طرق صوفيَّة شيعية كانت آخذة بالإنقراض كالطريقة النعمة اللهية أوالمتفرعة منها الطريقة الذهبية والگنابادية, وغيرها كالطريقة الكمالية والمهدية الاشراقية.
ويتم استيلاد طرق جديدة كالخاكسارية وتدعم" مجالس الفقراء والدراويش"، وثمة طرق متعددة يتم اكتشافها تدّعي الارتباط بالإمام المهدي وهي منحرفة تمام الإنحراف عن الإسلام.
أو يتم دعم مجموعات أشار إليها التقرير بأنها تهتم بقراءة أشعار "مولانا جلال الدين الرومي" والسّماع الصوفي .
مما أدّى فعلاً إلى مواجهة شعبية ضد هذه المجالس،حيث قامت في عدد من المدن الإيرانية مسيرات هاجمت مراكز هؤلاء وحطمت بعضها ومنعتهم في أماكن أخرى من القيام بشعائرهم وربما يكون تحريك هؤلاء المتدينين بفعل فاعل قاصد بدلاً من اللجوء إلى القضاء.وهذا جانب من حرب الأفكار أو الحرب الأهلية...التي تحدث التقرير عنها بين "المتطرفين والمعتدلين" .
من جهة أخرى يكثر الحديث عن سياسة إيرانية في التبشير الشيعي في دول العالم الإسلامي السنية تحت عنوانين :
- الدعوة المباشرة بإثارة النقاش العقائدي وتوزيع الكتب وإنشاء المراكز.
- إختراق الصُّوفية , وهذا يتم باتهام عدد من الطرق الصُّوفية بالتَّشيّع الكامل أو بصيرورتها منفذاً للأفكار الشيعية بقبول الدعم المادي الإيراني، وهو ما تشهده و تضج به الساحة المصرية خصوصا.
وهي حرب مزدوجة ضد إيران من جهة وضد الأمن الإجتماعي والوحدة داخل المجتمع المصري من جهة أخرى, حيث وصلت النزاعات بين الطرق الصوفية حدّاً لا يتصور. وقد سهّل هذا إتّخاذ السلطات المصرية جملة قرارات تتعلّق بمنع إحياء مجالس الذكر في مقامات السيدة زينب و الامام الحسين والمساجد إلاّ بترخيص، فضلاً عن منعها خارج المساجد.

الحرب الناعمة في لبنان:

إذا أردنا التركيز في تتبع الحرب الناعمة في مواجهة الواقع الشيعي الناهض، سنلاحظ أيضاً الحرب على المقاومة الإسلامية وحزب الله في لبنان من خلال دعم بعض الهيئات شبه الصوفية والتي تمّ تفكيكها فانقلبت المعركة إلى حرب على مصطلح "ولاية الفقيه" وإلى عمل إعلامي وسياسي دؤوب لتسخيف إنتصار تموز 2006 بالمقارنة الظالمة بينه و بين الخسائر المادية و البشرية التي وقعت على الشعب اللبناني، وهو الأسلوب نفسه الذي اعتمد في تسخيف إنتصار غزّة وصمودها.
وهناك موارد كثيرة للحرب الناعمة على حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين وغيرها لكننا نقصر كلامنا في البحث عن التصوف واستخدامه فيها وله ما يتبعه ويعززه.

في العالم الإسلامي:

أما عن كيفية تطبيق حرب الأفكار في العالم الإسلامي، فلنلاحظ بعض المواقع الإلكترونية وتعاطيها مع الطّرق الصُّوفية لامن جهة إتهام هذه المواقع ولكن من جهة فهم دلالات عناوينها على مضامين تصب في حرب الأفكار والتغيير الثقافي, مثل :
- ظاهرة الصحوة السياسية للصُّوفية.
- الهدوء يودِّع البيت الصُّوفي في مصر.
- صوفية المغرب: رعاية رسمية ودعم أميركي.
- الإختراق الشيعي أحدث معارك المواقع الصوفية.
- التصوف لمواجهة التطرف.
- تصوف نيولوك في السودان.
- موريتانيا: نشارك في السياسة ولا نسعى للحكم.
- صوفية مقاتلة بدلاً من صوفية مجاهدة.
- المغرب: هل تتحول (الطريقة) البودشيشية إلى حزب سياسي؟
- الاطار الدفاعي عند الصوفية.
ولنلاحظ الاهتمام البريطاني بالترخيص للجنة الدفاع عن الدراويش في إيران، والترخيص للمجلس الصوفي العالمي المعتمد من وزارة الخارجية البريطانية، وكذلك عناية البيت الأبيض بالمجلس الإسلامي الأعلى( الذي يرأسه الشيخ هشام قباني،صهر الشيخ ناظم الحقاني القبرصي) والذي يهدف إلى رسم مستقبل المسلمين في أميركا و العالم.
ولنلاحظ هذا الاهتمام غير المبرر بإيجاد محطات فضائية صوفية تدافع وتهاجم بل وتكفر كأنه لا يكفينا قنوات التطرف المذهبي..

أخيرا:

متى كانت الصوفية هكذا إلاّ بانحراف داخلي يقوّمه علماء الإسلام أو بتحريك أجنبي يستحقّ وقفة جادة ؟.
إن أعداء الإسلام يعملون على تزكية النزاعات: سنة- شيعة، سنة- صوفية، شيعة- صوفية، صوفية- صوفية.هل هذا من الإسلام أو من التصوف في شيء؟
أيّها السّنة والشيعة والصُّوفية أَلستُم تريدون وجه الله؟ أَلستُم تريدون أن تكونوا مسلمين صالحين وتحبون لغيركم ما تحبُّون لأنفسكم؟
هل ترضون أن تكونوا أدوات تمزيق الأمة وتضييع قوتها وانتصاراتها فتنصرون الكافرين وتخذلون المؤمنين؟
أين قلوبكم من قوله تعالى:" ولا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم" ؟
إن أميركا تنتظر فشلكم لتعلن هزيمة أيديولوجيتكم : الإسلام كما ورد في التقرير فهل ترضون ذلك لدينكم!!
وأختم بحكايتين: واحدة من الفقيه المجتهد السني أبي عبد الله محمد بن محمد المقري من كتابه" الحقائق و الرقائق" :
حقيقة :أهم ما على السالك مراعاة قلبه لئلا يتلف في تقلبه، فإنّ ذلك فساد حاله وذهاب رأس ماله، رؤي فقير ينادي في السوق:" إرحموا صوفياً ذهب رأس ماله، فقيل له: وهل للصوفي رأس مال،فقال: نعم، كان لي قلب فقدته".
و الأخرى عن آية الله الشيخ جعفر الشوشتري: يُقال إنه كان جالساً فوصلَ أحد المكارية مع حماره، وبعدما أنزل الحمل عن ظهره، نظر الحمار إلى الشيخ وهزَّ أذنيه بقوة.بكى الشيخ بكاءاً حاداً،ثم قال:" لسان حال هذا الحمار يقول: لقد أوصلت حملي إلى مقصده، فهل أوصلتَ حملك إلى مقصده؟"
و السلام


[1] مداخلة الشيخ علي خازم في ملتقى التصوف الثاني : " دور التصوف في بناء جيل النصر والتمكين" 26 – 27/5/ 2010 كلية الدعوة الإسلامية بيروت
[2] أنظر مقالة "الإمام علي وأثره في التصوف العملي" مؤتمر نهج البلاغة وتاثيره في الفكر الإنساني المعاصر دمشق 1993.
[3] راجع ما كتب عن دور التصوف والصوفية في الجهاد ومواجهة الإستعمار وتخاذل بعض الطرق عن ذلك خصوصا في شمال وغرب إفريقية.
[4] يجمع بينها النص التالي من تقرير مركز نيكسون الذي سنتحدث عنه بعد ذلك:"وقد أشار المشاركون إلى أربعة أمثلة تاريخية تستطيع الولايات المتحدة أن تبني عليها بخصوص معركة الأفكار؛ والمثال الأول هو أيضاً حادثة إيديولوجية هي نوع من نفي الشرعية عن الإرهاب شبيهة بالحملة ضد الرق. ففي القرن التاسع عشر أعلنت بريطانيا عدم شرعية الرق بطرق متعددة أولاً بإعلان الحرب على المفهوم وتطور ذلك تطبيق هذا باستخدام القوة البحرية وكذلك من خلال القوة الناعمة: الإدارات الفكرية والأخلاقية والدبلوماسية، وخلال عقد من الزمان ساعد البريطانيون في تغيير طريقة تفكير الناس المحترمين تجاه الرق.
والمثال الثاني هو هزيمة الماركسية اللينينية، وهذه أيديولوجية ظنها البعض موجة المستقبل حيث ولدت حماسة كبيرة وحركت الناس بقوة ولكنها سقطت عندما فشلت في تقديم الفردوس الذي وعدت به. لقد تهاوت عندما وصلت الجرائم التي ارتكبت باسمها إلى حجم ناقض المبادئ التي دعت إليها ولأنها أيضاً واجهت مقاومة قوية واثقة بنفسها. والدرس الذي تعلمناه أن الأيديولوجيات يمكن هزيمتها ونفي الشرعية عنها عندما تفشل.
والمثال الثالث هو صراع الحرب الباردة حول المؤسسات؛ فقد أجاد الشيوعيون في الاستيلاء عليها ولكن الغرب كان لديه الطاقة لرد الهجوم، فقد ساند نقابات العمال الحرة والإعلام الحر والمجموعات الفكرية الحرة التي منعت الشيوعيين من الاستيلاء عليها. وهذا النوع من الصراع يعد احتمالاً آخر لما نحتاج أن نفعله لمساعدة المؤسسات والهيئات. وبالتعاون مع شركائنا في الغرب وفي كل مكان في العالم تحتاج الولايات المتحدة أن تساعد المؤسسات الخاصة والهيئات وكل أولئك الذين يقفون معنا في هذا الصراع.
والجبهة الرابعة التي تهدف إليها الولايات المتحدة هي الإصلاح: السياسي والاقتصادي والتعليمي وتهدف مبادرة الولايات المتحدة الجديدة جمع أكثر من بليون تقدمها الولايات المتحدة مساعدات للدول الإسلامية الصديقة سنوياً. وقد اقترح الرئيس الأمريكي مبادرة التجارة الحرة للأسباب نفسها. وأكد المشاركون أيضاً أن العالم يواجه مسؤولية كبرى وفي مساعدة أصدقائنا الذين يؤيدون الملايين الذين يعادون التطرف والذين هم في الواقع ضحايا التطرف. فالتاريخ يقف بجانب الحرية والتسامح والتحديث والديموقراطية ويتطلب الشجاعة والإصرار والقوة منّا جميعاً. ونستطيع أن نعتمد على هذا النوع من القناعة التي ستقود إلى النصر.".
[5] وكان جوزف ناي قد صاغ مفهزم القوة الناعمة في الثمانينات وشرحه بالقول: "هي القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الجذب بدلا من القسر أو الدفع http://en.wikipedia.org/wiki/Crowd_manipulation - Crowd manipulation
[6] Understanding Sufism and its Potential Role in US Policy - فهم الصوفية واستشراف أثرها في السياسة الأمريكية – تقرير مركز نيكسون . تعريب د. مازن مطبقاني – صادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية , وينبغي ملاحظة الأصل الإنجليزي لأنني وجدت المعرب قد تصرف في العبارة الخاصة بإيران فقال : "قلب" بدلا من: the fount of modern Islamic enthusiasm" : "ينبوع الحماس الإسلامي المعاصر".
[7] المتخصص في تحليل التحديات و السياسات التي تواجه الولايات المتحدة الأميركية من خلال التركيز على المصلحة الأميركية القومية و الذي أسسه الرئيس الأميركي نيكسون عام 1994.
[8] وقد حضر وشارك فيه المستشرق برنارد لويس، من أشدّ أعداء الإسلام، إلى جانب ثلاثة غير مسلمين بينما حضر نائب شيخ الطريقة النقشبندية الحقانية الشيخ هشام قباني صهر الشيخ ناظم الحقاني القبرصي (الذي ادعى الإتصال بالنبي محمد ص بواسطة التليفون الخليوي وفق قناة الجزيرة )و اثنين من أصول مسلمة.
[9] من الملاحظلات المهمة في هذا التقرير، أنَّ د.تيموثي جيانوتي فرَّق بين "صوفية تقليدية" و "صوفية لا تلتزم حتى بشعائر الإسلام" بل هي مجموعات لقراءات شعر جلال الدين الرومي وغيره.."(هذه التفرقة ستساعدنا في فهم وضع التصوف في إيران اليوم).
[10] لم يذكر التقرير أي تفصيل عن المشاركين و الجهات الأميركية التي يمثلونها على أن هذه الجلسة لم تُسجَّل كما ذكر التقرير، وإنما تم الإكتفاء بما دوَّنه المكلف من المركز. لماذا؟
[11] راجع الهامش رقم 3

الثلاثاء، مايو 25، 2010

” دور التصوف في بناء جيل النصر والتمكين “

يشارك الشيخ علي خازم يومي الأربعاء والخميس 12-13/جمادى الآخرة 1431ه = 26-27 /5 / 2010 م في ملتقى التصوف الثاني الذي ينعقد تحت عنوان : ” دور التصوف في بناء جيل النصر والتمكين “ في كلية الدعوة الإسلامية – بيروت

الاثنين، مايو 24، 2010

يوم القدس يوم إحياء الإسلام

يوم القدس يوم إحياء الإسلام

على عتبة الذكرى السادسة لإعلان الإمام الخميني يوم الجمعة الأخير من شهر مضان المبارك يوماً للقدس .

مجلة الوحدة الإسلامية , العدد 140 , 4 شوال 1405 – 22 حزيران 1985

[وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا – 4 فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً – 5 ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - 6 إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا – 7 عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا - الإسراء - الآية - 8 ]

إعلان يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك يوما للقدس لم يكن بدعا طارئا ولا موقفا استعراضيا او محاولة للإطلال على العالم باستغلال واحدة من أشد قضاياه تعقيدا, لأن الوهج الذي اتسمت به الثورة الإسلامية في إيران كان من القوة بحيث شغل الناس وملأ الدنيا .

قبل انتصار الثورة الإسلامية

هذا الإعلان من قائد الثورة ومؤسس الجمهورية ومرجع الأمة الإسلامية الإمام الخميني كان خطوة متقدمة في مسيرته الطويلة , والتي منذ أن بدأها لتحرير ايران لم تغب عنه فيها خطورة الإحتلال اليهودي لفلسطين وللقدس بالذات كأرض إسلامية , وهو الذي افتى للمسلمين في رسالته العملية بقوله :

"لو غشي بلاد المسلمين أو ثغورها عدو يخشى منه على بيضة الإسلام ومجتمعهم يجب عليهم الدفاع عنها بأية وسيلة ممكنة من بذل الأموال والنفوس .".

ولم يغب عنه ما لهذا الإحتلال من خطر على مجمل أوضاع الأمة الإسلامية العقائدية والسياسية والإقتصادية , فعمل سماحته منذ بدأ حركته على زرع هذه المخاطر والهموم في نفوس وعقول وقلوب المسلمين عامة وفي إيران خاصة , فصارت القدس – ومازالت – جزءا من الهم الثوري الإسلامي يتفاعل يوميا بين ساحات طهران وقم وإصفهان ومشهد : في الحوزات العلمية وفي الجامعات وحتى في البازار( السوق التجاري) .فإن الإحساس بالظلم الواقع على مسلمي فلسطين كان يأخذ بشغاف قلوب إخوانهم في إيران , بينما كانت سلطة الشاه المقبور تبذل جهدها وطاقتها للتعتيم على قضية فلسطين والخطر الإسرائيلي على المسلمين .

وفي نفس الوقت بدأ التسلط الإسرائيلي على مقدرات إيران يظهر إلى العلن شيئا فشيئا , سيما بعد سقوط حكومة مصدِّق الوطنية ( 1373 – 1959) وعودة الشاه إلى إيران بدعم امريكي إسرائيلي . وبمواجهته إنطلقت الثورة الإسلامية راسمة شعاراتها الأساسية الثلاثة :

الإستقلال , الحرية , الجمهورية الإسلامية , دون أن تغيب قضية فلسطين ومواجهة إسرائيل الغاصبة عن المسيرات المليونية المجاهدة والثائرة . فبعد المجزرة البشعة التي ارتكبها جلاوزة الشاه بحق طلاب العلوم الدينية في المدرسة الفيضية (1383 – 1963 ) جرت في العاشر من شهر محرم في طهران وبعد إحتفال حاشد في مسجد أبو الفتوح مسيرة ضخمة كان شعارها الرئيسي :

" فليسقط الديكتاتور فلتسقط إسرائيل "

وهذا الموقف الجماهيري يعكس الموقف العظيم , بإعلان المواجهة مع إسرائيل كأحد الأهداف الأساسية التي تبناها الإمام الخميني ذلك العام (1383 – 1963 ) بعد إطلاق سراحه من المعتقل حيث تحدث سماحته في الطلاب الجامعيين قائلا :

" إن من أهدافنا :الإسلام والإستقلال , وتطهير إيران من رجس إسرائيل والوحدة مع العالم الإسلامي."

ويتبلور هذا الإعلان سنة (1384 – 1964 ) في الذكرى الأولى للمجزرة المذكورة والتي عرفت لاحقا بمجزرة 15 خرداد , حيث قال سماحته :

"منهجنا الإسلام وأهدافنا : وحدة كلمة المسلمين ووحدة العالم الإسلامي والتآخي مع كافة فصائل المسلمين في أرجاء العالم وتأسيس تحالف رصين مع جميع الدول الإسلامية في العالم للوقوف صفا متراصا في وجه الصهيونية وإسرائيل وكل الدول الإستعمارية"

وعلى ما في هذه الأهداف من دقة وبعد نظر , فإن موقف الإمام يصل إلى القمة في تحديده نقطة البدأ وعامل الضمانة للمسيرة باتجاه هذه الأهداف فيوضِّح ما لعلماء الإسلام أمناء الرسل من دور عظيم وجسيم الأمانة التي يحملونها في أعناقهم , فيقول في نفس بيانه هذا :

" إن الدفاع عن إستقلال الأقطار الإسلامية وشجب الظلم والتعسف واستنكار التحالف مع أعداء الإسلام والتبرؤ من إسرائيل وعملائها أعداء القرآن المجيد هي من صلب واجبات رجال الدين وعلماء الإسلام "

بعد انتصار الثورة الإسلامية

تنتصر الثورة الإسلامية (1399 – 1979 ) وتسقط أكبر قلاع الإمبريالية الأميركية , وتكون القدس حاضرة في هذا الإنتصار العظيم بالشعار الكبير :

" اليوم إيران وغدا فلسطين "

وتندفع الجماهيرالمؤمنة تحرق السفارة الإسرائيلية وتطلب من المقاومة الفلسطينية استلامها وتحويلها سفارة لفلسطين وإلى تعيين أول سفير لفلسطين في العالم .

إنَّ فلسطين حاضرة في إيران الثورة قبل إرساء معالم النظام أو شكل السلطة وقبل أي إستفتاء أو إنتخابات ويتجلى ذلك بإعلان الإمام الخميني ومجلس قيادة الثورة :

- قطع العلاقات مع إسرائيل

- قطع النفط عن إسرائيل

- إعلان إيران دولة مواجهة مع إسرائيل

-السعي مع المقاومة الفلسطينية ودول جبهة الرفض لأخذ مواقع قتالية ضد إسرائيل

وينطلق الإمام الخميني عام الانتصار من واجبه الشرعي كمرجع إسلامي ومن ثقته بوعد الله أنَّ القدس يحررها عباد الله المخلصين , وتوحيدا لكلمة المسلمين ودفعا للجهاد ضد إسرائيل من موقع الإسلام لا من موقع الأمم المتحدة او غيرها ليعلن نداءه الشهير يإعلان يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان كل عام يوما للقدس الشريف لتكون قلوب المؤمنين وأفكارهم موحدة بإتجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين , وليكون هذا اليوم محركا للهمم والسواعد نحو الجهاد في سبيل الله ضد اليهود ودولتهم الغاصبة .

العارفون بالإسلام يدركون أهمية هذا الإختيار ففي يوم القدس تأتلف مجموعة من القيم الإسلامية :

الأرض التي باركها الله وما حولها

الجهاد الأصغر والأكبر

الشهادة في سبيل الله

فأيُّ مصادر لإرعاب اليهود الغاصبين وأسيادهم وعملائهم هي هذه القيم مجتمعة في يوم القدس .

...

هذه هي ملامح يوم القدس العالمي: دعوة للجهاد والتحرير

أمَّا في المقابل وقبل مرور سنة على إعلان الإمام الخميني يوم القدس قام النظام العراقي بقيادة صدَّام حسين - ودعم دول الخليج العربي المقرة والنادمة لاحقا- بشن ما أسماه ( قادسية صدام ) لعرقلة استقرار النظام الإسلامي ومنعه من الوصول إلى القدس خدمة للقوى الكبرى وإسرائيل , وتردُّ الجمهورية الإسلامية بتسمية معاركها معه معارك الدفاع المقدس و(الطريق إلى القدس) .

وفي هذه الأثناء تنكشف أوراق كامب ديفيد وقمة بغداد ومشاريع أخرى , هذه الأوراق التي سعت للإعتراف باسرائيل , وتقع مع الأسف قوى وطنية وتحررية فلسطينية وعربية في فخ الألاعيب السياسية , بل وتوشك شعوب أن تقع أسيرة الإعلام المضلل وما زلنا نعاني من هذا الإنقسام رغم كل الوضوح في الإفتراق بين ملامح المعسكرين معسكر القدس ومعسكر اليهود الغاصبين لها .

وهكذا تظهر ملامح يوم القدس العالمي دعوة للجهاد والتحرير والوحدة على اساس الإسلام, ولهذا يجب إحياء هذا اليوم بكل الوسائل الممكنة وعلى صعيد عالمي لتجديد العهد مع الله على الدفاع عن حرمات الإسلام كلها.

وقد بين الإمام الخميني هذا المعنى في بياناته بالمناسبة في السنوات اللاحقة :

" إن يوم القدس يوم عالمي وليس يوما يخص القدس فقط بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين "

"يوم القدس هو يوم الإسلام ويوم إحياء الإسلام فلا بد من إحيائه والسعي لتنفيذ قوانين الإسلام وأحكامه"

" يوم القدس يوم نحذِّر فيه القوى العظمى بأن الإسلام لن يقع بعد هذا تحت سلطتكم بواسطة عملائكم الخبثاء"

ويشدِّد الإمام القائدعلى مسلمي العالم في إحياء هذا اليوم لمعانيه القيِّمة وآثاره العملية فيقول:

" إذا رفعت الجماهير المسلمة البالغة مليارا شعارها فإن إسرائيل ستهاب حتى من صياح هذه الجماهير. عندما يخرج المليار مسلم هاتفين في يوم القدس الموت لأمريكا الموت لإسرائيل فإن هؤلاء سيموتون"

واليوم (1985) ونحن على مشارف الإنسحاب الإسرائيلي الثالث من لبنان , نستطيع وبوضوح أن تلمس

آثار موقف الإمام الخميني ودعوته بهذا الخصوص في موقف العلماء المجاهدين والشباب المؤمن الثائرين يوم السابع عشر من أيار في مسجد الإمام الرضا – بئر العبد في بيروت , وتتجسد آثار موقف الإمام في اعتبار "التبري من إسرائيل وعملائها أعداء القرآن المجيد هي من صلب واجبات رجال الدين وعلماء الإسلام" بالشهادة الصارخة للشهيد السعيد الشيخ راغب حرب الذي أطلق شعاره " الكلمة موقف والمصافحة إعتراف" .

وبانطلاق فصائل المقاومة الإسلامية تزرع الأرض وتجوس خلال الديارليطير صواب العصابات الصهيونية فتعتقل العلماء العاملين والشباب المجاهدين ثم ها هي تطلقهم صاغرة وعلى جباههم سيماء المجد والفخار .

إن المسيرة التي إنطلقت كان ليوم القدس على مدى السنوات الست الأخيرة وخاصة منها سنوات الإحتلال لأرضنا الحبيبة أثر إيجابي هام في التحرير فندعوكم لإحياء هذا اليوم بما يسهم إن شاء الله في تحرير بقية الأرض الإسلامية من خلال تعميق الإلتزام بالطاعة لله عز وجل في مواجهة إسرائيل كموقف شرعي عبر المسيرات والندوات والتدريبات راجين من المولى عز وجل دوام التوفيق لأمتنا الإسلامية وإطالة عمر إمامنا الخميني حتى تقر عينه بحكومة العدل الشاملة على يد الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف .

الأربعاء، مايو 05، 2010

دور مناهج التعليم في الفتنة المذهبية – الشيخ علي خازم

نسخة مصححة دور مناهج التعليم في الفتنة المذهبية – سماحة الشيخ علي خازم .

بحث مقدم إلى مؤتمر "الفتنة المذهبية أسبابها وآليات المواجهة"الذي عقده تجمع العلماء المسلمين في بيروت – لبنان بتاريخ 4 – 5- 2010 . .

مقدمة: .

تُعتًبر الرواية التي ذكرها إبن كثير في كتابه البداية والنهاية في حوادث سنة 367 هجرية أول محاولة لدراسة حال الأمة الاسلامية من خلال دراسة الواقع السكاني للعاصمة بغداد قال: " وزلزلت بغداد مرارا في هذه السنة ، وزادت دجلة زيادة كثيرة غرق بسببها خلق كثير ، وقيل لعضد الدولة إن أهل بغداد قد قَلُّوا كثيراً بسبب الطاعون وما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض والسنة وأصابهم حريق وغرق، فقال إنما يهيج الشر بين الناس هؤلاء القصاص والوعاظ، ثم رسم أن أحداً لا يقص ولا يعظ في سائر بغداد ولا يسأل سائل باسم أحد من الصحابة وإنما يقرأ القرآن فمن أعطاه أخذ منه" . .

فعوامل تراجع الزيادة السكانية بحسب القائلين ثلاثة : .

عامل طبيعي يتمثل بالطاعون والغرق يعني طوفان دجلة , وعامل بشري غير مقصود عبر عنه بالحريق وعامل بشري مقصود عبر عنه بما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض والسنة. .

والذي استوقف الحاكم وممثل السلطة من هذه هوالعامل البشري القصدي وقد أرجع سببه بدون أي تأمل وجهد إلى الإعلاميين والتربويين منهم خصوصا بالمصطلح المعاصر: " القصاص والوعاظ " ومنهجهم الذي " يهيج الشر " ولم يرجعه إلى المعلمين ومنهجهم , بل إنه أضاف عاملا آخر لم يذكره القائلون ولا هو عدَّه لكنه أدرجه في المعالجة وهو الفقر المؤدي إلى التسول باسم أحد الصحابة مما يعني أن الهتاف بأسماء الصحابة في الشوارع كان من أسباب الرزق كما أنه من أسباب الفتن المهلكة للنسل. لكنه لم يعالج السبب فيهما بل منع الأثر الإيجابي في أمره بمنع القص والوعظ ومعلوم أنهما لم يكونا يقتصران على إثارة الشر, وأبقى حالة الفقر وآثارها إذ دعا إلى التسول بالقرآن والرضا بما يعطى. النظام التعليمي في العصر العباسي كان مضبوطا بيد السلطة وادوات النظام التعليمي معلمين وكتب ومدارس كلها كانت تحت عين السلطة بما في ذلك أدوات المعارضة التعليمية أيضا , ولذلك لاحظنا أن عضد الدولة وهو بويهي محسوب على الشيعة لم يشر إليها في تحليله مع أن المدارس الدينية كانت تعنى بالتربية لروادها لكنه حصرالمشكلة في منتديات القصاصين والوعاظ وهي كانت غالبا الدور الخاصة والمساجد . بمعنى آخر إن السلطة السياسية آثرت تحميل أسباب الفتنة المذهبية إلى غيرالمنهج التعليمي بما يبعدها هي عن المسؤولية في إثارة الفتنة المذهبية , ولما لم يعترض عليه أحد من مجالسيه نفهم أن القوى السياسية الفاعلة أقرَّته على ذلك . اليوم بعد أكثر من ألف وثلاثمائة عام أين نحن من هذه المسألة ؟ .

مفهوم ومظاهر الفتنة المذهبية: .

الفتنة المذهبية هي تشدُّد أتباع المذاهب في علاقتهم ببعضهم بناء على معطيات مذهبية وتتفاوت من التضييق المعنوي والمادي إلى القتال وهي من الشرور الواقعة في الأمة الإسلامية كما في غيرها من الأمم وهي من مظاهر الغلو في الممارسة الدينية الناشئة عن غلو في الاعتقاد بخصوص الموقف من الآخر الذي يعتمده البعض داخل كل الفرق بحيث يصيرإلى قسمة الناس قسمة ثنائية حادة : مؤمن وكافر لا حقوق له.

الفتنة المذهبية اليوم قائمة ليس فقط بين رافضة وسنة بل بين السنة أنفسهم وبصور دموية لاتحتاج معها إلى استعراض فهل حال الأمة هو حال الأمة وليس للمنهج التعليمي أي أثر في عين السلطة ؟

مفهوم المناهج ومسارب تأثيراتها:

الواقع السياسي للأمة الاسلامية اليوم مشابه لما كان عليه في القرن الرابع الهجري من حيث توزع الأمة على كيانات متعددة ترتبط شكليا بالخليفة لكن بزيادة أنَّ لهذه الكيانات الجديدة سيادة واستقلالا كاملين بحيث لايمكن النظر إلى الحياة الاجتماعية والسياسية فيها كالنظرة إلى ولايات الخليفة , فلكل منها دستورها وقضاؤها وتعليمها المرتبط بطبيعة واقعها الديمغرافي وبشكل النظام السياسي القائم .

وليس انضواء الدول العربية منها في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (اليسكو) أو هي مع الدول الاسلامية في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو) أي أثر في وحدة المناهج التعليمية عموما فضلا عن مناهج التعليم الديني فلكل منها خصوصيتها التي تخدم أهدافا محددة ولكل منها بالتالي آثارها التي لا تنحصر عندئذ بجانب دون جانب.

يعرف المنهج على أنه جميع ما تقدمه المؤسسة التعليمية إلى تلاميذها تحقيقاً لرسالتها وأهدافها ووفق خطتها في تحقيق هذه الأهداف , ولا بد من التذكير بأن الكلام يدور على التعليم العام ومقررات التعليم الديني أو التربية الدينية ضمنه كماعلى مناهج التعليم الديني المتخصص ( التعليم الشرعي ) والذي يملك في أكثر الدول الإسلامية مؤسساته من التعليم الأساسي إلى الجامعات.

مناهج التعليم في عالمنا العربي والاسلامي عموما تضبط مؤسسات التعليم الرسمي بالكامل ضمن منظومتها الفكرية وغيرالرسمي بشكل متفاوت يصل أحيانا إلى حد تفلته من أي علاقة بالسلطة الرسمية وخصوصا في مجال الدراسة الدينية التي تتشكل مرجعيتها المنهجية بصورة عفوية لا تخطيط فيها ولاتنسيق مع المؤسسات الاجتماعية والسياسية والحقوقية القائمة مما يثير الكثير من الاسئلة المشروعة عن آثار كلا المنهجين في الدولة الواحدة على المواطنين. فضلا عن آثار التعليم الديني العائلي للمواطنين المختلفين مذهبيا مع السائد والحاكم على الصعيد النفسي للمتعلم .

إننا إذا تتبعنا مفردات المنهج التعليمي بمفهومه الواسع كما يقسمها المختصون فإنَّه لا يقتصر على الموضوعات أو المواد أو المقررات الدراسية فهو يتضمن ما يلي :

أ - المقررات الدراسية .

ب - الكتب والمراجع .

ج - الوسائل التعليمية .

د - الأنشطة الدراسية .

هـ - الامتحانات وأساليب التقويم .

ز - طريقة التدريس .

ح - المرافق والمباني والمعدات .

فهو نظام مترابط في الميدان التربوي بجميع مكوناته ، بحيث لا تنفصل المقررات في المنهج عن طرق التدريس أو النشاطات أو الوسائل أو الاختبارات .

وحيث أن التعليم الرسمي لم يعد وحده في الواقع فإنَّ التعليم الخاص في كل مراحل التعليم قد توسع فوجدت المدارس والمعاهد والجامعات المملوكة من أفراد أو جماعات لها رؤيتها في جميع الاختصاصات مما يعني أنَّ مكوناته يمكن تكييفها مع العناوين العامة للمنهج الرسمي دون أن يعني ذلك الالتزام الكامل بها , إضافة إلى أن بعض مكونات المنهج خصوصا في ما يتعلق بالمدرسين وطرق استفادتهم من المكونات الأخرى تتيح حتى للمعلم الرسمي أن يصوغ العملية التربوية أو التدريسية وفقا لمعطياته ومن خلال المقررات والمراجع التي يستحسنها هو وبعيدا عن توجهات النظام السياسي حيث تلاحظ الشكوى من بعض المدرسين الذين يتبعون خطا سياسيا أو فكريا خاصا يفرضونه على طلابهم بصورة أو بأخرى .

هنا تواجهنا مشكلتان : الأولى نفس المناهج التعليمية الرسمية وتأثيرها , والثانية سوء الاستفادة من هامش الحرية المتاح .وكلاهما يؤكدان على فرصة وجود تأثير يدفع بالفتنة المذهبية إلى أبعد مدى .

نماذج من تأ ثير المناهج التعليمية الدينية في التعليم العام: المنهج السعودي :

في بحث قدم إلى مؤتمر الحوار الوطني السعودي، نظمه مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في الفترة من 27/31-12-2003 وشارك فيه أكثر من 40 شخصية من العلماء والمفكرين يقول ابراهيم السكران عن "المقررات الدراسية الدينية" في المملكة العربية السعودية، : " وربما أوضحت هذه الدراسة أن تحميل المناهج الدينية مسئولية تحريك العنف المسلح ضد الغرب أمر مبالغ فيه؛ فأخطاء المناهج الحالية تؤذي علاقة المسلمين بعضهم ببعض أكثر من تحريضها على غير المسلمين، فنحن بحاجة للتصحيح؛ لمصلحتنا أكثر من حاجتنا لتحقيق ما يغضب مراكز القوى.

والواجب ألا نستنكف عن إصلاح أخطائنا لمجرد دعوة غيرنا إلى بعض ذلك، وهذا المعنى مقرر في كتاب الله تعالى حين استنكر الكفار على المسلمين القتال في الشهر الحرام فأقرهم القرآن على إنكار الخطأ وأمر المسلمين بتجنبه، والمهم هو أن يتركز الإصلاح لتحقيق مقاصد الشريعة وحماية مصالحنا.

لقد بينت دراسة المقررات -بحسب إبراهيم السكران وعبد العزيز القاسم- أن اضطرابا شديدا يموج بمحتوياتها في قضايا جوهرية تمس طمأنينة الطالب، وحقوق المسلمين، وأصول التعامل مع غير المسلمين من أهل الكتاب والمشركين، وقواعد التعامل مع المعارف والحضارات، وهو اضطراب يخالف أصول الشريعة، بيد أنه لا يبلغ المدى الذي ادعته حملات وسائل الإعلام الغربية، لكن ذلك لا يمنع من الإقرار بالأخطاء والعمل على إصلاحها. ."

وتحت عنوان الموقف من المخالف بين العدل والتعبئة يكتب : " والمقررات تقدم نصوصا تدفع باتجاه تعبئة الطالب حديث السن ضد المخالف المجهول الغائب عنه، بدل تأكيد روابط الإسلام المتينة وحقوق المسلمين العامة، وتقرير قواعد احترام الاجتهاد، وآداب الحوار، وظروف الاختلاف التي تستوجب رفع الملام عن الأئمة الأعلام -كما عبر ابن تيمية رحمه الله تعالى- وتعرض هذه الدراسة بعض نصوص المقررات المناقضة لقواعد حقوق المسلمين الموهمة لخلاف ما تقرره الشريعة.

ويقدم المقرر للطالب قواعد تكفيرية مجملة عن الأشاعرة والماتريدية، وكافة المخالفين في تفسير نصوص الصفات الإلهية، ويعتبر التحريف كفرًا، ومع ذلك يجعل تأويلات الأشاعرة تحريفًا، ويصف المخالف الإسلامي بالإلحاد! إن عَرض بعض ممارسات المسلمين بمبالغة وتهويل تنطلق بالأخطاء إلى مستويات مشبعة بالتضليل، من الطبيعي أن تربك الانضباط الشرعي للطالب مع المخالفين. وبعد أن يصنف المقرر هؤلاء المخالفين في خانة المبتدعين -دون تفصيل أو تدقيق- يقدم قواعد للتعامل معهم تتعارض مع القواعد الشرعية للتعامل مع المخالف التي سبق أن عرض جانبا منها.

كما يشير المقرر إلى بعض التفسيرات العدوانية السلبية غير اللائقة في تفسير سلوك المخالف المسلم، ومن ذلك افتراض التواطؤ في علاقة المخالف بالمستعمر.

وفي الوقت الذي لفت المقرر انتباه الطالب إلى خطورة التكفير، جازف أحيانًا برسم صور تكفيرية شمولية عن العالم الإسلامي، ومع هذه الصور الموهمة التي تحمل تكفيرا مجملا، يلقي المقرر الكثير من عبارات إهدار الدماء واستباحة الممتلكات، وينثرها بين ثنايا المقرر بشكل فوضوي غير منظم المعنى والمعايير. وحتى لو كان المتهم بالشرك من جهلة المسلمين يقرر المنهج إهدار دمه واستباحة ماله! بل يتجاوز المقرر ذلك إلى تقرير مشروعية استرقاق أهالي المخالفين!

إن المقررات المدرسية تزداد اضطرابا حين تتناول الاتجاهات الفكرية المعاصرة، حيث يتضاعف حجم المجازفة في العبارات التكفيرية بهدف تعبئة الطالب ضد هذه الاتجاهات، بل يتجاوز الأمر -مع القومية العربية- التصعيد إلى تصوير النزعة الوطنية كعقوبة لأي مجتمع يرتد عن الإسلام، كما يقدم المقرر نماذج أخرى من التصعيد فيما يتعلق بالنظريات العلمية المعاصرة في الاقتصاد والسياسة والقانون وغيرها، فقد اعتبر المقرر الديني أن أي مسلم يتبنى النظرية الرأسمالية: منافق نفاقًا أكبر مخرجًا من الملة حتى لو أعلن انتماءه للإسلام." .

المنهج المصري:

ينقل الإعلام أنَّ بعض الاقباط في مصر يشكو من تاثير مناهج التعليم العام بواقع استخدام النصوص الاسلامية فيها على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فضلا عن آثار مناهج التعليم الديني , مما يعد دفعا للفتنة بين المواطنين .

وقد كتب فهمي هويدي تحت عنوان خطأ في العنوان :

بغير مقدمات ظهر وزير التربية والتعليم مع مفتى مصر فى مؤتمر صحفى، وأعلنا عن «انقلاب» فى مناهج التربية الدينية، وفى «البيان الأول» انتقدا المناهج بحجة أن فيها ما يحض على التطرف والعنف، وقالا إن كتابا جديدا عن «الأخلاق» سيدرس للجميع، ويكون مقبولا من جانب مختلف النحل. وإن المناهج الجديدة سيتم العمل بها من العام الدراسى المقبل (2011 ــ 2012).

وهكذا في سائر أنحاء العالم الإسلامي يمكن ملاحظة دور مناهج التعليم في الفتن الداخلية بين المواطنين .

نماذج من تأ ثير المناهج التعليمية في التعليم االديني المتخصص:

تكمن المشكلة الكبرى هنا في كيفية التوفيق بين المواد الدراسية التي يفترض البعض أنها من المؤثرات في إيجاد الشخصية العنيفة والمندفعة في أجواء الفتن , وهي المواد التي لاغنى عنها درسا وتدريسا , وبين ترسيخها في أذهان المتعلمين كمادة علمية لا يجوز الإستناد إليها فرديا في الحياة الإجتماعية , فأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو أبواب الحدود والتعزيرات وأبواب الجهاد والدفاع والكفر والردة وما إليها مثلا عندما تدرس فإنها لا تقدم كما يتم تدريس القانون في كليات الحقوق بل تقدم كأحكام شرعية فردية تتعلق بها ذمة الفرد المسلم بل إن الأخطر هو إنَّ بعض الأحكام تدعوا صراحة إلى مباشرة التنفيذ بدون اللجوء إلى الحاكم الشرعي, هذا إذا كنا نتحدث فقط عن المؤسسات التعليمية الرسمية فكيف إذا وصلت النوبة إلى التدريس المسجدي أو المنزلي أو المدارس الدينية الخاصة التي لاتخضع لسلطة الدولة .

تعديل مناهج التعليم بين الضغوط الخارجية والداخلية :

مناهج التعليم تحت المجهر إذا وليست مستبعدة حتى من الحكام خصوصا مناهج التعليم الديني وعلى الأخص بعد أحداث11 سبتمبر2001 وتقرير " الصحافي الاميركي توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» في رسالته المفترضة على لسان الرئيس الاميركي بوش والموجهة الى وزير الشؤون الاسلامية في المملكة العربية السعودية، ومضمونها المطالبة بإعادة النظر في مناهج التعليم الديني في المملكة العربية السعودية، زعما انها أي المناهج من اسباب ما يعبرون عنه باسم «الارهاب».

وعلى موقع (المسلم) وفي مقابلة مع الدكتور سعد الشدوخي (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، قسم التربية) قال:

" أشرت إلى شيء من كون التعديل الذي يجري متأثراً بصورة أو بأخرى بضغوط سواءً داخلية أو خارجية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن من المهم أيضاً بنفس الدرجة أن نقول: إن حاجة بعض المقررات الدراسية، بل حاجة المنهج ككل لصور من التعديل أو التطوير موجودة من قبل وتقتضيها أسباب أخرى غير هذه الضغوط.".

أهداف التعديل لمناهج التعليم الديني و نماذج منها:

يرتبط أي تعديل أو تغيير أو تطوير بالنظرة المستقبلية وما يراد من أهداف للسياسة التعليمية في أي دولة لكن المشكلة الكبرى هي كون دول العالم الإسلامي عموما تفتقر إلى الدراسات المستقبلية في كل نواحي الحياة .

دعا الباحث الفقهي السعودي الشيخ موسى آل عبد العزيز إلى تقليل تدريس المناهج الدينية في السعودية وتعديل محتوى ما يتم تدريسه من الفقه، حول النقد الذي وجهه عبر قناة الحرة الأمريكية للمؤسسات الدينية والمناهج التعليمية بالبلاد، ومطالبته بالغاء تدريس مادة الفقه في المراحل الدراسية، قال الشيخ موسى إن "نقده للمؤسسات الدينية ليس هجوما بل تقويما، لقد طرحت ما رأيته مناسبا ويخدم المناهج الدينية نحن لا نريد أن ننتج مجتمعا طالبانيا أو رهبانيا أو مجتمعا متدينا مائة في المائة، وهذا لم يحدث في أي عصر من العصور لذلك ذمّ الرسول الكريم الخوارج لأنهم يريدون مجتمع الفضيلة التي لا يقع بها ذنب.

ويضيف: "من المفترض تقليل المناهج الدينية وليس المواد الدينية لأنه من الضروري أن يدرس الناس الأركان الخمسة من توحيد وصلاة وصيام، ورغم أن الزكاة والحج ضرورتان لكنهما للمستطيع، كما أن كثرة القراء والمشايخ ليس مطلوبا، وكذلك المناهج الدينية، فنحن لا نريد جامعات أو مدارس تنتج أفراخا في الدين يقولون مالايعلمون". ويشير آل عبدالعزيز إلى أنه "ليس ضد تدريس مادة الفقه في المراحل التعليمية ولكنه ضد ما يدرس بمادة الفقه، وتساءل مستغربا: لماذا ندرس للناس ما هو ليس واجبا أصلا ولا مطلوبا، فكيف ندرس الأطفال مسائل فقهية في أحكام الطلاق والتكفير". وقال: "نحن لا نريد مجتمعا إرهابيا ورهبانيا نريد مجتمعا إسلاميا مدنيا والدراسة بهذه الطريقة تنتج جيلا لا يفقه"

شدد د."محمد كمال إمام" أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية على ضرورة النظر إلى القرآن الكريم والحديث الشريف باعتبارهما نصوصا مفتوحة وليست مغلقة على معناها المعجمى والكلامى.

وقال هذا الانفتاح فى النص هو ما يسمى بنظرية "المقاصد"، لتصبح ـ أى المقاصد ـ جسرا ورابطا بين كل ما يخص الإسلام من علوم نقلية وكل ما يخدم الإسلام من علوم عقلية، وانتقد "إمام" الاقتصار على علم التفسير والحديث والفقه والشريعة فى الثقافة العامة للمسلم، مؤكدا أن هذه العلوم هى صلب العقيدة الإسلامية.

جاء ذلك خلال الندوة التى حملت عنوان "مقاصد الشريعة ما بين التوثيق والتدقيق" وعقدت بمعرض القاهرة الدولى للكتاب.

وحذر "إمام" من الفصل بين التعليم الدينى والتعليم المدنى، لأن التعليم الدينى همش العلوم الحياتية المهمة، واهتم فقط بعلوم الفقه والشريعة والحديث والقرآن، كما همش التعليم المدنى مؤسسة المسجد ومؤسسة الوقف الخيرى لصالح العلوم الحياتية الأخرى، مما خلق نوع من عدم التوازن لدى طلاب كلا النوعين من التعليم.

فيما أكد د."إبراهيم بيومى غانم "أن العلوم الاجتماعية بكل تفريعاتها هى علوم إسلامية، وكذلك فإن العلوم الإسلامية أيضا هى علوم اجتماعية وضعت لخدمة الفرد والمجتمع، مشيرا إلى ضرورة تدريس العلوم الاجتماعية والإسلامية منخرطين معا.

وحذر من اتساع الفجوة بين كلا النوعين من العلوم، مما يجعل العلم بلا فائدة أو يصبح العلم للعلم كما كان الفن للفن، وتنبأ "غانم" أن يأتى اليوم الذى يكتشف فيه طلاب الدراسات العليا فى الغرب أن أجزاء كبيرة جدا من العلوم التى يدرسونها موجود فى الإسلام الذى قدم لها، وأشار إلى أن هناك العديد من الكتاب والباحثين الغرب الذين يأخذون من الكتب الإسلامية دون الإشارة إلى المصدر ولا يضيفون إليها".

نظرة تاريخية على مناهج التعليم الديني المتخصص تطويرها ومشكلاتها :

تعرضت مناهج التعليم الديني في التعليم العام والمتخصص للتغيير والتطوير لكن على يد الفقهاء وعلماء الدين وغالبا ما كانت مراعية لتيسير العلوم على المتعلم مما فوَّت فرصة الاستفادة من أي مراجعة نقدية للمضمون والأهداف والسياسات ,وكانت وما زالت هذه العملية بعيدة عن أن تشمل دول العالم الاسلامي للاسباب التي أشرنا إليها وآخر مؤتمر شامل كان في سنة 1994 تحت عنوان : مؤتمر تطوير مناهج التربية الدينية الإسلامية في التعليم العام بالوطن العربي وبمراجعة فهرسة أبحاثه تتأكد الملاحظات السابقة .

كيف تشكل مناهج التعليم الديني وتحت أي ضوابط ولمواجهة اي مستقبل ومن هو المؤهل لهذا الدور ؟

العلاقة بين مناهج التعليم الديني والفتنة بمعناها العام والدموية خاصة موجودة ولكن هل مناهج التعليم الديني وحدها المسؤولة عن الفتنة وهل هي إلاَّ ثمرة موروثات تحتاج إلى مراجعة وتطوير وتعديل وتغيير كانت دائما مورد عناية المجددين من العلماء وتحتاج اليوم إلى مضافرة جهودهم بجهود أهل الإختصاص في مجالات التربية والتعليم والإعلام ؟

وبخصوص تأثير مناهج التعليم في الفتنة المذهبية فإنَّ من المطلوب مراجعة الأبواب الفقهية والكلامية التي تُدرَّس للطلاب عن الآخر المختلف وتحديد ما ينبغي تدريسه منها فعلا مع ربط خصوص أحكام الحدود والتعزيرات حيث يلزم تدريسها بمباحث تربط الطالب بواقعه الفعلي والمباحث المتعلقة بالسلطة وولاية شؤون المسلمين وأنَّه يعيش في دولة يقع على عاتقها مراعاة تطبيق الأحكام الشرعية عبر القضاء والقوى الأمنية المختصة .

الخاتمة:

أوَ لو كانت لدينا سلطة سياسية عادلة تحترم المواطنية وتؤمن فرص عمل شريف لمواطنيها بغض النظر عن مذاهبهم وأديانهم ترى هل كنا بحاجة لترك الناس يتسولون بالنداء على أسماء الصحابة بحسب المنطقة التي يتسولون فيها؟

أو ليست كثير من الجماعات السياسية المذهبية المثيرة للفتن نقابات لمتسولين بأسماء الصحابة؟ .

وهل إن مناهج التعليم الديني وحدها التي تقلق أميركا كما يدعي البعض أم مناهج التعليم العام أيضا ؟

هذا السؤال خارج عن موضوع بحثنا لكن لابد منه ؟

"الفتنة المذهبية أسبابها وآليات المواجهة"مؤتمر ل "تجمع العلماء المسلمين في لبنان":

"الفتنة المذهبية أسبابها وآليات المواجهة"مؤتمر ل "تجمع العلماء المسلمين في لبنان": 04/05/10 17:32 الوكالة الوطنية للإعلام سياسة- "الفتنة المذهبية أسبابها وآليات المواجهة"مؤتمر ل "تجمع العلماء": لافهام العالم الاسلامي ان الخطر يأتي من اعداء الامة وعلى رأسهم اميركا وطنية - 4/5/2010 نظم مركز دراسات الوحدة الاسلامية في تجمع العلماء المسلمين مؤتمرا بعنوان "الفتنة المذهبية أسباب المواجهة وآلياتها"، اليوم في مطعم "الساحة" طريق المطار، شارك فيه حشد من العلماء والمفكرين والباحثين والمثقفين. بعد آيات من القرآن الكريم، ألقى الشيخ القاضي احمد الزين كلمة "تجمع العلماء المسلمين" أشار فيها الى "أهمية معرفة اسباب الفتنة المذهبية ومن يقف خلفها وضرورة مواجهتها على المستوى الشرعي والسياسي والشعبي". وترأس الشيخ محمد الزعبي الجلسة الاولى عن "اسباب الفتنة المذهبية". وكان البحث الاول لمدير مركز دراسات الوحدة الاسلامية الشيخ الدكتور عبد الله حلاق بعنوان الفتنة المذهبية وآليات المواجهة الدينية". وركز على "ضرورة فهم ابعاد هذه الفتنة وتبيان خطوات مرحلية للتصدي لها على كل المستويات". وثم تحدث الدكتور طلال عتريسي بعنوان "الدور الغربي والصهيوني في الفتنة المذهبية بين المسلمين". وكان بحث ثالث للشيخ علي خازم عن "دور مناهج التعليم في الفتنة المذهبية" (إقرأ البحث في رسالة مستقلة). اما البحث الرابع فكان للدكتور محسن صالح بعنوان "دور الاعلامي في الفتنة المذهبية"، اشار فيه الى "خطورة الاعلام الغربي والصهيوني وبعض الاعلام العربي في اذكاء الفتنة المذهبية بين المسلمين". كذلك تحدث الشيخ مصطفى ملص عن "دور الفتاوى الشرعية في الفتنة المذهبية"، والقى الضوء على "سلبية الفتاوي الشرعية المسيئة وتأثيرها السيئ على جمهور المسلمين". جلسة ثانية وعقدت بعد الظهر جلسة ثانية ترأسها الشيخ خضر نور الدين. وكان البحث الاول لنائب الامين العام ل"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم عن "دور الحركات والاحزاب الاسلامية في مواجهة الفتنة المذهبية" فتوقف عند "دور حزب الله في السعي الى وأد الفتنة المذهبية".ولفت الى ان "توحيد الامة الاسلامية في مواجهة الكيان الصهيوني ومن يدعمه هو من اهم اسباب وأد الفتنة المذهبية". وقال: "ليس هناك قضية اسمها الخلافات المذهبية، وإنما القضية هي الخلافات السياسية، التي يقودها حكام أو زعماء أو قادة، ويحتاجون إلى إثارة الخلافات المذهبية لشد عصب جماعتهم معهم أو منعهم من التأثر بالآخرين، وعندها ينساق بعض العلماء الذين يروجون للفتنة المذهبية من حيثيات التحرك السياسي، الذي يقوده السياسيون، ويغذيها بعض علماء الدين لخدمة هؤلاء السياسيين". وتناول البحث الثاني للدكتور محمد منير سعد الدين "دور التربية في إبعاد الفتنة المذهبية". اما البحث الثالث فللدكتور علي الشيخ عمار عن "دور الفكر الاسلامي في منع الفتنة المذهبية". وركز الشيخ ماهر حمود في البحث الرابع على "التقارب السني الشيعي". وتوقف الشيخ هشام خليفة في البحث الخامس عند "دور العلماء السنة والشيعة في وقف الفتنة والمذهبية". بيان ختامي وفي الختام، تلا رئيس الهيئة الادارية في تجمع العلماء المسلمين الشيخ حسان عبدالله بيانا ختاميا عدد فيه اسباب الفتن المذهية ومنها الثقافي والسياسي والميداني، ثم عر ض لآليات المواجهة كالآتي: "اولا: لا بد من تعميم ثقافة الوحدة الاسلامية من خلال العلماء المخلصين بالتوجيه نحو الجمهور بخطاب وحدوي يوضح ان الوحدة هي تكليف شرعي والخلاف خروج عن جادة الشريعة المقدسة. ثانيا: التنبه لخطر الفضائيات والمواقع الالكترونية التي تحض على الفتنة المذهبية. ثالثا: الافادة من الفضائيات والمواقع الالكترونية لبث الافكار الوحدوية وانشاء عدد كاف منها والتعريف بها. رابعا: التوضيح للعالم الاسلامي ان الفتنة المذهبية اساسها ومحركها سياسي وليست ناتجة من خلاف فكري عقائدي. خامسا: حصر النقاش في القضايا الخلافية من المسائل العقائدية والتاريخية والفكرية بين اهل العلم وفي المراكز العلمية وعدم نقله بأسلوب مثير الى الشارع العام. سادسا: توجيه العالم الاسلامي الى ان الخطر الحقيقي والعدو الاساسي هو العدو الصهيوني وان فلسطين والقدس الشريف ما زالا محتلين وان الجهد يجب ان ينصب على تحريرهما ودعم من يسعى الى ذلك وان اثارة الخلاف المذهبي تعوق عملية التحرير. سابعا: افهام العالم الاسلامي ان الخطر على الأمة يأتي اساسا من اعدائها وعلى رأسهم اميركا التي تحمل جزءا كبيرا من العالم الاسلامي في افغانستان والعراق وان هذا الاحتلال يعتمد في بقائه على اثارة النعرات المذهبية والحل يكمن في وحدتنا مقدمة لاخراجه من بلادنا التي احتلها. ثامنا: التأكيد ان الذي يقربنا من الدول والاحزاب والشخصيات ليس انتماؤها الى مذهبنا بل حملها لقضايانا، وبالتالي فمن يحمل قضيتي بغض النظر عن مذهبه أقرب الي ممن يساعد عدوي في احتلاله لاراضي. تاسعا: افهام العالم الاسلامي ان الغرب بما يمثل يشكل خطرا كبيرا على ديننا وهو يريد القضاء على الاسلام وليس على مذهب معين، وهو عندما يستهدف الرسول عبر الرسوم الكاريكاتورية وغيرها انما يستهدف رأس الاسلام وليس مجرد هذا المذهب او ذاك، وبالتالي يجب ان نتحد ونتفرغ لمواجهته. عاشرا: لا بد من حركة جماهيرية في الدول الاسلامية كافة التي يقف قادتها اما صامتين وعلى الحياد او مشاركين في المؤامرة على شعوبهم وقضاياهم. وهذه الحركة يجب ان تحرك الحكام ولو ظاهرا لاتخاذ مواقف مؤثرة من مخططات الفتنة في عالمناالاسلامي، والا فليكن التغيير. حادي عشر: لا بد من الضغط على ما يسمى كبار علماء الاسلام لاتخاذ مواقف تتناسب مع مواقفهم وتحميلهم مسؤولية تاريخية وشرعية من ان سكوتهم مشاركة في المؤامرة التي يعمل لها أعداء أمتنا". =======م.ع.

الخميس، أبريل 22، 2010

حكم الردة عن الإسلام والعلاقة بينه وبين مسألة الحرية الدينية - الشيخ علي خازم

سلسلة ندوات نظّمها «منتدى الفكر اللبناني» تحت عنوان «الحرية بين الإسلام والغرب»، وطرحت النقاش من زاوية المواجهة بين القيم الماديّة والدينيّة
مداخلة الشبخ علي خازم في الندوة التي حملت عنوان «أحكام الردّة وأحكام تغيير المعتقد» الاثنين 8 شباط (فبراير) 2010، بمشاركة الشيخ عبد الله الحلاق مركز «جمعيّة المعارف الثقافيّة الإسلاميّة» .

الجمعة، مارس 05، 2010

المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية :مؤتمر الوحدة الإسلامية الثالث والعشرون : الأمة بين المذهبية والطائفية

عقد المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية - المؤتمر الدولي الثالث والعشرين للوحدة الإسلامية تحت عنوان (الأمة الإسلامية بين المذهبية والطائفية) بمشاركة كوكبة من علماء ومفكري العالم الإسلامي وذلك بمناسبة مولد الرسول الأعظم سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وحفيده الإمام الصادق (عليه السلام) وأسبوع الوحدة الإسلامية في طهران خلال الفترة بين (15 ـ 17 ربيع الأول 1431) الموافق (2 ـ 4 مارس / آذار 2010) .
وفي الجلسة المخصصة للإعلان عن جوائز وتكريم الشخصيات والمؤلفين ووسائل الإعلام تم الاعلان عن اختيار مجلة الوحدة الاسلامية التي تصدر عن تجمع العلماء المسلمين في لبنان كوسيلة اعلامية مطبوعة مفضلة في التقريب والوحدة وسلمت الجائزة وشهادة التفدير إلى الشيخ علي خازم .
نص مشاركة الشيخ علي خازم في الجلسة التاسعة من جلسات المؤتمر: الامة بين الاسلام والعصبية الجاهلية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عنوان المؤتمر الأمة بين المذهبية والطائفية وترجمته الى الانكليزية: Islamic Ummah From Religions Pluralism To Sectarianism والترجمة الفارسية: امت اسلام از تنوع مذهبي تا فرقه‌گرايي توحي هذه العناوين بتعريفات توظف الاستخدام ل"المذهبية" في اتجاه ايجابي و ل"الطائفية" في اتجاه سلبي فهل الواقع الاجتماعي الاسلامي يصدّق هذه الصورة او يخالفها؟ أولاً في المذهب:

لن استرسل في تعريف المذهب وفي تقسيمه الى كلامي وفقهي وسياسي لأنه ناظر الى تصنيف الموجود النظري منهما، أي في دلالته المعرفية، ولكن النظر في وظيفة التعريف العملية يصيِّر المذهب مصدراً للموقف من الآخر انساناً والواقع الاجتماعي حياةً، وهنا تبدأ المفارقة المهمة، فكيف يبقى للمذهبية وصفها بالايجابية اذا أدت الى الحكم بالغاء الآخر ونفيه واعتباره مستحقاً للقتل لمجردكونه كذلك؟ في ثمانينات القرن الماضي وصفت دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية ومعها اللقاء الاسلامي -الذي كان يضم قيادات سنية روحية وزمنية- اشتباكات حركة أمل وتنظيم "المرابطون" وتنظيم فلسطيني بالهيمنة "المذهبية" على بيروت رغم رفض واستنكار المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى لهذه الاشتباكات. وفي العقد العاشر من الالفية الثانية علماء مصريون يتهمون ايران بالتبشير "المذهبي الشيعي" والأزهر يقرر الغاء تدريس كتب الفقه "المذهبي" السنية (المتون)، ويستبدلها بمقررات خاصة. الهيئة العلمية العليا للافتاء بالمجلس العلمي الاعلى في المملكة المغربية تشجب فتاوى الشيخ يوسف القرضاوي لاهل المغرب وتعتبره متخطيا كل الاعراف والتقاليد. وفي 17 كانون الثاني الماضي 2010 عنونت جريدة المصريون – خاص. مصر توفد مئة فقيه وعالم لمواجهة التشيع الايراني بدول الحزام الاسلامي بافريقيا (تشاد، جيبوتي، بوركينافاسو – غينيا كوناكري – والصومال والجابون – الخ.. ثانيا في الطائفية:

ان التعبير عن الطائفة بالفارسية بالفرقه وبالانجليزية بالSect يحتاج هو ايضا الى مراجعة. فالغالب عند المؤرخين للاتجاهات الاسلامية إستخدام مصطلح "الفرقة" للدلالة على اتباع المذهب الكلامي وهم لا ينظرون اليه كاسم ذم – كما في اصطلاح الاحناف عن البغاة – الا بقرينة تضعه تحت مفهوم (حديث الافتراق) هذا للفارسية.

واما الفرنسية فبالتتبع التاريخي رجوعا الى الوراء في الزمن فإننا نجد مصطلح الطائفة والطائفية يرتبطان بالدلالة على الجماعة الدينية السياسية والإلتزام بها , وبحذفٍ للمصطلح العثماني "ملة" . فقد عبَّر الانتداب الفرنسي في عشرينات القرن الماضي عن المسلمين والمسيحيين بمذاهبهم على لبنان مثلا في نص الدستور الذي وضعه لنا باستخدام communautés واستمر استخدام هذا التعبير في دستور الطائف في الثمانينات وهو مستمرالى يومنا. ان استخدام Sect يدل على توظيف اجتماعي غير مرتبط بالدين فهو يستخدم لسائقي سيارات الاجرة في باريس مثلا.

ان مصطلح "الملة" في نظام الملل العثماني اعطى للطوائف الدينية ذات الحضور السياسي في ظل السلطنة العثمانية كدولة اسلامية – حرية في ادارة شؤونها الدينية والوقفية والاحوال الشخصية، ومع الأسف بعد استقلال الدول العربية والغاء العمل به لم تتقدم هذه الدول بحل يحفظ استقرارها الداخلي من هذه الجهة كما كان الحال مع السلطنة العثمانية وحتى الديمقراطية التوافقية لم تف بالغرض لا في لبنان ولا في العراق. وفي هذه العجالة لم اتطرق إلى التعبير الانجليزي مع الإحتلال والانتداب البريطاني في مصر والعراق وفلسطين.

ثالثا في الأمة:

هل هي الدولة أو هي مجموع الدول المجموعة في منظمة المؤتمر الاسلامي او هي مجموع المسلمين في دار الاسلام؟

ماهي طبيعة العلاقة بين دول العالم الاسلامي والامة الاسلامية؟

ماهي طبيعة العلاقة بين مسلم في دولة وآخر في دولة اخرى؟

ماهي العلاقة بين الدولة ومواطنيها مسلمين مختلفين وغير مسلمين؟

الخلاصة :

اننا أمام واقع كل ما فيه اشكالي بدءا من نفس الحوادث والوقائع السياسية والإجتماعية، الى محاولات توصيفها وتفسيرها وبالتالي معالجتها، وعودة الى ما بدأت به فان الجانب العملي من تعريف المذهب هو الذي يؤسس رؤيتنا وتفسيرنا وقرارنا ازاء هذه الحوادث من اختلاف الفتوى الى الحكم بالردة وتنفيذه.

نحن بحاجة اذا الى مراجعة علمية لشبكة من المفاهيم لاتنحصر بالدين والملة والحزب والطائفة والفرقة واصحاب المقالات والسياسة والكلام والفلسفة والفقه واصوله بل تتجاوزها الى نفس مصطلحات التقريب والالفة والوحدة الاسلامية ولاتنتهي عند مصطلح المواطنة والطائفة. ونحن بحاجة إلى نحت مصطلحات تدل على المفاهيم من جهة وترتبط بجذورها في القرآن واالسنَّة.كما اننا بحاجة الى النظر الى الانسان المسلم والمجتمعات الاسلامية وترتيب الاولويات كما اننا بحاجة الى تحسس مراقبة غير المسلمين لما يدور بيننا وأثره على الدعوة الى الاسلام.

ما هو حال الامة بين المذهبية والطائفية ليس هو السؤال

ما هو حال الامة بين الاسلام والعصبية الجاهلية هذا هو السؤال.

ألبوم الصور