الاثنين، أغسطس 27، 2012

حوار حول العلاقات المصرية الإيرانية ومؤتمر دول عدم الإنحياز


حوار حول العلاقات  المصرية  الإيرانية ومؤتمر دول عدم الإنحياز اجراه الباحث د. هيثم مزاحم مع الشيخ علي خازم


ما هي أهمية هذه الزيارة للرئيس المصري إلى إيران وهل من إمكان لاستئناف العلاقات الإيرانية المصرية بعد ثلاثة عقود من قطعها؟
إذا تمت الزيارة  وإذا لم  يحصل ما يعيقها كما في  كل المحاولات السابقة لتصحيح العلاقات المصرية الإيرانية فإن لها دلالات هامة  على المستوى الداخلي المصري أبرزها تغير سقف التوجهات لدى الأجهزة الأمنية المصرية التي كانت تحبط كل مسعى من الديبلوماسية المصرية للتقارب مع إيران بافتعال قضايا مثل  "التنظيم الشيعي" بحيث يصير الأمن القومي المصري مهددا من إيران لتتراجع الخارجية المصرية عن خطواتها.
أما الإمكانية  فقد كانت دائما قائمة وهي اليوم من باب تحصيل الحاصل في حركة مصر لاستعادة دورها الإقليمي.
ما أهمية إعادة العلاقات المصرية الإيرانية وضرورة إعادة فتح السفارة المصرية في طهران والسفارة الإيرانية في القاهرة؟
السفارات عادة  هي  قنوات تواصل مباشر وتتولى متابعة الإتفاقيات فضلا عن توليها رعاية المؤسسسات المشتركة وهي للمناسبة كثيرة بين إيران ومصر سواء المؤسسسات الحكومية المشتركة كبنك مصر إيران الذي تعرض لاتهامات اميركية قبل عامين  والمؤسسة المصرية الإيرانية  للنسيج او المؤسسات الشعبية  والثقافية والتعليمية الأزهرية والأكاديمية الأخرى.
هل ترى ضرورة تحالف كل من مصر وإيران والعراق وسوريا ودول عربية وإسلامية أخرى ضد الكيان الإسرائيلي؟
وحدة الموقف العربي والإسلامي  ضرورة لمواجهة تحديات القرن الحالي والقادم سواء على المستوى الوجودي في ما يعني الإحتلال الإسرائيلي وتداعياته الغربية اوعلى المستوى الحضاري والتنموي في ما يعني تحسين  الأوضاع الداخلية لدول منظمة التعاون الإسلامي او بتقديم النموذج الإنساني الامثل على المستوى العالمي.
كيف تفسر القلق الأمريكي والصهيوني من زيارة مرسي لطهران؟
موضوع القلق من مصر الجديدة هو سعيها لاسترداد السيادة الوطنية  واستقلال القرار السياسي وفك الارتباط الخادم  لمصالحهما في المنطقة لذي سيفرض تغييرا في أجندات حكومات اخرى في المنطقة احتياطا لاستمرارها وعدم سقوطها في دائرة الانتفاضات الشعبية.
ماذا تتوقع من مؤتمر قمة عدم الانحياز ودورها في تطورات المنطقة ولا سيما في فلسطين وسوريا.
أتمنى ان يتمكن المؤتمر من استعادة  كثير من الدول إلى مواقعها التاريخية  في مواجهة الاستكبار الأميركي والطغيان الغربي وخصوصا في ما يعنينا كقضية فلسطين .
كيف يمكن لدول عدم الانحياز أن تستعيد دورها وتشارك في قرارات المنطقة وأن تتخذ مواقف حاسمة تجاه تحولات المنطقة؟
هذا يتطلب رؤية جديدة للنظام العالمي مبنية على واقع الدول المشاركة وتعيين قضاياها المشتركة وآليات عمل متعددة لا تسمح بإنتاج هيمنة جديدة.
ما رأيك في مسالة تعديل النظام السياسي للأمم المتحدة ومجلس الأمن. كيف يمكن لدول عدم الانحياز أن تؤدي دورا في عملية تعديل النظام السياسي للأمم المتحدة ومجلس الأمن؟
هذا السؤال مطروح منذ فترة لكنه يبقى أسير مقولة الشعر والإنشاء  العاطفي ما لم تعزز المنظمات الإقليمية تعاونها السياسي والإقتصادي لتستعيد استقلالها عن عجلة الإقتصاد الغربي الذي يطحن بمؤسساته احلام الفقراء وعندها يمكن الكلام عن التغيير الطبيعي والتعديل الذي يصير حاجة ماسة.

الجمعة، أغسطس 17، 2012

حوار مع الشيخ علي خازم في يوم القدس العالمي


حوار  مع الشيخ علي خازم في يوم القدس العالمي - وكالة فارس للأنباء .

الإمام الخميني سمّى آخر يوم جمعة من رمضان بيوم القدس العالمي. في رأيكم ما هي معاني هذا الإعلان  وما هي تأثيراته على القضية الفلسطينية؟
أعاد الإمام الخميني "قده" في وقتها إلى القضية الفلسطينية بعدها الديني  وبذلك اعادها إلى ساحتها العالمية بعد الإتجاه بها لحصرها ببعدها القومي العربي بل القطري الفلسطيني.
هل كانت هناك نتائج عملية لهذا الإعلان في دعم المقاومة في لبنان وفلسطين وكيف؟
لقد رتب ذلك الإعلان على  الجمهورية الإسلامية جملة من المسائل تجاه القضية والشعب الفلسطيني ظهرت في تقديم اصناف الدعم المادي والمعنوي لممثليه من تنظيمات ومؤسسات وكذلك في تبني خياري المقاومة والممانعة  على المستوى الحركي والديبلوماسي من اعتماد سفارة  لفلسطين في طهران إلى تقديم كافة أشكال الدعم العسكري واالمالي. وأهم من ذلك هو تقديم البرهان الحي على قدرة الشعوب على استرداد حقوقها من حكومات الجور والطغيان مهما بلغت في قوتها ومهما كانت صنوف الدعم الخارجي لها.
بعد عشرين سنة من مفاوضات التسوية مع الكيان الإسرائيلي، أصبحت قضية فلسطين في المجهول ما هو البديل عن هذا الخيار؟
البديل هو العودة  إلى خيار المقاومة والمواجهة العسكرية بدعم الشعوب الإسلامية  والشعوب التي استعادت وعيها لحقيقة الغصب والإحتلال الصهيوني لفلسطين فضلا عن وعي العالم  للاعمال الوحشية  التي تمارسها حكومة إسرائيل.
هل أثر انتصار المقاومة في لبنان وتحريرها للأرض على دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني وتمسكه بخيار المقاومة؟ وهل من تأثيرات لانتصار تموز وانتصار 2000 على المقاومة الفلسطينية كنموذج؟
لقد أثبتت المقاومة الفلسطينية في حرب غزة 2009 وانتصارها فيها حجم الإستفادة من التجربة اللبنانية في مجالات الإستعداد لحفظ واقع الشعب الفلسطيني والقدرة على تحصيل الدعم  العالمي بل لفرض التغيير على أجندات الكثير من حكومات  العالمين العربي والإسلامي والعالم.وظهر ذلك في المواقف الدولية في منظمات اممية كالأونيسكو وغيرها.
هل من تفاؤل بانتفاضات الربيع العربي وخدمتها للقضية الفلسطينية؟
التفاؤل قائم باستعادة وعي الشعوب العربية لقضاياها وترتيب اولوياتها من جهة وتحديد مصادر الإستقلال السياسي واستعادة السيادة الوطنية على مواردها من جهة اخرى مما يعني قطع يد الحكومات الداعمة للكيان الصهيوني الغاصب وتجفيف منابع استمراره في اغتصاب فلسطين وهدر الحقوق الإنسانية للفلسطينيين.
هيثم مزاحم

الأحد، أغسطس 12، 2012

الإمام علي عليه السلام وعلم الكلام



بمناسبة ذكرى إستشهاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هذه المقالة من كتابي على باب علي :


الإمام علي عليه السلام وعلم الكلام


يفترض العنوان علاقةً ما بين طرفيه, فإذا التزمنا تأخر نشوء العلم عن الإمام, من حيث تحرير مسائله وتجميعها, هل يمنع ذلك تأثيره عليه السلام فيه؟ أم أنه يحقّ لنا خوض غمار البحث مفترضين أن الالتزام بالتاريخ يجعل ممن باشر النظر وأبدى الرأي في مسائل علم ما جزءاً منه. أَوَليس يُعَدّ هذا الأمر مقبولاً في العلوم المختلفة فلماذا يتوقف فيه هنا؟ قد يرى البعض[1] أن ليس ثمة سبب واضح لذلك إلا تفرّد الإمام بهذه المباحث من بين أقرانه (صحابة وتابعين معاصرين), فضلاً عن الموقف السلبي لبعضهم من طرح هكذا مسائل, وضمناً ينجرّ البث هنا إل عملية التشكيك المتكرر في صحّة نسبة هذه الآراء إليه عليه السلام.

وقد استوقفتني هنا مسألةٌ هي ضرورة البحث المعمّق عن قيمة إدخال الإمام عليه السلام في علماء الكلام, واعتباره أوّل من تكلّم, والآثار المترتّبة على هذا التوجّه.

أليس من شأن الانطلاقة على أساس الإحساس بمظلومية الإمام والعصبيّة له أن تخرجه عن كونه جزء العقيدة التي جاء "الكلام" ليدافع عنها؟ شأن المذاهب الكلاميّة في كلّ الأديان, والإسلام خصوصاً؟

هذا ما أعتقده لالتزامي بإمامته عليه السلام, وما يترتّب عليها من اعتبار كلامه جزءَ النّص الدّيني, ومفسّراً له من داخله, ولغيري أن يراه كما يشاء. وعليه, فإنني أذهب في البحث عن تأثير الإمام والأئمة من بعده في المدارس الكلامية والفلسفية, في التفكير الكلامي والفلسفي لا في البحث عن كونه من علماء الكلام

تعريف علم الكلام

تيرى "الفارابي" أن الكلام: "صناعة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة, التي صرّح بها واضع الملة, وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل"[2].

ويرى "الإيجي" أنه علم "يُقتدر معه على إثبات العقائد الدّينية بإيراد الحجج ودفع الشُّبه, والمراد بالعقائد ما يُقصد فيه الاعتقاد نفسه دون العمل, وبالدّينية المنسوبة إلى دين محمد عليه السلام, فإن الخصم وإن أخطأناه لا نخرجه من علماء الكلام"[3].

بينما يرى "الغزالي" أنّ المقصود من الكلام "حفظ عقيدة أهل السّنّة وحراستها من تشويه أهل البدعة"[4].

تطرح هذه النماذج من تعريف علم الكلام واحدةً من المسائل في مقدّماته, وهي أنّ علم الكلام يثبت العقائد الدينية بطريقٍ آخر هو العقل, أو أنّه وجد للدّفاع عنها فقط.

وقد لاحظنا هذا الفرق بين رأيي "الغزالي" و"الفارابي", وما ذَهَبَ إليه الإيجي من الجمع بينهما, وقد تبنّى الشّهيد "مطهّري" الرأي الأخير بقوله عن علم الكلام "يبحث فيما يجب معرفته من المعتقدات بنظر الإسلام على النّحو الذي يوضحها ويستدلّ عليها ويدافع عنها"[5].

وهذا الفرق من الأسس في الاختلاف بين الفلسفة الإسلامية والكلام الإسلامي الذي ترتّبت عليه مسائل الاختلاف المتعددة.

وقد اختلف في تسمية هذا العلم قديماً. فذكر عناوين مثل: "علم الكلام", "الفقه الأكبر", "أصول الدين", "علم التوحيد والصفات", "علم النظر والاستدلال" و"العقائد", إلا أن المتأخّرين عنهم درجوا على استخدام "علم الكلام" كعنوان للمباحث الخاصة به, ولتفسير هذا الاصطلاح واختصاصه بالكلام مورد آخر.

ما يهمّنا هنا, أنّ هذا العلم مظهر للحركة الفكرية عند المسلمين في مجال العقائد الإسلامية, التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وآله, وأنّه والفلسفة الإلهية, بل والتصوّف كما ذهب إليه البعض من حيث "اعتباره جزءاً من نظريّة المعرفة, أي طريقاً ثالثاً, إلى جانب الحسّ والعقل"[6], قد قدّموا للمسلمين الأجوبة عن تساؤلات نشأت بينهم بغضّ النظر عن مصدرها.

بدايات علم الكلام.

للبحث عن بدايات علم الكلام, يجب الانطلاق من التعريف المتضمّن لغرضه, وصيغة الجمع (بدايات) ناشئة عن أن المباحث الكلامية لم تأتِ دفعةً واحدة من حيث الزمان, بل طرحت في فترات مختلفة, والتأريخ لها, هو تأريخٌ لمجمل العلم.

وقد اضطربت آراء المؤرخين فيه, وأحسبه راجعاً إلى سببين:

1- الاختلاف في تحديد أولى المسائل المطروحة والإجابة عليها.

2- الاختلاف في تفسير منشأ التساؤلات وطبيعتها.

ويمكننا هنا أيضاً الوقوف عند اعتبار بعض الشخصيات من علماء الكلام, أو أنّها من "رواة الحديث" في المباحث العقائدية ك"ابن حنبل" مثلاً أو كما عند الشيعة, مصدراً من مصادر الحديث كالأئمة عليهم السلام.

العلاقة بين "الفلسفة والكلام" و"القرآن الكريم والحديث الشريف".

والمراد من الفلسفة هنا ما اصطلح عليه بالفلسفة الإلهية, أو فلسفة المسلمين, حيث لم يخرج أحدٌ من الفلاسفة عن صحّة الاعتقاد بالإسلام حتى الذين قاربوا المنهج المادّي في طبيعيّاتهم ك"ابن رشد", فالمشهور أنه لم يوجد في التاريخ الإسلامي فيلسوف مادّي واحد.

على هذا, وكما يرى "الشيخ عبد الله نعمة" فإن "علم الكلام يدخل في فلسفة ما وراء الطبيعة لأنه جزء منها, ويلتقي في أكثر مواضيعها وخاصةً حين نأخذ باعتبارنا تعريف علم الكلام بأنّه البحث على الموجود من حيث ملاءمته للدّين على خلاف الفلسفة بقول مطلق التي لا تتقيّد باعتبار خاص"[7].

وكلام الشيخ رحمه الله ناظر إلى أعمّ من الفلسفة الإسلامية التي لم تخرج في مباحثها المرتّبة على النّسق اليوناني عن استهداف الوصول إلى العقائد الإسلامية وإن بتفسيرٍ يختلف مع مذاهب الكلاميين في موارد عدّة, أبرزها تفسير وجود العالم بعد الاتفاق على وجود الخالق, وأنّه على نحو الفيض فهو قديمٌ مقابل قول المتكلّمين بأنّه حادثٌ ممكن أو محتاج وأنّ السّبق دهريّ أو زماني الخ...

علم الكلام والفلسفة الإسلاميان إذاً, يمثّلان اللاهوت الفسّر الذي يأتي عادةً بعد مرحلة طرح العقيدة الدّينيّة من قبل النبي, فالقرآن الكريم والحديث النّبوي قدّما للمسلمين نظاماً للعقيدة, وقد تقبّله المسلمون في عهد النبيّ (ص), ليس كما ادّعى البعض دون جدل مطلقاً بل قبلوا منه ما اتّفق مع بساطة الفطرة, أو جاء واضحاً لأذهانهم, لكنّهم لم يدعوا السؤال عمّا تحيّروا فيه من التّوحيد والروح والساعة وغيرها... وتفيض بهذه التساؤلات والإجابات الآيات الكريمة وكتب الحديث.

نعم يمكننا القول إن الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة, لم تتعرّض لأكثر التّفاصيل التي غاص فيها المتكلّمون المسلمون فيما بعد, أو الفلاسفة.

وهنا يصل البحث إلى تميّز الشّيعة عن بقيّة المذاهب باعتقادهم حجية أقوال أئمّتهم كجزء من "السّنة", لكن هذا الأمر يطرح أشكالاً هو كيفية قبول "النقل" في المسائل الاعتقاديّة التي يجب فيها "النظر"؟ وقد أجيب عليه أولاً: بقبول ما يجري منه مجرى البرهان العقلي كما في أكثر محاورات الإمام علي (ع) والإمام الصادق (ع) مع بض المتشكّكين أو الزنادقة, وثانياً: أنه ثمة مسائل لا يمكن للعقل البرهان عليها, وإنّما يمكن أن يكون دليلاً على أساسها في أحسن الأحوال.

وعلى ماذكرنا, فإنّ المدرسة الكلاميّة الشّيعيّة, وفي فتر ة تمتدّ إلى غيبة الإمام المهدي (عج) في القرن الثالث الهجري كانت تصدر عن أئمة المذهب مباشرةً بالمعنى المذكور[8], وعن متكلّمين بارزين تلامذة لهؤلاء الأئمة ك"ميثم التمار" من أصحاب الإمام عليه السلام, وأحد أحفاده "علي بن إسماعيل" (المعاصر ل"عمرو بن عبيد" و"أبي الهذيل العلاّف") و"أبي جعفر مؤمن الطّاق محمد بن علي بن النّعمان الموصوف بالكلام وصاحب المجالس المشهورة مع "أبي حنيفة", وهو من تلامذة الإمام الصادق(ع), وغيرهم كثير[9].

ما ذكرناه يساعد على إظهار أنّ ما قاله "إبن خلدون" عن اعتبار الكلام من العلوم النّقليّة, وأنّ سبب ظهوره هو البحث في المتشابه من القرآن الكريم والحديث[10], له أساسٌ متين, وأنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين العمل العقلي لإثبات أو الدفاع عن العقيدة الإسلامية – في القرون الثلاثة الأولى على الأقل- وبين القرآن والحديث, وهو يلاحظ في الجانب الشّيعي استمراراً, فميا تبرزه في الجانب السّنّي مدرسة أهل الحديث.

هذا أولاً, وثانياً, إنّ الشّيعة بالاعتبار المذكور لا يظهر عندهم تباينٌ بين كلامهم والحديث على الأقل في الفترة المذكورة, لإمكان الرجوع في المسائل المطروحة إلى الأئمة (ع), فيما يقال إنّ المدارس السّنيّة في الكلام جاءت كضرورة لتقديم ما لم يقدّمه النّقل أو لمنع البحث فيه تعبداً.

وما تقدّم يدعم القول بأن علمَ الكلام قد نشأ عن مؤثرات وأسباب من داخل المجتمع الإسلامي, وأن الوافد (يونانياً كان أم غير ذلك) إنّما ساهم في البلورة والتّفصيل.

عودة إلى البدايات


قلنا فيما سبق إن الاختلاف في التأريخ لعلم الكلام يرجع إلى اعتبار مسائله وتعريفه, فإن أريد اعتبار مسألة كلام الله وأنه قديم أو مخلوق, والفتنة التي جرّتها, هي البداية أمكن ذلك الاعتبار بنحوٍ ما, وقد وجهه البعض باعتبارها أبرز مسائله فسُمّيَ بها. وهذا يجعل بدايته متأخرة إلى العصر العبّاسي.

وقد رأى البعض أنّ علم الكلام قد أخذ تسميته من قولهم "هذا هو الكلام دون غيره" أو لأنّ كتبَه عُنوِنَت ب"الكلام في المسألة الفلانيّة", وقيل إنه أخذ هذه التسمية لأنّه يبحث في أمور رأى "أهل الحديث" وجوب السّكوت عنها, وهو ما يشوّش التأريخ. وإذا نظرنا إلى مسألة "الجبر والاختيار" باعتبارها من مسائل هذا العلم الهامّة, رجعنا في التاريخ إلى مرحلة سابقة على العصر العباسي , وبحسب دعوى البعض يكون "معبد الجهني" المعاصر ل"عبد الملك", و"غيلان الدمشقي" المعاصر ل"عمر بن عبد العزيز" الأمويين من أوائل من تكلّم به.

هذان المثالان يوضحان طرفاً من الاضطراب المذكور, وقد لخّصنا القول, في أنّ الحقيقة التاريخية تجعل علم الكلام –من حيث غرضه- ناشئاً حول القرآن الكريم والسّنّة النبويّة إثباتاً أو دفاعاً.

موقع الإمام


إذا قبلنا المسألة السّابقة, وأنّ مسائل علم الكلام وُجدت بالتدريج, ورجعنا إلى ما رُوي عن الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة والكتب الأخرى المتفرّقة أمكننا اعتباره (خارج موقع الإمامة بالاصطلاح) أوّل من قدّم أطروحات وأجوبة في هذا المجال, ويفهم من كلام "العلامة الطباطبائي" وكلام الشيخ "مطهري" [11]أنّه يمكن –فيما عدا مسألة الكلام نفسها وأنه قديم أو مخلوق- أن يقدَّم من نصوص الإمام معالجة لأكثر مسائل هذا العلم.

بل يمكن تلمّس تأثير الإمام في الحركة العقائديّة للمسلمين ومن خرج عليهم من غلاة ألّهوه وخوارج رفضوه, وهو شأنٌ يجعله ليس أكبر من أن يكون واحداً من علماء الكلام فقط بل محور مسألة هامة في عقائد المسلمين والمجتمع الإسلامي بما يشمله من غلاة وخوارج كما ذكرنا.

تأثير كلامه (ع) في البحث العقائدي


أشرتُ في الفقرة السابقة الخاصة بموقعه (ع) في علم الكلام, إلى أنّه (ع) مع إغماض النظر عن إمامته قد فتح الباب وأوقد السّراج للسائرين في طريقه. فقد دعا في وصفه للطاووس مثلاً أو الجرادة إلى البحث التفصيلي في ما دعى إليه االقرآن إجمالاً من النظر في الآفاق والأنفس, ودعا إلى التزام جانب الحقيقة في البحث بقوله: "من تعدّى الحق ضاق مذهبه"[12], وبقوله: "من تعمّق لم ينب إلى الحق, ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق"[13]. والكلام عن تأثير الإمام في تحريك الفكر يطول.

بل قلنا, أكثر من ذلك, إنّه فتح بشخصه في المجتمع الإسلامي أبواباً لفرق ومدارس نفهم الباعث على نشوء بعضها ونستنكر ما ادّعاه الغلاة والخوارج. وإنّ تقصي هذا المجال تضيق به مقالةٌ كهذه, ولكن لا أقلّ من محاولة إبراز هذا التأثير في البحث العقائدي الشّيعي, وهو ما ذكرتُ سابقاً من حيث عدم الافتراق الحاد بين العقلي والنّقلي والحكمي والكلامي, فاخترت لبيان ذلك نموذجين: كتاب الاحتجاج للطبرسي [14]في المجال النّقلي, ومنظومة غرر الفرائد في فنّ الحكمة وشرحه للملاّ هادي السبزواري[15] في المجال العقلي. ومنعاً للإطالة وجرّ الملالة سيكون النقل موجزاً, قدر الإمكان إلاّ ما احتاج لدفع الإبهام.

النموذج النقلي: كتاب الاحتجاج.


لن ننقل مما رواه إلاّ بعضُ ما يدلّ على مطلبنا, لأنّ فيه إضافة إلى احتجاج الإمام (ع) في المسائل العقائدية, احتجاجاتٍ وردوداً في أكثر من مجال, قال "الطبرسي"[16]:

"احتجاجه عليه السلام فيما يتعلق بتوحيد الله وتنزيهه عمّا لا يليق به من صفات المصنوعين من الجبر والتشبيه والرؤية والمجيء والذهاب والتغيير والزوال والانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه ومجاري كلامه ومخاطباته ومحاوراته: الحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِى نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ المُجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَر الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ وَوَتَّدَ بالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِه.

أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ تَصْدِيقِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإخلاص لَهُ، وَكَمَالُ الإخلاص لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ, لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ. فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ «فِيمَ ؟» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ «عَلاَمَ ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم. مَعَ كُلِّ شيء لاَ بِمُزَايَلَة، فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ والآلة, بَصِيرٌ إذْ لاَ مَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، مُتَوَحِّدٌ إذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّة أَجَالَهَا، وَلاَ تَجْرِبَة اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَة أَحْدَثَها، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْس اضْطَرَبَ فِيهَا. أَحَالَ الأشياء لأوقاتها، وَلاءمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرائِزَهَا، وَألْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِها وَانْتِهَائِهَا، عَارفاً بِقَرائِنِهَا، وَأَحْنَائِهَا"[17].

ثم يورد "الطّبسي بعضاً من خطبه عليه السلام مذكورة في نهج البلاغة, إلى أن يبدأ بإيراد بعض مناقشاته, منها مع النصارى حيث سأله راهب: أخبرني عن شيء ليس لله, ولا من عند الله, ولا يعلمه إلا الله. قال عليه السلام: على الخبير سقطت، أما قولك: "ما ليس لله" فإن الله تعالى أحد ليس له صاحبة ولا ولد .وأما قولك: "ولا من عند الله" فليس من عند الله ظلم لأحد .
وأما قولك: "لا يعلمه الله" فإن الله لا يعلم له شريكاً في الملك[18].

ويروي صاحب الاحتجاج [19]عن علي بن محمد العسكري عليهما السلام في رسالته إلى أهل الأهواز في نفي الجبر والتفويض أنه قال: "روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سأله رجل بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدره؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أجل يا شيخ، فوالله ما علوتم طلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي، والله ما أرى لي من الأجر شيئاً. فقال علي عليه السلام: بل فقد عظّم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم ذاهبون وعلى منصرفكم وأنته منقلبون, ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين, ولا إليه مضطرين. فقال الرجل: وكيف لا نكون مضطرين والقضاء والقدر ساقانا, وعنهما كان مسيرنا؟ فقال أمير المؤمنين (ع): "لعلك أردت قضاءً لازماً وقدرا حتماً، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب, وسقط الوعد والوعيد, والأمر من الله والنهي، وما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان, وجنود الشيطان, وخصماء الرحمان, وشهداء الزور والبهتان وأهل العمى والطغيان, هم قدرية هذه الأمة ومجوسها. إن الله تعالى أمر تخييراً, وكلّف يسيراً, ولم يُعص مغلوباً, ولم يطع مكرهاً, ولم يرسل الرسل هزلاً, ولم نزل القرآن عبثاً, ولم يخلق السماوات والأرض وما بينها باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا, فويل للذين كفروا من النار ثم تلا عليهم: {وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه ..الآية}".

وروى الطبرسي [20]عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: يا أمير المؤمنين متى كان ربك؟ فقال له: ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتى يقال متى كان؟ كان ربي قبل القبل بلا قبل, وبعد البعد بلا بعد, ولا غاية ولا منتهى لغايته, انقطعت الغايات عنده فهو منتهى كل غاية, فقال: يا أمير المؤمنين, أفَنَبيٌّ أنت؟ فقال: ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد.

النموذج العقلي: غرر الفوائد في فن الحكمة وشرحها.


في مسألة "القِدَم والحدوث" وتفسيرها بعد ذكر الخلاف بين الفلاسفة والمتكلّمين, استفاد "الملاّ السبزاوي" من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): "تمام الإخلاص له نفي الصفات عنه" اصطلاحاً خاصاً سمّاه "الحادث الاسمي" ليفسّر به حدوث العالم قال:



والحادث الاسمي الذي مصطلحي

ان رسم اسم جا حديث منمحي


وشرحه بقوله "كان الله ولم يكن معه شيء ولا إسم ولا رسم ولا صفة ولا تعين, فحدث وجدد في المرتبة الأحدية الأسماء والرسوم. وكما أن كلّ ما جاء من اسم ورسم حديث لم يكن فكان, كذلك مطموس منمحي عند مصير الكل إلى الديان"[21].

ثم استفاد كذلك من قوله عليه السلام: "توحيده تمييزه عن خلقه وحكم التميّز بينونة صفة لا بينونة عزلة". قال:

"تباين الوصفي لا العزلي أثر ممن لعقل كأبينا للبشر

فالحق قد كان ولا كون لشي كما سيطوي الكل بالقاهر طي "

إشارة إلى أنّ البداية والنهاية واحد, وإلى أنّ الطيّ باسمه القاهر, كما أن النشر بالأسماء المناسبة له كالمبدع, المنشىء, المعيد[22].

وفي مبحث الصفات ذكر "السبزواري" مقالة الأشاعرة والمعتزلة والكرامية:

"والأشعري بازدياد قائلة وقال بالنيابة المعتزلة"

ونغمة الحدوث في الطنبور قد زادها الخارج عن مفطور

ما واجبٌ وجوده بذاته فواجب الوجود من جهاته"

وفي البيت الأخير رأيه وشرحه: "إنّ حقيقة كلّ صفة هي الوجود والوجود مقول بالتشكيك, فكلّ صفة له عرض عريض". فالإرادة عند "السبزواري" هي "الرضا بالمراد والوجود الصرف عين الرّضا والتّكلّم هو الإعراب عمّا في الضمير, والوجود الذي هو المعروفية والمحبىة الأفعالية إعراب عن المكنون الغيبي, والمكنون الغيبي أيضاً إعراب وإظهار بذاته لذاته وهو التكلم الذاتي". والظاهر أن هذا كلّه منتزع من قوله (ع): "...كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه, لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف انَّه غير الصفة, فمن وصف الله فقد قرنه" وقد مرت الخطبة [23]

" لسانك نهج البلاغة انتهج كلامه سبحانه الفعل خرج "

وفيه تلميح لقوله عليه السلام في نهج البلاغة وقد مرَّ معنا: "إنّما يقول لما أراد كونه كن فيكون, لا بصوت يقرع ولا بنداء يسمع, وإنّما كلامه سبحانه فعله"[24].

وفي بحثه عن إثبات أنّ أوّل ما صدر عنه تعالى هو العقل, وقال:

" عقلاً ونقلاً كان عقل إذ بدا لا يوجد الواحد إلاّ واحدا"

ثمّ جاء في الشّرح بأدلّة عقليّة لإثبات ذلك, وردّ بعض الأقوال, ثمّ استدلّ عليه بالنّقل من حديث رسول الله (ص): "أوّل ما خلق الله العقل", ثم بقول أمير المؤمنين علي (ع) حين سئل عن العالم العلويّ: "صور عارية عن المواد, خالية من القوة والاستعداد, تجلّى لها فأشرقت, وطالعها فتلألأت, ألقى في هويّتها مثاله, وأظهر عنها أفعاله"[25].

وقد استدلّ (قده) بما بنسب إلى أمير المؤمنين علي (ع):

أتزعم أنك جرمٌ صغيرٌ وفيك انطوى العالم الأكبر

على أنّ كلّ ما في الكون عكوسه تعالى شأنه, قال:

"فالعالم الأكبر كان حاوياً كان غداً كل له مرائيا (ج مرآة )

لتحق بِمُثُلٍ نُوريّة واجدة لسنخها عريّة"[26]

وآخر ما وجدته من الاستدلال بكلامه عليه السلام في العقائد عند السبزواري, ما ذكره مؤيداً لرأيه في أنّ المعاد هو الروحاني والجسماني حيث قال:

مَنْ قَصَّرَ المَعَادَ فِي‌ الرُّوحَانِي ‌ّ قَصَّرَ كَالحَاصِرِ فِي‌ الجِسْمَانِي‌ّ

وَجَامِعٌ بَيْنَهُمَا جا فَايِزَا وَقَصَباتِ السَّبْقِ كَانَ حَايِزاً[27]

فقد أنكر (قده) قول بعض الفلاسفة والمتكلّمين الذين اختلطوا في هذه المسألة, ودافع عن "ابن سينا" واتّهامه بأنّه أنكر المعاد الجسماني "حاشاه عن ذلك, إلاّ أنه لم يحقّقه بالبرهان, كما يظهر لمن نظر في إلهيات الشفا". وفي كلامه عن الحاصر للمعاد في الجسماني ذكر أنّ كثيراً من المسلمين ينكرون عالم العقول, وعالم المفارقات العقليّة مطلقاً حتى النّفوس المجرّدة, ويقولون إن الإنسان هو هذه البنية المعروفة, والرّوح والنّفس ليستا غيرها, فالقيامة عندهم إعادة لهذه بعينها. قال في الشرح:

"إنّه نقصٌ وقصور, أمّا عقلاً فلا يخفى, وأمّا نقلاً فلقوله تعال: {ورضوان من الله أكبر}. وقول أمير المؤمنين عليه السلام: ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّنتك, بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك".

وقوله عليه السلام "فهبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك"[28].

خلاصة

بهذه القراءة السريعة لحضور وتأثير نصّ الإمام علي (ع) في النموذجين النقلي والعقلي نعود لإثبات ما ذكرناه, وتلخيصه بأن الإمام عليه السلام كان في المجتمع الإسلامي علامة فارقة شغلت التفكير العقائدي بشكل عام فألّهه البعض, ورفضه البعض, وقبله آخرون كلٌّ على طريقته. وأمّا عند خصوص الشّيعة فقد ساهم نصّ الإمام في تقريب المسافة بين الفلاسفة والمتكلّمين حيث كان مورد استدلال, وأنّ الإمام (ع) قد فتح أبواب الكلام من داخل النّص الديني وأعطى بذلك, من جملة ما أعطاه للّغة العربية, فرصة إظهار المعاني الفلسفية الدّقيقة, في الوقت الذي كانت فيه, لولا القرآن الكريم, لغة مباشرة بسبب تخلّف القوم عن استعمالها, إلى أن جاء القرآن الكريم بها فأحياها, فيما رأيُ العلاّمة "الطباطبائي": "إنّ المقاصد الفلسفية, لا تفي بها الألفاظ –في اللغة العربية- بمعانيها الشائعة, واسعمالاتها المتعارفة, إلا بعد تجريدها –على نحوٍ ما- عن غواشي المادّة, وشوائب الخصوصيّات"[29].

فمن ذلك قوله (ع): "منعتها "منذ" القدمة, وحمتها "قد" الأزلية, وجنبتها "لولا" التكملة".

وقوله (ع): "إن قيل كان, فعلى تأويل الأزليّة, وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم".

وقوله عليه السلام: "واحد لا من عدد, دائم لا بأمد".

ومنها "الأين", و"الحقيقة", و"القوة", و"الاستعداد", و"الكيف", و"الكون", و"العدم", و"اللطف" وما إلى ذلك.

ونتبرّك في آخر هذه المقالة بنقل بعض كلامه (ع) مقسماً على أصول الدين الخمسة: التوحيد, العدل, النبوّة, الإمامة والمعاد, كما صنّفهاالمسلمون الشّيعة, مع الإشارة إلى أنّ بعضهم أدخلَ العدل في مذهب التّوحيد عند الكلام على صفاته تعالى, وأّن من ميّزه نظر إلى ما يفترق به المذهب عن المذاهب الأخرى, وخصوصاً رؤية المعتزلة والأشاعرة للعدل[30].

وكذلك يرى بعض علماء الشيعة ضمّ مبحث الإمامة إلى مبحث النبوّة. بل إنَ الشّهيد "مطهّري" يرى أنّهما (العدل والإمامة) ليسا من مقاصد الإسلام التي جاء بها الرسول محمد(ص) ودعا الناس إليها وترك ما كانوا عليه في الجاهلية. بل يكتفي هنا بالإيمان بالتوحيد والنبوّة, والنبوّة الخاصّة بسيدنا محمد (ص) والمعاد[31].

فمن كلامه (ع) في التوحيد: " وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ: الاْوَّلُ لاَ شَيْءَ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ لاَ غَايَةَ لَهُ، لاَ تَقَعُ الاْوْهَامُ لَهُ عَلى صِفَة، وَلاَ تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّة، وَلاَ تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَالتَّبْعِيضُ، وَلاَ تُحِيطُ بِهِ الْقُلُوبُ والاْبْصَارُ"[32].

ومن كلامه (ع) في العدل: "وأيم الله ، ما كان قومٌ قط في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها ، لأنّ الله تعالى ليس بظلاّم للعبيد"[33].

ومن كلامه (ع) في بعثة الأنبياء ومقاصدها: "بَعَثَ الله الجنّ والإنس رسله[34], وواتر إليهم أنبياءه, ليستأدوهم ميثاق فطرته, ويذكروهم منسيَّ نعمته, ويحتجّوا عليهم بالتّبليغ, ويثيروا لهم دفائن العقول, ويروهم آيات المقدرة"[35].

وفي النّبوة الخاصّة لسيدنا محمد (ص): "أرسله بحجة كافية, وموعظة شافية, ودعوة متلافية, أظهر به الشرائع المجهولة, وقمع به البدع المدخولة, وبيَّنَ به الأحكام المفصولة"[36].

وفي الإمامة: "إنّ الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم, لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم".

ومن كلامه (ع) في المعاد: "ذلك يومٌ يجمع الله فيه الأوّلين والأخيرين لنقاش الحساب, وجزاء الأعمال, خضوعاً, قياماً, قد ألجمهم العرق, ورجفت بهم الأرض, فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً, ولنفسه متّسعاً"[37].

نشر في مجلة المنطلق العدد 75 / 76 - شعبان , رمضان 1411 هجرية = شباط , آذار 1990 م.







[1] راجع العلاَّمة الطباطبائي : الشيعة في الإسلام والشهيد مطهري : في رحاب نهج البلاغة


[2] الفارابي : إحصاء العلوم , تحقيق عثمان أمين , ص 69 – 70


[3] الإيجي : المواقف في علم الكلام ص16 .


[4] الغزالي : المنقذ من الضلال , ص 6 – 7


[5] المطهري :


[6] الآلوسي : دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ص 59 .


[7] الشيخ عبدالله نعمة : فلاسفة الشيعة ص 17 .


.[8] البرهان العقلي


.[9] راجع السيد حسن الصدر : تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص 353


.[10] إبن خلدون : المقدمة , الباب الرابع من الفصل العاشر في تقسيم العلوم


[11] العلاَّمة الطباطبائي : الشيعة في الإسلام والشهيد مطهري : في رحاب نهج البلاغة


.[12] نهج البلاغة : الكتاب 31


.[13] نهج البلاغة : قصار الحكم :31


[14] أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي , ابو منصور , لم يعرف تاريخ ولادته او وفاته ولكن يستقرب ان وفاته كانت حوالي سنة 620 ه . من أجلاء العلماء ومشاهير الفضلاء له كتب في كثير من العلوم الإسلامية منها : الكافي من فقه الشيعة ومفاخرة الطالبية وكتاب الإحتجاج طبع 1966 مع تعليقات السيد محمد باقر الخرسان , مطابع النعمان , النجف الأشرف .


[15] المُلاَّ هادي بن مهدي السبزواري , فقيه إمامي, نعته صاحب الذريعة بالفيلسوف المتأله . له شرح اللآلئ المنتظمة في المنطق والجبر والإختيار زحاشية على الشواهد الربووبية وحاشية على المبدأ والمعاد وحاشية على الأسفار وأسرار الحكمة للشيرازي. والمنظومة المذكورة مع شرحها طبعت بالطباعة الحجرية سنة 1298 ه في طهران.


[16] الإحتجاج : ص 294 – 298 .


[17] من مقدمة الخطبة الأولى : نهج البلاغة .


[18] الإحتجاج : ص 308 .


[19] م . ن : ص 310 .


[20] م . ن : ص 313 .


[21] السبزواري : شرح المنظومة ص82 – 83 .


[22] م . ن ص 83 .


[23] م . ن ص 83 .


[24] م . ن ص 182 .


[25] م . ن ص 190 .


[26] م . ن ص 336 .


[27] م. ن ص 339 .


[28] م .ن ص340 .


[29] العلاَّمة الطباطبائي : علي والفلسفة الإلهية ص 79 .


[30] راجع الشهيد مطهري : الكلام ص


[31] م. ن ص


[32] نهج البلاغة تحقيق الشيخ صبحي الصالح , الخطبة 85 .


[33] م . ن ص257 .


[34] م .ن ص 269 .


[35] م . ن ص43 .


[36] م .ن ص 230 .


[37] م . ن ص 147 – 148 .

الأحد، يوليو 29، 2012

عقول وأحلام وأقلام " قابلة للكسر" ومؤلمة



أتألم عندما أقرأ لأحد ممن كنت أعتبره عاقلا ومتفكرا فأجده اليوم يحتاط في بعض ما ينقله وينشره بخصوص عناوين تعنى بالمأكل والمشرب والزينة وما إليها فينبه على ذلك وانه ليس على مسؤوليته ثم يترك هذا الإحتياط والحذر رأسا عندما ينقل من صحف ومواقع بخصوص أمور العامة من الأمة كأن وظيفته الدينية لا تعود مطلوبة أمامها ....
أتألم عندما أقرأ لإبن أحد من واجهوا الدنيا دفاعا عن صدام حسين وعقدوا لإحدى ديكتاتوريات المنطقة راية الثقافة بمشاركته  في مهرجاناتها – وأحترم حق الأب في بيان رأيه - حرقته على الحريات والعقول إلى حد إعلان وصايته عليها ثم لايشير إلى ثورة سلمية إلا بأدنى ما يستعان به في رفع العتب إن عوتب فضلا عن أن يمتلك جرأة أبيه في النقد الذاتي.
تألمت عندما قرأت لواحد ممن أحببت " رسالة مفتوحة " إلى أهل قريتين تحاصرهما منذ سنة ونصف قوى تكفيرية, وهو يطالب المحرومين من الطحين والدواء أن لا يسيئوا إلى العيش المشترك.... 
تألمت عندما  سمعت من أحب ومن دافعت عنه بكل ما أملك من رصيد يبرر سكوته عن نصِّ لولده من شأنه استجرار الدم بقوله : لا أستطيع الخروج من جماعتي وناسي .
أتألم ممن لم يتعظ بالتجارب ... وأنا منهم ...
كلها عقول وأحلام وأقلام " قابلة للكسر" ومؤلمة
ما هي العلة ؟؟؟؟

الجمعة، يوليو 27، 2012

مستقبل العلاقة بين السنة والشيعة في ضوء مشروع الشرق الأوسط الجديد استعادة لنص من 2006

مستقبل العلاقة بين السنة والشيعة في ضوء مشروع الشرق الأوسط الجديد

عقدت في مجمع الشيخ أحمد كفتارو في سوريا بالتعاون مع جامعة دوشيشا في اليابان بتاريخ 26-12-2006 ندوة بعنوان " مستقبل العلاقة بين السنة والشيعة في ضوء مشروع الشرق الأوسط الجديد " شارك فيها كل من أ.د حسن كوناكاتا من اليابان والشيخ أحمد راجح والدكتور صلاح الدين كفتارو والسيد عبدالله نظام من سوريا ود. الشيخ عبد الناصر جبري والشيخ علي خازم من لبنان وهذا نص كلمة الشيخ علي خازم :
 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين .
 عندما يفجؤك السؤال: السنة والشيعة إلى أين، يدفعك بعض التدين وبقية التعقّل الحر إلى إطلاق فكرك للإجابة عليه في آفاق مثل :
* الدعوة الى الإلتزام الديني في الحياة الإجتماعية والتربوية.
* الدعوة الى تأصيل إسلامي لآليات التنمية الإقتصادية والإدارية.
 * ايجاد حلول للمشاكل البيئية وتحصين الموارد الطبيعية وتطوير فرص استغلالها مع حفظ حقوق الأجيال القادمة.
* تقديم الإسلام بصورة تقبل تعقل الإنسان المعاصر وخصوصاً جيل الشباب والمراهقين.
 * مع هذه كلها وليس آخرها ، العمل على تحرير الأراضي المحتلّة وحلّ القضية الفلسطينية وبناء الحكومات المستقلّة وتحصينها دون استقطاب قوى الهيمنة والإستغلال المعولمة وايجاد مناخات حرية للمواطنين.
 لكنك تصطدم بفجاجة الواقع المؤلم : لا!! ليست هذه موردا للسؤال بل هوأمر آخر: السنة والشيعة الى اقتتال اوأنه ثمة فرصة لتأجيل هذا الإقتتال ؟، أجب ضمن هذين الإحتمالين فقط أوتراجع!
 لن أتراجع : هل صحيح انّ الثالث مرفوع هنا؟ وأن المتفكر فيه مدفوع عن الساحة ومأمور بتخليتها لدعاة الفتنة وللساعين الى الكانتونات أوالغيتوات اوالفدراليات أوالكونفدراليات الطائفية؟
هل ألفت الساحات في المنطقة العربية خطاب التكفير والخشونة وفعل التفجير والرعونة أم أن في جلود أبنائها مساحات تقشعرّ لما يحصل ولما يراد لها أن تعيشه؟
 أليس بالإمكان أن نعيش بكرامة وأن ندع الآخريعيش بكرامة؟ أم هل صدقت دعوى أحد الكتّاب العلمانيين:"حقوق الإنسان المسلم : الخوف ثم الموت أخيرا "؟  
من هم السنة والشيعة العرب اليوم؟
 يتوزع المسلمون العرب اليوم على عناوين المذاهب التالية : شافعية وأحناف ومالكية وحنابلة ووهابية اوسلفية ، واثنا عشرية وزيدية وعلوية واسماعيلية ودروز يضاف إليهم الإباضية ولا ننسى الطرق الصوفية اذ حديثنا هوعن التشكيلات الإجتماعية للمسلمين ولسنا ناظرين الى الجوانب العقائدية والفقهية. هذا التنوع يشهد, على امتداده , انتساباً متفاوتاً في التزامه الديني الحيوي, أوبتعبير آخر ليس كل المسلمين الموجودين في عالمنا العربي ممارسون لشعائرهم الدينية بشكل كامل اودائم ، وليس كل المسلمين يحكّمون الدين في حياتهم الخاصة والعامة.
بل وليست حكوماتهم إلاّ على شاكلتهم : تلفيق وخلط بين الدين وغيره. وكما هوالحال في عدم صفاء الإلتزام الديني ، لا توجد حالة صفاء في الجانب الديموغرافي. فلا تكاد دولة عربية أن تخلو مما يمنع التطابق بين المذهب الواحد والعنصر البشري في الدولة الواحدة (ولوعلى مستوى التشكيل الإجتماعي للعناوين التي ذكرناها) بحيث تجد التنوع متمثلا بصورة الطرق الصوفية المتعددة مثلاً في مساحة السنة.
بل يمكن الجزم كما عندنا في لبنان أنه لوصفت قرية أومجموعة قرى فإنها مرتبطة بقرىً أخرى متمايزة. اذاً المسلمون ليسوا في ديارهم صوراً مستنسخة من أصل ، ولم يكونوا ، ولن يكونوا:  وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  - هود - الآية - 118 
 نقاط التماس التقليدية والمستجدة :
يمكن حصر نقاط التماس التقليدية بين أتباع المذاهب الاسلامية في المنطقة العربية وكذلك النقاط المستجدة بعد بيان المقصود بالتقليدي والمستجد بالتالي: اذا التزمنا بتعبير الدستور اللبناني "الطوائف التاريخية" فالمراد منها الطوائف ذات الإمتداد التاريخي مقابل الطوائف المشكلة حديثاً سواء من جهة نشأتها الدينية كالبهائية وشهود يهوه أومن جهة انتشارها الحديث رغم تاريخها كالتشيّع في بعض الأقطار العربية أوالانتقال الى بعض المذاهب السنية في بعض الدول الأخرى . على هذا فان ثمة نقاط تماس تقليدية وتاريخية بين السنة عموماً والشيعة عموماً هي لبنان، سوريا، العراق، الكويت، البحرين، الإمارات، قطر، السعودية واليمن. وهناك نقاط تماس مستجدة بين السنة أنفسهم كما تشهد بذلك دول المغرب العربي أوسنية أباضيّة كما في عمان وليبيا ، أوبين السنة والشيعة، كما يُدَّعى في مصر والأردن والسودان وفلسطين، أوبين السنة والسنة أوبين الشيعة والشيعة أوالسنة والشيعة كما في اليمن . ورغم التفاوت في نسب الشيعة الى السنة أو نسبتهما الى مذاهب أخرى فإن العاقل لا ينبغي أن يحذف من الخارطة التي ينظر اليها الأديان الأخرى بمذاهبها وطوائفها مع أرجحية نسبة المسلمين عموماً على نسبة غيرهم في العالم العربي مما يجعل الكتلة الشعبية في كل دولة منه فسيفساء تتفاوت نسبة طغيان الألوان الموحدة على أرضيتها. وبالعودة الى خصوص عنوان كلامنا فإننا نستطيع وبوضوح ملاحظة وجود الكتلة الشيعية ديموغرافياً على فسيفساء العالم العربي وان كان حضورها السياسي أقل وضوحاً. فهي بين حراك سياسي مكتوم في الداخل, وغير مؤثر في الخارج كحال شيعة السعودية والامارات وقطر.اوفي حال حراك سياسي صاعد كما في الكويت والبحرين، أوفي حال حضور سياسي نافذ كما في سورية ولبنان والعراق (وأؤكد هنا على اجتماعية الكتلة الشيعية لا على دينيتها الأمر الذي سأتعرض له لاحقاً).
والحق أن لبنان كما العراق هما البلدان العربيان الوحيدان اللذان يمكن الكلام عن تطابق وفعالية بين الشيعة ككتلة اجتماعية بشرية فيهما وبين حجم الحضور السياسي خلافاً للبحرين مثلاً . وعلى هذا فإن تطورات الأحداث في أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي في العراق ولبنان شكلت محور متابعة ودراسة ومحاكاة في نقاط التماس التقليدية ، وقد تشكل بدايات لها في نقاط التماس الجديدة اذا لاحظنا قضية تأسيس مجلس إسلامي شيعي في مصر قبل سنوات مثلاً .وأوضح مثال هوحجم المشاركة الشيعية ترشيحا واقتراعا في انتخابات الكويت والبحرين.
 وللبقاء في مجال الرؤية الطبيعي والواقعي ينبغي إلفات الناظر إلى ملاحظة التماس السلفي الوهابي مع المذاهب السنية الأخرى وبعضها مع المذهب المالكي في دول المغرب العربي أوهي كما مع الإباضية في عمان وليبيا ،دون أن ننسى التماس المسيحي الإسلامي أومحاولات عودة البهائية وحملات التنصير كما في الجزائر وغيرها.... هذا هوحقل الدراسة ومجال الرؤية لا كما يفعل البعض اذ يخرج علينا متصوراً أنّ الواقع العربي هوعلى شاكلة بيته اوحلقة درسه ويبدأ بالإفتاء والحكم بيجب ويحرم ويجوز اولايجوز غير ناظرٍ الى واقع بل إن متابعتي لبعضهم تؤكد جهلاً واضحاً بالواقع الإجتماعي العربي . إن كثيراً ممن يعملون بمنهج" ما يجب أن يكون عليه الواقع" يكسرون زجاجاً لا يعود كما كان فضلاً عن أن يصير كما يرغبون.
 الشيعة والسنة والمواطنية :
 يمكن صياغة العنوان بصورة سؤال: هل توجد لدى الشيعة أوالسنة قضية شيعية أوسنية بالمعنى الإصطلاحي ؟ هل توجد في أقطار العالم العربي مشاريع وبرامج حزبية شيعية أوسنية ؟
واقع الحال يجيب بنعم ولا في نفس الوقت ولكن ليس في نفس الطول أمّا العرض فعريض بمساحة الوطن العربي ويتسع : كيف؟ أمّا النعم فيلخصها مطلب واحد وهو ليس حاضراً في عرض العالم العربي كله ، وهو مطلب قانون الاحوال الشخصية حيث تفتقر الى تنوع إسلامي فيه بعض الدول العربية ذات مناطق التماس التاريخي فضلاً عن بعضها ذات التماس المستجد، وكانت السلطنة العثمانية في حكمها للمنطقة قد أوجدت له حلاًّ بما سمي "نظام الملل العثماني " الذي أعطى لكل طائفة حق إدارة شؤونها الدينية وبناء مؤسساتها التربوية والثقافية والإجتماعية وادارة أوقافها عبر مجلس ملي لكن من دون تدخل مباشر للسلطنة ولم تستطع الدول العربية الحديثة أن تجد له الحل المناسب إلى الآن. وهوبعد, شأن لا يستدعي أكثر من: عمل مطلبي من المواطنين كما حصل في مصر على يد د. احمد راسم النفيس في طلب الحق بممارسة الشعائر الدينية وتطبيق الاحوال الشخصية الجعفرية على الشيعة الاثنا عشرية, و: روح حرّة من المسؤولين وتسامح من بعض رجال الدين. أما فرض احتساب زكاة المال الورقي الذي كان سبباً لمشاكل الباكستان أيام ضياء الحق فيمكن حلّه شرعاً وفق المذهب الجعفري. وعلى كلّ حال فإنه غير موجود عربيا إلا في السعودية حيث تحتسب الزكاة رأساً في الضرائب. وهوأمر لا يستدعي تشكيلات حزبية وسياسية فضلاً عن أن تكون عسكرية.
 وأمّا اللا فهي الجواب على كل ما يعني المواطن من حيث هوانسان يعيش في دولة ، غاية الأمر يمكن الكلام عن إسلامية القضايا كما يمكن الكلام عن دينية قضايا وهوأمر لن يخالف العقل ولا الفطرة السليمة ويقبل التعدد والحوار من حيث ثقتنا بأنّ الإسلام لا يصادم العقل ولا المنطق ولا الكرامة الإنسانية . هذا جواب السؤال الأول ، أمّا جوابا على السؤال الثاني فيمكنني القطع أنّه خارج إطار التكفيريين لا يوجد لدى أي تنظيم أوحركة شيعية أوسنية برنامجاً سياسياً ولا مشروعاً سياسياً شيعياً أوسنياً بل هي مشاريع إسلامية إنسانية قد تستند الى التشيّع أوالتسنّن لكنّها لوقيّض لها الإمساك بمقاليد السلطة السياسية في بلدين متجاورين لوجدنا بالمقارنة الواقعية أنهما سيحكمان بنفس الأسلوب والطريقة ، وسيصيبان في مواقع بل وسيخفقان في مواقع أجزم أنّها متساوية فلا ولاية الفقيه الشيعية مختلفة عن ولاية الفقيه السنية ولا حاجات المواطنين الشيعة مختلفة عن حاجات المواطنين السنة.
 أين المشكلة إذاً ولماذا يحصل الذي يحصل ؟ العنف الطائفي أوالمسألة الدينية وغياب المشروع المركزي الموحد للأمة :
 كائناً ما كان أومن كان سبب انبعاث الصحوة الدينية الإسلامية في عالمنا العربي قبل عدة عقود فإنه أمر يحمد الله عليه ، ويشكر كل جهد بذل فيه ونسأله تعالى أن يحتسبه لاصحابه في ميزان حسناتهم يوم القيامة . لكن,وآه منها، لكنّ ما طفا على ضفاف هذه الصحوة من ارتجاعات لتيارات لم يخل منها المجتمع الإسلامي إضافة الى آثار الخلل في بنية وأداء الدولة العربية الحديثة وردود الفعل عليها والتي عبّر عنها قديماً نعيم بن حماد في كتابه "الفتن" ونسبه الى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسنده عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله (ص) :"لن تفنى أمّتي حتى يظهر فيهم التمايز والتمايل والمعامع" . قال حذيفة :فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما التمايز ؟ قال (ص):"عصبية يحدثها الناس بعدي في الإسلام". قلت فما التمايل ؟ قال(ص):"يميل القبيل على القبيل فيستحلّ حرمتها ظلماً". قلت وما المعامع ؟ قال(ص):"مسير الأمصار بعضها الى بعض فتختلف أعناقها في الحرب هكذا وشبك رسول الله بين أصابعه وذلك اذا فسدت العامة يعني الولاة وصلحت الخاصة طوبى لامرئ أصلح الله خاصته". هذه العناوين الثلاثة : التمايز والتمايل والمعامع هي عناوين للصراع الداخلي ، والحديث بمضمونه وبغض النظر عن صحة سنده يشير الى أن هذه الثلاثة ستكون في الأمّة بمعنى السنّة التاريخية وقد عشناها أكثر من مرّة ونعيشها اليوم لا كأمة فقط بل كأقطار .
 التمايز سنة وشيعة موجود لكنّ التمايز في غزة ليس بين السنة والشيعة التمايل سنة وشيعة موجود لكن ّالتمايل في غزة ليس بين السنة والشيعة المعامع حصلت بين العراق وايران ولكنّه حصل أيضاً بين العراق والكويت . وتعرفون أنّنا في لبنان عرفنا التمايز والتمايل بين حركة امل وحزب الله وكلاهما شيعة ، اذاً لا خصوصية للعنف الطائفي بالمعنى العقائدي والفقهي وانما هوعنف سياسي اجتماعي, يأخذ العنوان بحسب طبيعة الصراع بين الكتل الإجتماعية فهوحرب الإخوة إذا كان طرفاه من كتلة واحدة وهوحرب مذهبية إذا كانا من مذهبين مختلفين وطائفية إذا كان بين طائفتين أوطوائف وليس كل عناصر القتال فيه ملتزمون حتى بالصلاة اليومية أحياناً. فما هي الخصوصية في الفتنة المذهبية في القطر الواحد أوفي حرب الإخوة داخله. وبسؤال مبسّط ما هومشروع الشيعة في حربهم على السنة أوالعكس وما هي المشاريع المتقابلة بين أبناء المذهب الواحد في فلسطين المحتلّة : هل هي مشاريع دينية عقائدية فقهية أم هي مشاريع ذات طابع سياسي اجتماعي ؟  
هنا يكمن الحوار الذي أشرنا إليه سابقاً عند حديثنا عن المذاهب ككتل اجتماعية:
هل كلّ مقاتلي السلطة الفلسطينية يكفّرون مقاتلي حماس،أوهل كان مقاتلوا أمل يكفّرون مقاتلي حزب الله؟ هل بغت حركة حماس على السلطة الفلسطينية لتقاتلها السلطة بعد رفضها الصلح حتى تفيئ الى امر الله؟
أين هوالمشروع الشيعي اوالسني بالمعنى الديني في اي قطر من اقطار العالم العربي والذي يستحق الدفاع عنه بنفي الآخر؟ وهل يمكن اصلا نفي الآخر وتركيب أقطار على صورة تطابق ديمغرافي جغرافي بدون تدمير نقاط التماس التي ذكرنا الا بما يعني تدمير العالم العربي كله؟
 نعم يمكن ذلك وفق مشروع واحد لا هوسني ولا هوشيعي بل ولا هونصراني ,انه مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي تبشر به وتسوقه اميركا, وقدما فعلت في ايام كيسنجروما زالت تسعى في تفتيت المنطقة العربية لحماية امن الكيان الاسرائيلي الغاصب: الغيتو اليهودي الذي لا يستطيع الاستمرار في الوجود ضمن محيط غير خاضع لنفوذه الا اذا حوله الى وحدات متصارعة في ما بينها. ليس من مشكلة مع المشروع الشيعي الفارسي البهلوي ايام الشاه ولكن المشكلة مع المشروع الشيعي المتحالف مع ايران الثورة الاسلامية المعادية لاسرائيل,اوهل كان للشاه مشروعية شيعية؟. ليس من مشكلة مع المشروع السني أوالشيعي العربي اذا رضيت به اميركا واسرائيل ,اوهل تبقى له مشروعية سنية أوشيعية ان كان كذلك؟ انها اذا مشكلة الصراع حول المشروع المركزي الذي يجب ان تجتمع عليه الامة.
المشكلة الحقيقية هي في بقاء عناصر قوة للمشروع الاسلامي العربي الرافض للاعتراف باسرائيل اوبالحد الادنى الرافض للخضوع لها وسعي الاعداء ومعهم العملاء الى ضرب عناصر القوة هذه.
وهوالمشروع الوحيد الذي يستطيع جمع قطع الفسيفساء ليشكل بها لوحة انسانية لا لوحة سكانية كما يريدون لنا ان نكون في العالم العربي والاسلامي.وهوبذلك المشروع الوحيد الذي على ضوئه يمكن استرجاع فلسطين واعادة اهلها اليها وفق الحق الانساني. المواجهة الحقيقية هي بين هذين المشروعين: المشروع الاسلامي العربي ضد مشروع الشرق الاوسط الجديد.
 هذه هي المعادلة الاساسية وضع تحتها عناوين واسماء المتصارعين على ارض الواقع العربي ومن يدعم كلا منهم في مناطق التماس الطائفي التقليدية والمستجدة وستجد عندها شيعة وسنة هنا وشيعة وسنة هناك فلا كل السنة مع اميركا ولا كل الشيعة ضدها. وبذلك نستطيع تفسيرالاقتتال القائم حاليا بين الشيعة والسنة في العراق وبين السنة والسنة في فلسطين بانه عمل حرام وكريه وبغيض وهوعنف طائفي بالمعنى السياسي الاجتماعي يستغل المسألة الدينية لانه يسعى الى ازالة كل نقاط التماس الداخلية التي تعني الغنى والتنوع لصالح صفاء سياسي اكثر منه مذهبي يحدث نقاط تماس خارجية طبيعتها الصراع والتناحر. وبه ايضا نستطيع تفسيرالالم الذي يشعر به السني عندما يفجر اويقتل شيعة العراق ,كما نستطيع تفسير الالم الذي يشعر به الشيعي عندما تنطلق رصاصة الى صدر مجاهد من حماس اوالخوف الذي اعترى الشيعة عند محاولة اغتيال الاخ اسماعيل هنية وكانها محاولة اغتيال لسماحة السيد حسن نصرالله. واخلص من ذلك كله الى ان تغييب المشروع المركزي الموحد للامة مشروع تحرير فلسطين كلها واستعادتها الى اهلها ,أوالاستغناء عنه بما تعرضه علينا اميركا عبر عملائها اوالاقتناع بمشروع بعض التنظيمات التكفيرية القاضي بتصفية الرافضة مقدمة للصراع الاسلامي الاسرائيلي سيدفع بالاقتتال السني السني والشيعي الشيعي والسني الشيعي والاسلامي المسيحي الى السطح ليس فقط لان المؤامرة فائمة عليه بل لانه من طبائع الامور ومقتضيات السنن التاريخية, والعكس صحيح.
 من المسؤول؟ كلنا مسؤول راع ورعية,ولاة الامور وعلماء الثغوروكل عاقل. هل يمكن تأجيل الاقتتال؟ يمكن منعه والغاؤه بالعمل لا بالاماني والاحلام حتى لوصرنا الى مقالة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام اذ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ {المائدة/25} والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الثلاثاء، يوليو 24، 2012

زيارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأسبوع الأخير من شعبان 1433 – 14 /21 تموز 2012


تلبية لدعوة وزير الخارجية الإيرانية الدكتور علي أكبر صالحي قام وفد من تجمع العلماء المسلمين بزيارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث كانت لنا عدة لقاءات أولها مع معالي الوزير ثم كان لنا لقاء خاص مع سماحة ولي أمر المسلمين آية الله العظمى السيد علي الخامنه إي دام ظله وقدمت لسماحته في نهاية اللقاء كتابي الأخير نحو ثقافة واحدة في المجتمع اللبناني ووعدني بمطالعته وابداء رأيه.
في طهران التقينا بالأمين العام الجديد للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية سماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محسن أراكي بحضورحجة الإسلام الشيخ مهدي التسخيري وكان لنا أيضا لقاء بسماحة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن أختري الأمين العام لمجمع أهل البيت.
في قم المقدسة كانت لنا جلسة عمل في مركز جامعة المصطفى الدولية مع كبار المسؤولين في الجامعة ثم زرنا سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد الشهرستاني المسؤول عن المؤسسات العاملة برعاية سماحة آية لله العظمى السيد السيستاني دام ظله ووكيله العام , بعدها زرنا المكتبة التاريخية المتخصصة التي تضم اكثر من 22000 كتاب في تاريخ وجغرافية العالم الإسلامي والتي يديرها حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رسول جعفريان وهي برعاية حجة الإسلام والمسلمين السيد الشهرستاني . وقد زرنا أيضا المصنع الفني لعمل الأقفاص الخاصة بالمراقد الشريفة حيث التقينا هناك بالأمين العام للعتبة المقدسة للإمامين الجوادين في العراق الحاج فاضل الأنباري.
وبعد زيارة ضريح السيدة فاطمة  بنت الإمام موسى الكاظم وأخت الإمام الرضا عليهم السلام قام الوفد بزيارة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في مكتبه .
وختمت الرحلة بزيارة الإمام علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد المقدسة .
وقد تهيأت لي في هذه الرحلة مناسبة تجديد علاقة الصداقة وزيارة بعض الإخوان ومنهم حجة الإسلام والمسلمين سماحة السيد أبو الفضل بهاء الديني والمفكر الإسلامي الكبير أحد أهم قادة الثورة الإسلامية الإيرانية الأستاذ جلال الدين فارسي.


مع آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي



مع وزير الخارجية الدكتور علي أكبر صالحي
مع الأستاذ جلال الدين فارسي
مع حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن أختري
مع حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محسن أراكي
مع حجة الإسلام والمسلمين السيد جواد الشهرستاني
مع حجة الإسلام والمسلمين الشيخ رسول جعفريان
في جامعة المصطفى
صحن آزادي - مشهد
صحن آزادي - مشهد
قبة سوق كزرخان - قم
تحت القبة
مدخل منزل أستاذي الشيخ إبراهيم صدقي البهبهاني في سوق كزرخان وقد تحول إلى مصنع وكنت درست عنده فيه كتابَي المختصر النافع وشرايع الإسلام
l


ألبوم الصور