الاثنين، يونيو 15، 2026

صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

 


صُنّاع التاريخ العاملي: من حركية المادة والإنتاج إلى فلسفة الدم والصبر

مقدمة: التاريخ كصناعة واعية

لا يُصنع التاريخ بالمصادفات، ولا يُترك وعي الأمم لمهبّ العفوية والارتجال. التاريخ في جوهره صناعةٌ واعية، والصناعةُ في كينونتها المادية والوجودية تحتاج إلى تضافر عناصر أربعة متكاملة: رأس مال محرك، أدوات وآلات فاعلة، جهد بشري خلّاق، وقدرة استراتيجية على التسويق والتسييل زماناً ومكاناً في مجريات الدهر.

ضمن هذه المعادلة الموضوعية، تحرك الإنسان العاملي (أهل جبل عامل) عبر التاريخ؛ فلم يكن يوماً على هامش الجغرافيا، بل كان في قلب حركيتها وصانعاً لمتغيراتها. غير أن الميزة الوجودية للشخصية العاملية تكمن في أنها لم تفصل يوماً بين "مادية الإنتاج" "وأصالة الروح"، بل زاوجت بين قسوة العمل والجهد اليومي، وبين الانتماء الفكري العقائدي الأصيل؛ فكان العامليون قرآنيين في منطلقهم المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلوناتها المعقدة ومحطاتها المتغيرة عبر الأزمنة.

أولاً: واقعية الجهد العاملي (رأس المال، الأدوات، والتسييل)

تاريخياً، واجه العامليون جغرافيا جبلية قاسية وتهميشاً سياسياً واقتصادياً متعمداً من السلطات المتعاقبة. ولفرض وجودهم وانتزاع بقائهم، تحوّل الجهد البشري العاملي إلى قوة جبارة طوعت الصخور وحولتها إلى مدرجات زراعية خصبة أنتجت التبغ والزيتون والحبوب، مستخدمين أدواتهم البسيطة لإنتاج عيشهم بحرية.

 ولأن "الصناعة يلازمها تسييل وتسويق"، لم ينغلق جبل عامل على نفسه، بل ارتبطت حركته الاقتصادية بحواضر المحيط كصيدا وصور وعكا ودمشق، مكرساً معادلة الاكتفاء الذاتي الممزوج بالانفتاح التجاري.

إلا أن اشتداد الحصار والاضطهاد وتدمير المواسم المتكرر عبر الحقب، ضيّق حدود الجغرافيا المحلية على تطلعات الإنسان العاملي، مما دفعه إلى نقل معركته الإنتاجية إلى فضاءات أرحب، مبتكراً "رأس مال بديل" عبر ظاهرة الهجرة الاغترابية المبكرة إلى أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولم يكن هذا الاغتراب انقطاعاً عن الأرض أو هروباً من مواجهة الواقع، بل كان امتداداً تاريخياً وموضوعياً لذات الدورة الاقتصادية؛ حيث تحولت الغربة إلى ساحة جديدة لتسييل الجهد البشري وضخ الأموال والموارد المغتربة في عروق الوطن، لتعود دماءً اقتصادية طازجة تُستثمر في تمويل حواضره الثقافية، وتعزيز صمود مجتمعه في وجه نوائب الدهر زماناً ومكاناً.

ثانياً: هويةٌ قرآنية وولاءٌ حركي يصنعان ريادةً عالمية

استندت هذه الحركية المادية للإنسان العاملي إلى مخزون عقائدي صلب تلاحم فيه الأصل بالفرع؛ فكنا قرآنيين في منطلقنا المعرفي، وولائيين لخط الإمامة بكل تلويناتها للأزمنة المتغيرة في امتدادنا السياسي والحركي.

 لم تكن هذه الثنائية شعاراً مجرداً، بل تجسدت في تمهيد النص الإلهي ومعالم الوعي؛ فمن آيات الحث على العمل وعمارة الأرض، تحول التوجيه القرآني: {وَقُلِ ٱعْمَلُوا۟ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (التوبة - آية 105) إلى دافع يومي لرفض الخمول، ومن آيات مواجهة البغي ومقاومة الجور مستندين إلى قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج - آية 39)، استمدّ العقل العاملي شرعية الوفاء لخط الإمامة الرافض للظلم، وصاغ معالم مواجهته للجور عبر التاريخ.

هذا التلاحم بين الوعي القرآني والخط الولائي جعل من طلب العلم وتأصيل الفقه فريضة حركية امتداداً لقوله سبحانه: {.. يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَٰتٍ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (المجادلة - آية 11) ، فصار جبل عامل "نجف الشام" بحواضره ومدارسه العلمية الكبرى في كرك نوح، وميس الجبل، وجزين، ومشغرة، وجباع، والنبطية.

وعندما تلونت الأزمنة واكتملت الأهلية العلمية للجبل، انطلق العقل العاملي لتطبيق الامتداد الغائي للآية الكريمة؛ فتحقق النفير هنا لا لطلب التفقه بعد أن أُصّل في الحواضر المحلية، بل سعياً للإنذار والتبليغ، واعتبار العالم كله ميداناً رسالياً ممتداً، مصداقاً لتمام البيان الإلهي: { وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }(التوبة - آية 122). وضمن هذا الأفق التبليغي، وسواء أكان النفير استجابةً لطلب مباشر من حكام تلك الحواضر الكبرى وحاجتهم الملحّة لعلم الجبل، أو كان سعياً ذاتياً لمدّ جسور الفكر، فيمّم علماؤنا شطر الإمبراطوريات والحواضر الكبرى الناشئة؛ فكان العراق هو الرحم الفقهي والموئل الذي تخرجت من حوزاته (كالحلّة والنجف) النوابغ العاملية الأولى لتعود وترفدها لاحقاً بالتجديد، وكانت البحرين واحة الأخوة والسليقة التي امتزج بها الفكر العاملي حتى احتضن ثراها كبارنا كالشيخ حسين بن عبد الصمد. والتفتت العقول العاملية بطلب ونفير رسالي نحو الدولة الصفوية في إيران والممالك الفقهية في الهند كحيدر آباد وسلطنات الدكن؛ ففي إيران تولى المحقق الكركي (الشيخ علي بن عبد العالي) مقام شيخ الإسلام مؤسساً للقضاء والنظم، وبرز الشيخ البهائي (بهاء الدين العاملي) كعبقرية جمعت بين فقه الشريعة وعمارة الأرض وهندسة إصفهان. وفي الهند قاد العقل العاملي دفة الحكم والوزارة والقضاء في بلاط حيدر آباد وسلاطين قطب شاه؛ فبرز الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي وزيراً أولاً وصادراً للسلطنة، والسيد جمال الدين الموسوي الجبعي مرجعاً أعلى وقاضياً للمملكة بأسرها، إلى جانب ريادة الشيخ حسن بن علي بن أبي جامع العاملي الفقهية، وإدارة الشيخ حسين بن شهاب الدين العاملي الكركي للمناهج العلمية والطب. هذا العبور التاريخي يبرهن أن ريادة العامليين لخط الإمامة لم تكن حالة طارئة، بل نتاج وعي قرآني حركي تخرّج من مدارس القرى كـ ميس الجبل وكرك نوح ليقود كبريات حواضر العالم الإسلامي بمرونة واقتدار تتماشى مع كل المتغيرات.

ثالثاً: إعادة تعريف أدوات الإنتاج (الشهادة والصبر كقيمة سيادية)

هذا الامتداد الفكري قاد الشخصية العاملية إلى صياغة الفلسفة الأعمق في مسيرتها: إن مفهوم "أدوات الإنتاج" لم يقف يوماً عند حدود المحراث المادي أو رأس المال النقدي. ففي بقعة جغرافية مستهدفة دائماً في أمنها وأرزاقها بفعل موقعها وصراعها التاريخي، أدرك العامليون أن أي إنتاج مادي لا تحميه "سيادة وقوة" هو إنتاج مؤقت وقابل للمصادرة والهدم.

بناءً على ذلك، دخل تقديم الشهداء في صلب العملية الإنتاجية للتاريخ؛ فالدم في جبل عامل هو "رأس المال السيادي" الذي يُدفع لإنتاج أمن الأرض، وحرية القرار، واستمرارية الوجود. أما الصبر على تدمير الأرزاق، وقصف المواسم، وهدم البيوت، فهو ليس حالة انكسار مادي أو استسلام، بل هو "إعادة استثمار عقائدي واستراتيجي" في الأرض.

حين يُهدم المصنع أو تُحرق حقول الزيتون، لا تتوقف دورة الإنتاج، لأن الإنسان العاملي يعيد تسييل هذا الهدم والوجع وتحويله إلى صلابة معنوية وإصرار على إعادة البناء. الصبر هنا هو الأداة الإنتاجية الفوق-مادية المستمدة من قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ } (البقرة - آية 155). هذه الأداة هي التي تمنع المعتدي من تحقيق أهدافه السياسية، وتجعل كلفة التدمير عبئاً على العدو لا على صاحب الأرض.

رابعاً: تلونات الأزمنة وصناعة المقاومة الحديثة

إن الوفاء لـ"خط الإمامة" فرض على العامليين قراءة دقيقة للمتغيرات عبر التاريخ دون التنازل عن الثوابت. فمن المقاومة بالفكر والحبر مع الشهيدين الأول والثاني، إلى المقاومة السياسية والوحدوية في مؤتمر الحجير (1920) بقيادة الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين في وجه الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى العصر الحديث مع حركة الإمام السيد موسى الصدر وتأسيس المقاومة لمواجهة الاحتلال والحرمان. في كل هذه المحطات، كان العاملي يعيد تطويع أدواته ليتناسب مع "تلونات الأزمنة"، محولاً الفكر الولائي العاشورائي من بكاء سلبي إلى قوة مادية منظمة قادرة على تغيير المعادلات الإقليمية وحماية الجغرافيا.

خامسة وخاتمة: نَفَس عاشورائي وعهد قائم

مع هلال محرم، نثبت في أرضنا كشجر الزيتون العصي على الحرق؛ فبيوتنا تُهدم فتُبنى في الصبر قلاعاً، وحقولنا تُقصف فتُنبت مواسمها عزاً. خسارة المادة والرجال في منطقنا لا تعني التراجع، بل هي ذروة الاستثمار في السيادة البديلة. واليوم، ونحن ندخل أعتاب شهر محرم الحرام، يتلاقى التوقيت الروحي مع الواقع الميداني ليعيد شحذ معاني هذه الهوية وتأكيد بقائها؛ فجبل عامل يجد نفسه اليوم في قلب خضم العملية الإنتاجية للتاريخ والكرامة، مواصلاً المسير ذاته وعينه على كربلاء.

لم تنتهِ كربلاء في يوم العاشر، بل استمرت وحُفظت بالدور التاريخي المكمل لـعقيلة بني هاشم السيدة زينب والإمام علي بن الحسين السجّاد (عليهما السلام). ويمثل هذا الدور اليوم بوصلتنا الأخلاقية والشرعية؛ فكما حملت السيدة زينب والإمام السجّاد راية مقاومة الظلم والعدوان وتبيين الحقائق وسط المحن، غدت الأمة اليوم -بنسائها ورجالها، وأخواتها وعلمائها- مدعوة لحمل هذه الراية بصوت الحق الفصيح. وفي ذات السياق، تأتي عائلات الشهداء، والجرحى الميامين، والبيوت الحاضنة والأهل الأوفياء كـ"ودائع المقاومين" الغالية التي تركها الأبطال في الساحات، لتكون رعاية هذه الودائع، وحفظ كرامتها، وصون صمودها مسؤوليةً شرعية واجتماعية تقع في صلب العقيدة الزينبية والسجّادية.

لقد دفعنا في السنتين الماضيتين فاتورة الدم الأغلى والأقسى؛ فقدنا كبارنا وقادتنا وعزّ مراجعنا الحركية والفكرية الذين كانوا صمام الأمان والبوصلة. غيابهم ترك جرحاً غائراً في الجغرافيا والقلوب، لكن فلسفة "الإنتاج بالدم" علمتنا أن القادة يترجلون لتتحول دماؤهم إلى طاقة دفع وجودية، تزيد العروق صلابة، وتورث الأجيال ثباتاً لا يلين. ونحن نقف اليوم على مشارف عاشوراء، نلوذ براية الحسين، ونستلهم من صبر السجّاد وبلاغة زينب (ع) أسلحة لمواجهة تلونات الأزمنة. نودع كبارنا بالدمع والدم، ونستقبل العام الهجري الجديد بذات العهد الوفائي القديم: وعي قرآني هادٍ، وسلوك رسالي وحدوي، وولاء راسخ لخط الإمامة، ومقاومة حيدرية وحفظ لودائع الشهداء والجرحى والأهل زماناً ومكاناً حتى يمنّ الله علينا بنصره وتحقيق وعده ببسط سلطان العدل بيد الإمام الموعود المنتظر عجّل الله فرجه الشريف.

الشيخ علي خازم، ‏29‏ أيار‏، 2026

ليست هناك تعليقات:

ألبوم الصور