الأربعاء، أغسطس 16، 2017

يا ويلتاه إن كنت منهم



يا ويلتاه إن كنت منهم
"حَسِبَ" من أفعال القلوب بمعنى قدّرَ, ونستخدمها في عاميتنا اللبنانية بنفس المعنى في مثل قولنا "محسِّب حالو بيفهم", وهي كما في الفصحى تفيد الرجحان مع التشكيك الذي يقابل القسم الاخر من أفعال القلوب التي تفيد اليقين.[1]
والحسبان في القرآن الكريم بهذا المعنى  من أفعال ضيقي الفهم الذين لا يُعمِلون أبسط أدوات المعرفة وهي الشعور جمعا بين القولين الذين أوردهما الشيخ الطوسي : " والشعور العلم الذي يدق معلومه وفهمه على صاحبه دقة الشَعْر, وقيل : هو العلم من جهة المشاعر وهي الحواس، ولهذا لا يوصف الله تعالى به ". لاحظ نفيه عنهم في قوله تعالى:
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ  نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} , [المؤمنون :55 و 56].
فإنّهم على تنعمهم الحسي بالمال وبالبنين تلقوه على أنه تتابع ومسارعة في الخيرات لصلاح حالهم ولم يفهموه حق فهمه, ولنلاحظ في السياق للآيات العلاقة بين " نُمِدُّهُمْ " و " نُسَارِعُ" في جماعة فاقدي الشعور وبين المسارعة  في جماعة " الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ" في الآية 61  : {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} .
الخيرات الحسية من مال وبنين مشتركة فيهما لأنها رزق الله لعباده, لكن الجماعة الأولى تتلقاها ولم يذكر الله عنهم أنهم يسارعون فيها بل هي المسارعة فيهم, بينما قال عن الجماعة الثانية يسارعون فيها ويسبقونها والمراد أنهم يسارعون فيها إنفاقا في سبيل الله فترجع إليهم ثم يرجعون ولا يزالون سابقين لها {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.
فبماذا تميزت هذه الجماعة عن الذين لا يشعرون لتكون مسارعة وسابقة؟ لاحظ الآيات السابقة لها:
-          إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)
-           وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)
-           وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)
-           وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)
-          أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)
ولنرجع إلى "يحسبون" فقد وردت في القرآن الكريم في تسعة مواضع أخطرها في قوله تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف : 104].
تعالوا نفحص أنفسنا بعرضها على الموارد التي ذكرها القرآن الكريم عمن يحسب:
-          {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران : 178]
-          {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران : 180]
-          {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف : 30]
-          {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} [الأنفال : 59]
-          {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف : 104]
-          {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ} [المؤمنون : 55] نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)
-          {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور : 39]
-          {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب : 20]
-          {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف : 37]
يا ويلتاه[2] إن كنت منهم
ع.خ,‏الثلاثاء‏، 15‏ آب‏، 2017


[1] "أفعال القلوب أو الأفعال القلبية هي من أخوات ظن، وسميت بالأفعال القلبية؛ لأن معانيها تتعلق بالقلب. وهذه الأفعال تنقسم إلى:
1- أفعال اليقين، وهي سبعة هم: علم ـ رأى ـ وجد ـ درى ـ جعل ـ ألفى ـ تعلّم، بمعنى اعلم. وهذه الأفعال تدل على اليقين والقطع.
2- أفعال الرجحان، وهي ثمانية، هم: ظن ـ خال ـ حسب ـ زعم ـ عدَّ ـ حجا ـ هب ـ جعل.
وهذه الأفعال تدل على الرحجان (الشك) وذلك عند وجود دليلين متساويين في القوة بحيث لا يستطيع المرء ترجيح أحدهما وترك الآخر، لعدم وجود قرينة للترجيح", شواهد النحو العربي
[2] الوَيْلةُ الفضيحة والبَلِيَّة وقيل هو تَفَجُّع وإِذا قال القائل واوَيْلَتاه فإِنما يعني وافَضِيحَتاه

ليست هناك تعليقات:

ألبوم الصور